عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

غرباً باتجاه الشرق

الحلقة السابعة: تيسير وضيفه الشيوعي:      
********

الخميس 14 مايو 2015:


عند اول دخولي المنتجع العلاجي بباقشوت، حيث حبيبنا الدكتور تيسير محمد احمد، لاحظت وجود ضيف يجالسه لم أكن قد رأيته من قبل. قدم لي نفسه، فتعرفت عليه. الدكتور منتصر الطيب. تذكرت الاسم على الفور. الرجل خبير سوداني معروف متخصص في علم الجينات.

لم تتركني الدكتورة ماجدة اقدم نفسي، فبادرت هي بتعريفي. صافحني الرجل واكرمني بابتسامة خفيفة، ثم قال: "أنا اتابع مقالاتك". لاحظت ان عبارته جاءت كسولة ومتهافتة تعوزها الحرارة. واضح ان كتاباتي لا تقع عنده الموقع الحسن. ولا غرو، فالرجل من منسوبي الحزب الشيوعي السوداني. وأنا أساساً لا اتوقع ان يُعنى الشيوعيون السودانيون بقراءة كتاباتي. الوحيد من بين هؤلاء الذي يجهد لمتابعة وقراءة مقالاتي المتناثرة هو شيخ الشيوعيين السودانيين في الولايات المتحدة، حبيبنا الدكتور عبد الماجد على بوب. وأظنه يطالعها مضطراً وعلى مضض، حتى لا اضبطه متلبساً بعدم القراءة، خاصة واننا نتهاتف بصورة راتبة.

الدكتور منتصر الطيب، استاذ لعلم الوراثة الجزيئية في معهد الأمراض المتوطنة بجامعة الخرطوم، وله بعض الاجتهادات في مسألة أعراق السودانيين. أذكر انني تابعت محاضرة له في دار اتحاد الكتاب السودانيين بالخرطوم العام الماضي، أحسن تغطيتها محررو صحيفة (التغيير) الالكترونية التي تقف عليها الاستاذة رشا عوض (كان بودي ان اقول الحبيبة رشا، وهو لقب المخاطبة الرسمي لماجدات حزب الامة، ولكنني تذكرت انها غادرت الحزب في وقت سابق).

لفت نظري في تلك المحاضرة قول صاحبنا ان العنصرية ليست حكراً على الجهلاء. وإشارته الى علماء دوليين بارزين، مثل ويليام شوكلي مخترع الترانزيستور، والحاصل على جائزة نوبل عام 1956. وكان شوكلي قد دعا الى تعقيم الزنوج في امريكا حتى لا يتسببوا في تدهور نقاء المستودع الوراثي الامريكي. وهو  نفسه الذي كان قد زعم قبلها أن الأفارقة أقل ذكاءً من غيرهم بسبب الانتخاب الطبيعي. ومثل ذلك ما قاله ابن خلدون، المؤرخ ومؤسس علم الاجتماع، عن غباء ذوي البشرة السوداء بسبب فساد أدمغتهم بفعل الحرارة. كذلك لفتت نظري في المحاضرة عبارة مدهشة وهي (لا توجد براءة اختراع للحضارة، فهي ملكية عامة، على المشاع، للجنس البشري).

وبحسب الصحيفة الالكترونية فإن الدكتور منتصر الطيب كان قد اشرف على البحث المتعلق بالمسح الجيني لسكان السودان الذي انجزه الدكتور هشام يوسف الحسن، واعلنت نتائجة (الداحضة لمفهوم النقاء العرقي) في السودان.

وأنا لا أقيم وزناً لمثل هذه الأبحاث، ولا أبذل لها ذرة من اهتمامي. واحسبها من قبيل الطاقات المهدرة والوقت المُضاع. وفي عقيدتي ان مزاعم النقاء العرقي، والجهود المتضافرة المبذولة لاثبات فساد تلك المزاعم، لا تعدو ان تكون (شغل عواطلية) وعبث لا طائل من ورائه. ما هي الفائدة التي تجنيها الانسانية لو عرفت ان هذه الفئة او تلك دمها صافي ونقى، او أنه على العكس معتكر ومخلوط  بالقرنفل والهبهان؟  أنا شخصياً إذا قال لي شخص ان عرقه نقي  فسأشد على يده وأهنئه، ولن يخطر ببالي قط ان أبذل اي مجهود لاثبات خطأ معتقده. أنا مالي ومالو؟! ثم ألم يسمع هؤلاء البحاثة بالقاعدة الفقهية المنسوبة للامام مالك: (الناس مصدقون في أنسابهم)؟ ولا بد انهم مؤتمنون على أعراقهم ايضاً!

زبدة الكلام عندي أن تصويب النظر المكثف الذي يكاد يبلغ درجة الهوس، والذي يتم حالياً من قبل بعض علمائنا باتجاه فحص ما يسمى ب( الخارطة الجينية للسودانيين) يتطلب وقفة مراجعة وتأمل. كما أن محاولة تصوير الصراعات الاهلية والقبلية التي يعاني السودان ويلاتها بأنها ثمرة للتعالي العرقي المجرد عند بعض القبائل السودانية تجاه غيرها، تستوجب بدورها تقويماً جديداً يزيل ذلك التبسيط المخل، الذي يعتسف النتائج ويخبط الخلاصات خبط عشواء.

وبالتالي فإن نشدان الحلول لأزمات السودان عن طريق التدافع لاثبات ان المجموعات السكانية السودانية ذات الاصل العربي، التي يستحلى بعض المثقفين تسميتها "العربسلامية" ليست في واقع الأمر عربية، وان أعراقها غير صافية، يبدو لي أشبه بالبحث عن القرش الضائع أسفل عمود النور، لمجرد توفر الإضاءة هناك.

