غرباً باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مصادفة عجيبة أنني التقيت وتبادلت الحديث مؤخراً مع العالم الأمريكي الجليل وليام آدامز، استاذ الانثروبولوجي بجامعة كنتاكي، والذي قضي شطراً من حياته في منطقة النوبة بشمالي السودان، وقاد حملة انقاذ آثارها بتكليف من اليونسكو.  آدامز  هو الرئيس الفخري للجمعية السودانية لعلم الآثار، وهو أيضاً صاحب الكتاب الشهير (النوبة: معبر لأفريقيا)، او لعلها (ممر الى افريقيا). عموماً الكلمة بالانجليزية هي (كوريدور). ترجم انت، أعزك الله، كما تشاء.

شكراً للصديق البروفيسور عبد الله جلاب، من جامعة أريزونا، الذي عرفني بهذا العالم العلامة والحبر الفهّامة. وكنت قد سعيت بعد ذلك اللقاء لشراء كتابه المذكور عن طريق موقع أمازون لبيع الكتب، ولكنني فوجئت بأن ثمنه مائتان وخمسون دولاراً، فغيّرت رأيي وقلت: بلاش .. هو كتاب ولّا خروف؟!

قصدت أنها مصادفة عجيبة أنني التقيت آدامز، ثم وبعد أيام قليلة من ذلك اللقاء وجدت أمامي ترجمة من اعداد الترجمان الماهر والباحث المدقق البروفيسور بدر الدين حامد الهاشمي لمقال مطول من ألفين وأربعمائة كلمة كتبه وليام آدامز نفسه عام 1994 في مجلة (دراسات شمال شرق افريقيا) البريطانية، بعنوان (عدم المساواة والديمقراطية في السودان عبر التاريخ).

شعرت بحالة من البؤس الشديد بعد اكمالي قراءة المقال الذي استفاض في ذكر المصاعب الجمة والتحديات بالغة التعقيد التي تحيط بفرص نجاح الديمقراطية كفلسفة ونهج للحكم في السودان. ولأن المقال جرت كتابته في العام 1994 فالمؤكد أن البروفيسور آدامز كتبه وفي ذهنه احتمالات انهيار نظام العصبة المنقذة وعودة السودان الى مسار الديمقراطية الويستمينسترية المعهودة.

بحسب ويليام آدامز فإن الديمقراطية في مفهومها الحديث تعبر عن ثمانية تطلعات واستحقاقات وشروط بسطها كلها واحدة إثر واحدة. ثم أفادنا بعد ذلك، أفاده الله، بأنه وبنظرة عابرة على تاريخ السودان السياسي فإنه لم يحدث أبداً أن هذه الشروط والاستحقاقات توفرت (في مزيجٍ كافٍ يسمح بإطلاق كلمة "ديمقراطية" على أي من العهود التي مرت على السودان)، وفقاً لنص عبارته.

 قرأت الكلمات وخاطبت نفسي في يأس حزين: يادي النيلة .. يادي الخيبة التقيلة"! تذكرت عندها بأسى عبارتي الأثيرة التي ظللت اتشدق بها على مدى ربع قرن، في كل منبر اتيح لي في اوربا وامريكا وهي: "لا توجد دول عرفت ومارست الديمقراطية الحقيقية في منطقتنا بخلاف السودان واسرائيل"!

بيد أن آدامز عاد ليذكرنا بأنه ليس هناك كيان سياسي في العالم لا يزعم أنه "ديمقراطي"، ولكن كل حزب سياسي او جماعة، من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، تعرّف وتفسر الديمقراطية بما يتماشى ويخدم مصالحها الذاتية.

عدت بذهني على الفور الى ورقة حبيبنا الاستاذ عبد العزيز حسين الصاوي الشهيرة التي ضمنها كتابه (الديمقراطية المستحيلة)، والحوار الذي دار قبل سنوات قلائل بينه وبين الدكتور حيدر ابراهيم على وعدد من المثقفين.   تداعت الى ذاكرتي تلك الكليمات القوية التي تطايرت وقتها عن الارتداد التحديثي في السودان، وعن الفرص الحقيقية لتطبيق الديمقراطية في بيئة  وثقافة ومجتمع لا يحتفى بها. وكيف ان الديمقراطية هي خيار النخبة لا خيار الشعب الذي لا يعرفها ولا يأبه لها، وأنها في واقعنا التاريخي لم تبارح قط كونها الأداة التي تصل من خلالها النخبة الى الحكم في ظل غياب طبقة وسطى حقيقية، يفترض انها موئل التنوير والحداثة والديمقراطية في كل مجتمع.

في ذلك الحوار، الذي دار حصرياً بين شخصيات معارضة لنظام الانقاذ، كان هناك من استصعب تحديات التحديث والاستنارة، وقطع بأن الديمقراطية غير متجذرة عندنا، وان اليسار السوداني لم يلجأ اليها ولم يلتف حول اطروحاتها ومفاهيمها فيعتنقها إلا بعد ان تضرر وتضررت مصالحه ضرراً بليغاً من جراء الانقلابات العسكرية وتصاعد المد الاسلاموي وانكسار المعسكر الاشتراكي. وذلك اعتناق إكراه، لا اعتناق أصالة.

وقد انتهي ذلك الحوار بسؤال استراتيجي توجه به الدكتور حيدر ابراهيم الى حبيبنا الاستاذ عبد العزيز حسين الصاوي،  صاحب برنامج الاستنارة والتحديث الذي يستهدف تهيئة شعوب السودان لممارسة الديمقراطية على المدي البعيد، ثم تركه معلقاً على فرع الشجرة التي جلس تحتها المتحاورون: "أين وما هي القوى الفاعلة القادرة اليوم على تحقيق هذا البرنامج"؟!

استجمعت كلمات حكيم الفرنجة وليام آدامز، واستمزجت صفحات حوار (الديمقراطية المستحيلة) للصاوي ورفاقه من صفوة مثقفينا، والنتائج المفجعة التى أفضى اليها من عوار ماضينا وعقابيله، وغموض مستقبلنا ومجاهيله.

 ثم تأملت المشهد العام في سودان اليوم. كان أول ما صعقني وقدح أعيني مرأى الحشود المتراصة من مركبات الثاتشر، المكتظة بالقرانوف والمولوتوف والكلاشنكوف والدوشكات، وقد جلس فوقها أجناد من أحبابنا ابناء النوبة والزغاوة والمساليت والوطاويط والفور، وهم يطوفون أرجاء البلاد، يتحرون انهيار سلطة المركز وسقوط رايتها. ومليشيات مسلحة اخرى لا نعلمها، الله يعلمها!

ثم تذكرت الصومال وليبيا واليمن وسوريا والعراق.. والسبحة تكر حباتها!

استيقظت عندها من نومي مفزوعاً وقلت: "خير.. اللهم اجعله خير"!

نقلا عن صحيفة (السوداني)