عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
قبل عقدين من الزمان، وتحت ذات العنوان أعلاه كتب محاضر بقسم العمارة بكلية الهندسة، جامعة الخرطوم، مقالا من جزئين، نشرت صحيفة (الأيام) الجزء الأول منه، ثم تهيّبت الجزء الثانى فاعتذرت عن نشره.  والمقال فى جزئيه – وقد قرأته كاملا –  يتميز بالرصانة والاحتشام والتثبت المنهجى، فلم يكن يزيّن فحشا أو يسوّق بدعة أو يصادم ما هو معلوم من القيم المستقرة فى حيواة الناس بالضرورة. ناقش المقال ببساطة متناهية فكرة هينة ويسيرة ألا وهى: ( الموضوعية ) فى الكتابة العامة. أو بعبارة أخرى الكتابة فى كافة الأصعدة، الثقافية والسياسية والصحافية والعلمية وغيرها. ومما وجدت لافتا للنظر فى ذلك المقال – من بين أمثلة عديدة عرض لها المحاضر المهندس – الكتاب الشهير للمؤلف المصرى الأكثر شهرة أنيس منصور ( الخالدون مائة أعظمهم محمد رسول الله )، والذى هو فى واقع الأمر ترجمة غير أمينة  لكتاب آخر صدر باللغة الانجليزية عام ١٩٧٨ لمؤلفه  العالم الفلكى الأمريكى مايكل هارت بعنوان يختلف تماما عن ترجمة أنيس منصور. الكتاب الأصلى يستعرض تاريخ البشرية القديم والحديث ويقوم بترتيب مائة شخصية يقول مايكل هارت أنها الأكثر تأثيرا على التاريخ الإنسانى، بصرف النظر عن نوع هذا الأثر خبثا أو طيبة. وتضم القائمة الى جانب رسولنا الكريم والمسيح عيسى عليه السلام، شخصيات أخرى قرر صاحب المصنف أنه كان لها تأثير واسع فى مجرى الحياة البشرية مثل ميكافيللى وهتلر وستالين وماو تسى تونغ وفرويد وهلمجرا. وبديهى أن وجود إسم الرسول (ص) فى مثل هذه الصحبة، سواء فى مقدمتهم أو مؤخرتهم، ليس مما يبعث الفخر الكثير ويثير الإعجاب الوفير عند معظم المسلمين.
وقد أخذ أستاذ الهندسة على أنيس منصور أنه قام بتلفيق الترجمة بحيث أوحى لمن استهدفهم من القراء المسلمين أن المؤلف - وهو مسيحى - نصّب رسولنا الكريم على رأس قائمة عظماء البشرية وقرر أن أفضل العظماء على الإطلاق هو محمد (ص). كما أخذ عليه وعلى المثقفين وأصحاب الأقلام فى العالم العربى كله أنهم صموا آذانهم وغضوا أبصارهم، حين احتفى العالم العربى والاسلامى كله بالترجمة وقت صدورها، وضجت الأمة كلها بعبارات من شاكلة ( وشهد شاهد من أهلها)، وبلغ توزيع الكتاب أرقاما فلكية  أثرى من ورائها المؤلف ثراء فاحشا. لم يجد واحد من هؤلاء المثاقفة فى أنفسهم الشجاعة ليفضح التدليس المتعمد ويصحح الفهم المرتبك الذى غرقت فى لججه الأمة، فيقول للناس: تلك ترجمة فجة، تعوزها الموضوعية وتنكرها الأمانة، وأن إسم رسولنا الأنور يستنكف التمجيد الكاذب ولا يتشرف به. وإذا إنتصب السؤال: لماذ العجز والتردد والتجابن، فى صفوف أهل الذكر، عن الصدع بكلمة الحق؟ فالاجابة متاحة فى متناول طالبها: الأمة جذلى بتصدر نبيها للقائمة  والمسلمون فى حبور فلماذا نجهض فرحتهم؟!
