غرباً باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

على الرغم من ان الناطق الرسمي باسم وزارة خارجيتنا، السفير على الصادق، جزم في تصريح له منشور بأن تلال وثائق ويكيليكس التي جرى تسريبها مؤخراً - متضمنة عدداً من المراسلات الرسمية لوزارة الخارجية السعودية - مزورة، إلا ان وزارة خارجية خادم الحرمين نفسها كانت أقل جزماً  وأكثر شفافية، إذ اصدرت بياناً ذكرت فيه ان الوثائق (قد تكون مزورة). وهو ما يعنى ضمناً ان الوثائق (قد تكون) صحيحة!

بناء على ما تقدم فأنني سأفترض أن وثيقة ويكيليكس التي حملت توقيع وزير الخارجية السابق الامير سعود الفيصل بشأن الكاتب الصحافي المصري الساخر الشهير الراحل أحمد رجب (قد تكون) قابلة للفحص والمناقشة.

فحوى الوثيقة ان الحكومة السعودية تلقت تطمينات من الصحافي المذكور، عن طريق وزير مصري، بأن كتاباته الأخيرة لم تكن موجهة ضد المملكة، بل كانت موجهة حصرياً ضد دولة قطر. مع التأكيد بأن الكاتب يحب السعودية ويقدر حكومتها ومليكها. كما أبلغ الوزير المصري المسؤول السعودي ان الصحافي احمد رجب يزمع ان يثبّت هذا المعني ويؤكده من خلال مادة صحفية يكتبها مستقبلاً.

كذلك حملت الوثيقة توصية سمو الأمير وزير الخارجية لجهة اخرى في المملكة بأن (تستقطب) الكاتب أحمد رجب. يقول النص: (قد يشاطرني معاليكم الرأى في ضرورة بذل الجهود لاستقطاب مثل هذه الأقلام المرموقة والمؤثرة).

قلبت فقرات الوثيقة في رأسي عدة مرات بيد أنني لم اوفق في الوصول الى رأى قاطع عما إذا كانت هذه المادة الويكيليكسية توثق لقوة الصحافة والكتاب الصحافيين، أم لضعفها وضعفهم.

الوثيقة واضحة في أن الكاتب الصحافي هو الذي بادر بالاتصال ليبلغ الجهة السعودية بأنه انما عنى بكتاباته الشانئة دولة قطر لا المملكة، وذلك عن طريق الوزير الذي اتصل بالسفير السعودي لينقل له انكار الكاتب الصحفي لمقصد الإساءة في كتاباته. والصورة هنا ليست في صالح الصحافة، والمظهر العام مظهر ضعف.

ولكن تدخل شخصية قيادية سعودية في وزن سمو الامير سعود الفيصل للتوصية ب(استقطاب) هذا الكاتب الصحفي بالذات، ثم حديثه العام عن ضرورة (استقطاب الأقلام الصحفية المرموقة والمؤثرة) تقلب المعادلة رأساً على عقب، لتعزز فرضية سلطة الصحافة وقوة نفوذ كتابها.

الاستاذ أحمد رجب توفي في سبتمبر الماضي، رحمه الله. ولكن الذي يحيرني في أمره وأمر (استقطابه) هو انه لم يكن يكتب غير صندوق صغير بعنوان (نص كلمة)، يشتمل على عدد قليل جداً من الكلمات لا يتجاوز احيانا عدد اصابع اليدين. ويشبه ذلك الصندوق في فكرته الكتابات القصيرة الساخرة التي يكتبها عندنا بين الفينة والاخرى كتاب هواة مثل الدكتور كمال عبد القادر تحت عنوان (كلامات)، او حسين ملاسي، في أخيرة صحيفتنا هذه، تحت عنوان (فتأمل).

فإذا كانت مثل تلك الكليمات القلائل قد استوجبت التداول والتشاور على اعلى مستويات السلطة في دولة استراتيجية كالمملكة السعودية، وخلصت الى التوصية بضرورة (استقطاب) الكاتب المعنى، فكيف بالكتاب الصحافيين من امثالي الذين يسوّدون فداناً كاملاً من الورق؟

وأنا هنا أعبر عن استيائي واحتجاجي الرسمي كون أنني ظللت منذ سنوات طويلة أحشد قراطيس الصحف بكلماتي دون ان تسعى لاستقطابي دولة اجنبية واحدة، نفطية او غير نفطية. غير أن الشكوك ما انفكت تساورني بأن بعض اصدقائي من الصحافيين ربما تم (استقطابهم) بالفعل. ولكنني سأمتنع عن الإدلاء بالأسماء، على الاقل في الوقت الحاضر.

قد يكون للأمر صلة بوجهة الكتابة وطبيعتها وفحواها، بمعني انه قد يكون هناك نوع معين من الكتابات هو الذي يمهد الطريق للاستقطاب. أما الأصناف الاخرى فلا تسوّغه ولا تستدره. ولذا ففي نيتي ان اقوم بمراجعة شاملة فأعيد توجيه جميع اعمدتي ومقالاتي وجهة استقطابية.

والاستقطاب نوعان. استقطاب خارجي واستقطاب داخلي. وأنا لا أجيز الاستقطاب الخارجي وأرفضه قولاً واحدا. وانت تعلم عني، أعزك الله، أنني رجل وطني لا أرتهن لأجنبي. ولكن لا مانع عندي من الاستقطاب الداخلي.

ولأن شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن لا يجيز الالتواء والمداورة فلا بد لي من الإقرار بأن لي سابقة استقطاب داخلية واحدة. إذ استقطبني ذات مرة سيدنا ومولانا جمال الوالي، فسعدت أيما سعادة كوني ذقت طعم الاستقطاب للمرة الاولى في حياتي على يد هذا الهرم الوطني الشامخ، فكان ان كتبت في مدحه قصيدة عصماء بعنوان (البُردة الجمالية) يقول مطلعها: "لك يا جمالُ تحيةً من معجبٍ / عشق الفضائل في حماك فهاما". ويمكنك، أعزك الله، مطالعة القصيدة كاملة في صحيفة (الوطن الجديد) التي ستصدر من لندن مطلع نوفمبر القادم.

مرة أخرى، وعلى حساب التكرار، نعيد مقولة الوزير السعودي في مذكرته الكريمة: "قد يشاطرني معاليكم الرأى في ضرورة بذل الجهود لاستقطاب مثل هذه الأقلام المرموقة والمؤثرة".

بارك الله فيك يا سمو الأمير القطب. وباعتباري الناطق الرسمي باسم الأقلام (المرموقة والمؤثرة) في السودان فإنني أعبّر لك عن فائق الشكر وعظيم الامتنان، كونك عرفت قدرنا، وحفظت ودّنا، ودعوت لاستقطابنا. لا عدمناك!

نقلاً عن صحيفة (السوداني)