غرباً باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(هذه المقالة مهداة الى الصديق المهندس حسين ملاسي الذي "وتسبني" مطالباً إياي بالتوقف عن نشر سلسلة مفكرة لندن، والاقلاع عن النرجسية وكثرة الحديث عن الذات.  فكان ردي انني لا استطيع ان أعده بذلك لأن من شب على شئ شاب عليه!)
*********

من الممارسات الدارجة التي اعتدت عليها عبر مسيرتي في شعاب الحياة العامة ككاتب صحافي ان تنسب الى شخصي أشياء وآراء ومواقف ومزاعم ليست لي بها صلة، لا من بعيد ولا من قريب.
 
وقد قرأت ذات مرة مقالا كاملا تداولته بعض الصوالين والمساطب الاسفيرية يحمل اسمي على رأسه دون ان اكون قد كتبته.  بل أنني طالعت بعيني من قبل مادة تقدم رجل سوداني بثبات ودوّنها في منبر الكتروني شهير تحت عنوان: (هذه هي السيرة الذاتية للكاتب مصطفى عبد العزيز البطل). لا أعرف من اين أتى بها، فلا السيرة سيرتي، ولا بياناتها تنطبق على شخصي!

قبل أسابيع قلائل كنت أجرُّ من خلفي حقيبة صغيرة واتجول في مطار امستردام. وفي احدى مقاهي المطار ناداني شخص كريم كان يجلس مع آخرين فلما اجبته دعاني لمجالسته هو وبعض الأحباب من السودانة. كانوا يحتسون الشاي ويتحدثون في السياسة والشئون العامة بانتظار مواقيت طائراتهم.

صافحوني وذكروا لي اسماءهم بسرعة، فكان الواحد يذكر اسمه وانساه في التو واللحظة. وهكذا أنا، لا تستقر الاسماء في رأسي بغير معاظلة. العجب اسماء الفرنجة. كنت قبلها قد قدمت نفسي بذات العجلة: "مصطفى عبد العزيز". وأنا في العادة لا أضيف اسمي الثالث عند تقديم نفسي للآخرين، تأسياً بحبيبنا نجل الشيخ الترابي الذي اشتهر بتقديم نفسه باسم: "عصام حسن"، فإذا سئل: عصام حسن منو؟ أجاب: "عصام حسن عبد الله"!

في القليل النادر أذكر اسمي الكامل. واحدة من هذه الاستثناءات حدثت مؤخرا جدا أثناء الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الدراسات السودانية بجامعة مينيسوتا، عندما التقيت للمرة الاولى الدكتورة أسماء عبد الحليم، شقيقة الاستاذة هالة عبد الحليم، وكانت في المقعد المجاور لي مباشرة. والدكتورة أسماء، المحاضرة بجامعة توليدو بولاية اوهايو، شخصية اكاديمية ذات وزن مقدر في الولايات المتحدة.  

ذكرت لها اسمي الثلاثي بكل تؤدة. وكان منطلقي هنا اخلاقيا، إذ رأيت أن من مقتضى الأمانة ان تعرف الدكتورة أنني البطل سيد الاسم، فتُجيل بصرها، وتتبيّن أمرها، ثم تحدد موقفها. فإما صارت الى خيار أن (تكجنني) وتحرد جواري، مؤازرة لشقيقتها، التي بيني وبينها ما صنع الحداد. وإما ان تتعاطى معي كشخصية مستقلة، لا صلة لها بمعارك أفراد اسرتها الاقربين.

ولم تخيب الدكتورة ظني، فكانت على مقدار الرجاء تميزا واستقلالاً. ولا عجب، فمن كان في مقام الدكتورة، وبأسها الاكاديمي، ووزنها الثقافي والفكري، لا يأبه للصغائر. وقد سعدت بعد ذلك بمشاركاتها الثرة الرصينة، ومداخلاتها القوية الرزينة، عبر جلسات المؤتمر.

في غمرة مؤانسات من حدثتك عنهم من سوادنة مطار امستردام، سمعت اسمي يتردد حين سأل احدهم الاخرين عما اذا كانوا قد قرأوا مقالاً لى نشرته (السوداني) عن الحرب في جبال النوبة. ثم شرع بغير تمهل يوجز ويقدم للحضور ملخصاً لما جاء في ذلك المقال. نسب الرجل الى شخصي، بكل ثقة ودون ان يطرف له جفن، أن (البطل اتهم نوبة الجبال بأن نساءهم ساقطات).  كدت عندها أن اسقط أنا نفسي من على المقعد لهول ما سمعت!

على الفور، وكمن لسعه النحل، قمت الى حقيبة حاسوبي فانتزعته وفتحته، ثم شرعت كالمفزوع في تشغيله، وقد بدت لى الدقيقتان وكأنهما شهرا بحاله. كنت اذكر عنوان المقال جيداً (نوبة الجبال: نضال السخرة والموت بالمجان)، فكتبته على منصة العم غوغل، وماهي الا ثوان وخرج لي بكامل حلته يسر الناظرين.

سارعت بوضع الحاسوب وشاشته مشرعة، وقد حملت صفحة المقال الكامل، فوق المنضدة التي تتوسط الحاضرين. ثم توجهت بحديثي الى صاحبنا وأنا أجهد لإخفاء غضبي: "يا أخ، هذا هو المقال الذي تتحدث عنه، ممكن لو سمحت تشير الى الفقرة التي ورد فيها على لسان الكاتب أن نساء النوبة ساقطات"؟

لهنيهة ساد نوع من الارتباك. ثم احتج الرجل بأنه ليس بوسعه ان يقرأ مقال من ثلاثة الف كلمة خاصة وان موعد نداء طائرته قد أزف، ولكنه أصر على أن الكلام موجود فعلاً!

استغرب أحد الحضور، ولعله استسخف فكرة أن أقوم بإشهار حاسوبي وإلزام المدعي بإثبات وجود العبارات المنسوبة  للكاتب في بطن المقال. فقال يخاطبني: (مالك حنبلي كده يا ابن العم؟ ياخي البطل ذاتو لو قاعد معانا ما بزعل قدر زعلك ده، ولا نفَسو بقوم جنس قومتك دي)!

نقلاً عن صحيفة (السوداني)