بعد سنوات قليلة من ذلك التاريخ كتبت أنا مقالا نشرته صحيفة ظلال، بعنوان (دعوة الى الموضوعية). والصحافى الأمريكى الذائع الشهرة بوب ودوارد يعرّف الموضوعية فى الكتابة الصحفية والأداء الاعلامى بأنه معامل كيميائى ذى عنصرين نشطين: الأول هو الدقة Accuracy)) أى الانضباط  فى نقل الحقائق وتصوير الوقائع. والثانى هو العدل (Fairness)، أى التوازن الخلقى فى التصوير والتعبير بالتزام روح النصفة التى لا تغبش الحقيقة وأنما تقدمها للمتلقى فى كمال قوامها، لينشئ هو فى شأنها رأيه وموقفه بإرادته المستقلة.  صوّبت من خلال ذلك المقال سهام نقد حاد تكسرت نصاله فوق صدر كاتب صديق من المحسنين، لولا كبوة حصانه تلك. كان الكاتب متحدثا فى برنامج تلفزيونى فوصف الروائى الهندى البريطانى سلمان رشدى بأنه خفيف الوزن، عديم الموهبة، عاطل عن القدرات، وإن إنتاجه الأدبى لا يؤبه له. وما كان يخالجنى شك فى أن المتحدث، حين أزجى مقولته تلك، كان يعلم علما نافيا للجهالة أن رشدى الذى تخرج  مع صفوة الصفوة فى كيمبردج، ذى قدم وباع فى مضمار الابداع الأدبى، وأن بعض رواياته مثل رواية ( أطفال منتصف الليل ) حازت فى العام ١٩٨١ على واحدة من أرفع الجوائز العالمية التى تشرئب اليها  أعناق الأدباء وهى جائزة بوكر. لكن صاحبى أنما أوغل فى تسفيل الرجل وفى ذهنه غضبة الكثرة الكاثرة من مشاهديه عليه، فى أعقاب واقعة تعرُّض رشدى لسيرة النبى (ص) بالتطاول والإسفاف، عبر رواية صدرت له عام ١٩٨٨ بعنوان (آيات شيطانية). أراد صاحبنا إذن لحديثه أن يصادف هوى عند هؤلاء –  تكلفا وتزلفا - فترتاح اليه نفوسهم  ويَعْظم فى أعينهم قائل الحديث. كتبت يومها أن رسوخ قدم رشدى فى صعيد من أصعدة المعرفة والإبداع لا يرد عنه مغبة إساءته، ولكنه وإن إستحق التقريع والردع  لقاء بغيه وعدوانه على مشاعر المسلمين، فإن إنكار إسمه وغمط  كسبه وتزوير سيرته، وتضليل عامة الناس عنها لا ينبغى أن يكون جزءا من العقاب المُستحَق. فمثل ذلك المسلك لا ينتقص من المعتدى شروى نقير، ولكنه قمين بأن يقدح فى شرف أصحاب القضية أنفسهم، ويرِدْ بالمضمون الأخلاقى لقيمة العدالة موارد الشبهات.
ولكن مالى أنا والمهندس الذى ترك مسطرته وفرجاره وشرع يبشر بقيمة ساءه أن يتملقها قومه بياض النهار ثم  يزنون بها فى هدأة الليل. ومالى ومال صاحبى الذى شهد شهادة الزور فى زمن مضى فبخس سلمان رشدى أشياءه طلبا لما عند الناس؛ وبين يدى وقائع حية نابضة تجلس القرفصاء  فى بؤرة تفكيرى، هى بعض من هموم أمتنا التى تعشق الحمل الكاذب، فتشترى ملابس الطفل ولعبه، والطبيب يعلم أنه الوهم، ولكنه يدارى ويمارى. وأحسب من قبيل ذلك إنشراح صدور البعض وافترار ثغورهم  عقب هبة رجب طيب اردوغان فى ملتقى دافوس، التى رفعت رأس الأمة من بعد خذلان، كما بشرنا أساطين الاعلام. أما سمعت يا صاح هدير شيخ الديماغوجيين وبهلوان قناة الجزيرة، الدكتور فيصل القاسم، وهو يفتتح بصوته المتميز سيركه الذائع المشهود ( الاتجاه المعاكس ) يوم الجمعة العاشر من فبراير: ( وا أردوغاناه، وا شافيزاه)؟! بشرنا الرجل بمعتصم جديد اسمه اردوغان، وصفه بأنه ( أكثر عزة ونخوة وكرامة من حكام العرب )! لم يكن القاسم وحيدا يخطب فى البرية، بل كان فى منعة من قومه، من عشيرة الاعلاميين العرب، الذين رأوا فى أردوغان وشافيز (الخبيرين الأجنبيين) الذين ارتجتهما الأمة زمنا وهى ترزح فى غيابات اليأس فأتياها يقودان مواكب النصر، ليخرجا بها من أزمنة الخيبة الى عهود الزهو.