قوموا الى شيوعيتكم يا هؤلاء، يرحمكم الله. بلا (دحض مفهوم النقاء العرقي) بلا لمة!


الحلقة الثامنة: في رحاب الأميرات المهدويات
*******
الجمعة 15 مايو 2015:

هل حدثتك، أعزك الله، عن حبيبنا محمود الصاحب عيد، ابن حي العمدة الامدرماني العريق، رفيق الدراسة في جامعة محمد الخامس؟ لم أكد اتعرف على محمود عندما وقعت عليه عيناي بعد كل هذه السنوات منذ مفارقتي له، آخر عهدي به في الخرطوم.

رأيت محمود الوسيم الانيق الذي عاش شبابه طولاً وعرضاً يقدل كالطاؤوس داخل الحلل الفاخرة، رأيته يرتدي جلبابا أبيض، وغطاء عربي للرأس، ولحية طويلة تتدلي حتي تجاوز منتصف بطنه. لم يكن قط ذلك الفتى الذي عرفته. كنت أمام رجل دين، أو لعله رجل متصوف حتى الثمالة. هكذا بدا لي عقب أن جالسته وتبادلت معه الحديث. عرفت بعدها ان حياته في لندن تقتصر على منزله واسرته ومسجده، ثم الشركة التي يملكها ويقوم بإدارتها.

أرسل محمود سيارة ليموزين يقودها سائق أفغاني ليقلني من الفندق الى مكان لقائنا. في الطريق عرفت من الأفغاني ان اسمه أمان. وهو أول افغاني شيوعي ألقاه في حياتي. قال لي انه انتمي في الزمن القديم الى حزب برشام الشيوعي برئاسة محمد نجيب الله. سألته عن علاقته بصاحبي محمود؟ فأخبرني بأنه يعمل في شركته. سألت: ما هي الشركة وماذا تفعل؟ اخبرني تلميذ نجيب الله ان محمود يمتلك شركة ليموزين مكونة من سبعين سيارة تجوب شوارع لندن ومدن اخرى يوميا، وان السيارة التي اتوهطها في تلك اللحظة واحدة منها. ثم زكي لي صاحبي فذكر لي انه يحبه ويسعد بالعمل معه، لأنه انسان صادق وكريم. قلت: "ربنا يزيد ويبارك". محمود يستاهل كل خير. حتى الشيوعيين الأفغان شهدوا له.

ذهلت عند وصولي وعجبت حقاً لذلك الكرم، إذ اكتشفت ان محمود أعد وليمة مهولة، لم أر مثلها حتى في القصور الملكية التي شهدت ولائمها. ولكن سروري كان عارماً عندما رأيت هناك أصهاره من عيون البيت المهدوي. محمود متزوج من السيدة الفضلى صفية مهدي حسين شريف. والدتها السيدة سميرة الصديق المهدي. وتلك واحدة من اسباب تقديري لمحمود. وأظن انه قد احسن الى نفسه والى ذريته احساناً كبيراً عندما أصهر الى البيت المهدوي، فأظلته راية الإمام الحبيب الصادق المهدي.

السيدة صفية قارئة ومتابعة دقيقة للشأن العام. ذكرت لي سلسلة مقالاتي بعنوان (دفاتر الديمقراطية البرلمانية الثالثة)، وشكرت لي انصافي لخالها الامام في مواجهة المزورين والمنتحلين والمُبطلين. قلت لها ان الامام الحبيب عندي مكان القلب والرئتين، وأنني كنت أنوي في شبابي ان اسعى لمصاهرة البيت المهدوي فأتقرب اليه زلفى، لعلني ارتوي من الحكمة والعلم اللذين يتصاعدان من رأسه أبخرةً أبخرة، لولا ان هناك من عملوا لي (عملاً) فحولوا خطاي الى مسار آخر. قالت لي صفية انه لم يفت من الأمر شئ، وان الخير ميسور بأمر الله، وانها تقديراً لمحبتي للبيت المهدوي ستبحث لي عن عروس توثق  صلتي بالامام وبآل بيته الكريم، فانتشيت لذلك الوعد وابتهج قلبي.

كان هناك ايضاً البروفيسور الشيخ محجوب جعفر وقرينته السيدة الفضلى انعام عبد الرحمن المهدي. لا بد انك، أعزك الله، تعلم ان البروفيسور الشيخ محجوب يُعتبر سلطة دولية في مضمار تخصصه الطبي الدقيق. وقد عمل وزيرا للتعليم العالي، كما شغل مناصب قيادية في هيئة الصحة العالمية. يصحبهما ابنهما الدكتور عبد الله، الذي يمارس الطب في ايرلندا. وقد اعجبتني شخصية عبد الله التي تضافرت فيها صفات التواضع والحيوية واللباقة والقدرة على التعبير السلس الجذاب.

ثم كانت هناك السيدة المحترمة الراقية، سليلة الاكرمين، شامة الصديق المهدي، شقيقة الامام الحبيب، وأرملة المخرج السينمائي والشاعر وأشهر واقدم الفنانين التشكيليين السودانيين، بحسب موسوعة الويكيبيديا، المغفور له حسين شريف.

غادرت بعدها ذلك المكان الطيب المزدان بالأصالة وكرم المحتد في معية حبيبنا البروفيسور الشيخ محجوب، حيث هبطنا منزله العامر في وسط لندن، فقضيت بعض الوقت في ضيافته الكريمة، فكان حقاً يوم المكارم والضيافات.

قريباً نعود الى باقشوت، والى تيسير وأضيافه، والى (الدكتورات) الثلاث عزة وماجدة وراوية، اللائي يحطن به إحاطة السوار بالمعصم!

نقلاً عن صحيفة (السوداني)