ما الذى فعله رجب طيب أردوغان فاستحق الفخار وأكاليل الغار؟ الرجل رئيس وزراء لدولة تعترف باسرائيل وتتبادل معها التمثيل الدبلوماسى وتزودها بالبترول وتلتقى بممثليها وتودهم فى المحافل الدولية. واحدة من هذه المحافل هى ملتقى دافوس الاقتصادى بسويسرا. وهو ملتقى يعرف العارفون أن فعالياته  تنظم و تدار كما تدار الساعة. وقد وقع الاختيار لادارة الجلسة، التى كرست أردوغان ( معتصما ) رسميا للأمة، على محرر صحيفة الواشنطون بوست الشهير ديفيد اغناتيوس.  كما هو دأب الفرنجة عند إدارة مثل هذه الحوارات استدعى الرجل ممثلين للمتحاورين الأربعة للاتفاق على تقنيات إدارة الحوار. والمتحاورون هم: بان غى مون، عمرو موسى، رجب طيب اردوغان، وشيمون بيريز. ولأن بان غى مون طرف محايد فى القضية المطروحة بحكم منصبه، فقد رأى أغناتيوس أن هناك طرفان فى هذا الحوار: الطرف الأول يمثله أردوغان وعمرو موسى مجتمعين، والثانى يمثله شيمون بيريز منفردا. ولضمان التوزيع الأمثل والعادل للوقت المخصص للنقاش إقترح الرجل أن يمنح خمسا وعشرون دقيقة لكل طرف. أثنى عشر دقيقة ونصف لكل من أردوغان وموسى فتكون لهما مجتمعين خمس وعشرون دقيقة، ثم خمس وعشرون دقيقة للطرف الثانى (شيمون بيريز). ذهب الممثلون الى من يمثلونهم ثم عادوا بالموافقة الكاملة غير المشروطة على خطة توزيع الوقت. وانعقدت جلسة الحوار المتفق عليه وعلى نظمه وأحكامه عشية الخميس ٢٩ يناير. استنفذ موسى دقائقه المحددة وصمت، واستنفذ بيريز دقائقه المحددة وصمت. واستنفذ أردوغان دقائقه المحددة، ولكنه لم يصمت بل طلب وقتا إضافيا. ولوائح وأعراف ملتقى دافوس، كغيرها من منتديات الحوار فى الغرب، محكمة وصارمة لا تخول لمن يقع عليهم الاختيار لادارة الجلسات حق تغييرها بقرارات فورية عشوائية، فهى تشبه فى طبيعتها نظم الحوار الذى ينعقد فى الولايات المتحدة بين المرشحين النهائيين للرئاسة، والذى تضبطه ضوابط ما أنزل الله بها من سلطان. وبطبيعة الحال فأن مثل هذا الأمر يصعب إستيعابه لمن كان برنامج ( الاتجاه المعاكس ) قدوتهم ومنارتهم ومرشدهم بشأن نظم الحوار وأحكامه وآدابه. المهم أن أردوغان خرج، كما هو فى علم الكافة، فى مشهد درامى صاخب إحتجاجا على قرار مدير الجلسة بعدم منحه وقتا إضافيا. هل قلت إحتجاجا على مدير الجلسة؟ لننتظر .. فهذا هو مربط الفرس!
بعد خروجه من الجلسة وأمام المدخل الرئيسى للمبنى إرتجل رئيس الوزراء التركى مؤتمرا صحفيا. ووسط حضور مكثف من ممثلى أجهزة الاعلام والصحافة العالمية قال أردوغان إنه ( فى حقيقة الأمر إنسحب من الجلسة غضبا واحتجاجا على موقف مدير الحوار الذى رفض أن يعطيه وقتا إضافيا ).  وقدمت غالبية الصحف وشبكات التلفزيون الغربية تلخيصات متطابقة لتصريحات أردوغان جاء فيها أن الرجل أعلن أنه إنسحب غضبا وإحتجاجا على موقف الصحفى ديفيد اغناتسيوس، وليس غضبا وإحتجاجا على حديث الرئيس الاسرائيلى شيمون بيريز. من بين الأجهزة الاعلامية التى نقلت خبر تصريحات أردوغان فور مغادرته الجلسة، شبكة البى بى سى البريطانية، الأكثر رصانة وأحتراما عند معظم الشعوب العربية. وقد أوردت البى بى سى تلك التصريحات فى نشراتها يوم الخميس التاسع والعشرين من يناير، ثم الجمعة الثلاثون من يناير، بلغة وصياغة مشابهة لما أوردته الوسائط الأخرى. ومما جاء  حرفيا فى نص خبر البى بى سى: ( عقد أردوغان مؤتمرا صحفيا مستعجلا وجاء على لسانه " إن الرئيس الأسرائيلى كان يستدير وينظر الىّ  مباشرة بينما كنت ألقى كلمتى. ولكن رد فعلى كان موجها الى مدير الحوار الذى منح بيريز خمس وعشرون دقيقة ومنح المشاركين الآخرين وقتا أقل" ). وهناك ثلاث ملاحظات تنسحب على تصريح أردوغان هذا. أولها أن إستدارة المتحدث والنظر المباشر الى المخاطب، بفتح الطاء، فى الثقافة الغربية تعتبر - خلافا للثقافات الشرقية - من مظاهر الاحترام والتكريم لا الإساءة.  وما يسمى بالنظر المباشر فى العين (Eye Contact) من المستلزمات الأساسية للمخاطبة الفاعلة فى البيئات الأكاديمية والسياسية والثقافية، والإخفاق فى مباشرة وإظهار هذا السلوك يصنفه الغربيون على أنه ضعف فى ملكات ومهارات المخاطبة العامة يستوجب التقويم. والملاحظة الثانية هى أن أردوغان ذكر فى مؤتمره المرتجل أن بيريز مُنح خمسا وعشرين دقيقة، وكأنه كان يحسب الوقت بنفسه وبدقة شديدة. ولكن الواقع يدلنا على أنه كان يعلم مسبقا بأن الوقت المتفق عليه والمحدد لبيريز كان فعلا خمس وعشرين دقيقة، بينما الوقت الذى خُصص له شخصيا هو اثنى عشر دقيقة ونصف الدقيقة، وأنه وافق على ذلك سلفا، كما أوضحت إدارة المنتدى فى بيان منفصل. غير أن أهم الملاحظات تبقى هى مفردة ( لكن )، فى قول أردوغان ( ولكن رد فعلى كان موجها الى مدير الندوة). المفردة تتضمن تأكيدا قطعيا على نفى أى شبهة بأن رد الفعل (أى الإنسحاب من الجلسة ) له أى علاقة من قريب أو بعيد  بالرئيس الاسرائيلى أو حديثه!
عظيم. كيف يمكننا إذن توفيق الحقائق - التى ثبتناها أعلاه بمحتوياتها ومواقيتها ومصادرها - مع الواقع الثابت من تصريحات اردوغان اللاحقة والمهرجانات التى تمجد الرجل بإعتباره الزعيم الذى ناطح إسرائيل وأذل رئيسها ولطخ جبينه بالعار وأجبره على الاعتذار؟ التوفيق والتفسير ميسور تماما باذن الله فليس فى الأمر ثمة تعقيد. ما أن غادر اردوغان الأراضى السويسرية حتى جاءته، وهو فى طبقات السماء، الأنباء بأن أمة لا اله الا الله  قد وجدت فيه أملها ورجاءها  فنصبته (معتصما) عليها. ماذا يفعل السياسى التركى؟ يُصدر بيانا يزيل اللبس و يؤكد ما كان قد قاله قبل سويعات من إعتلائه متن الطائرة من أنه لم ينسحب غضبا وإحتجاجا على شيمون بيريز وانما على مدير الحوار ديفيد اغناتيوس؟ كلا وألف كلا. إنما يفعل فعل الأذكياء من سلالة بنى عثمان. يستدير مائة وثمانون درجة ويبدل إفادته السابقة من أن الصحفى الأمريكى هو المقصود بموقفه الاحتجاجى وغضبته المضرية، ثم يحل الرئيس الإسرائيلى محله على عجل. ومثل عادل إمام فى فيلم (الارهاب والكباب) يسرع فى خلق وتطوير أجندة جديدة تناسب ضرورات المرحلة.  إنطلق الرجل منذ لحظة وصوله مطار أنقرة، التى استقبله على مهبطها نحوا من ثلاثة آلاف من جمهور حزبه مهللين مكبرين، فى حملة تصريحات محمومة، يهاجم شيمون بيريز ويصب جأم غضبه على رأسه، ويحشر نفسه حشرا فى ثياب زعيم الأمة التاريخى الذى أنتجته اللحظة. هذا رزق ساقه الله اليه، ولسان حاله اذن: " والله لا أخلع قميصا كسانيه الله!"
ولكن قصة اردوغان لم تتم فصولا فلا بد لتعميد معتصم الزمان الجديد من تكريس هزيمة خصمه المفترض. وهل من برهان على الاقرار بالهزيمة أنصع وأصدع من الاعتذار؟ لم يطرف لوكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية جفن وهى تذيع فى الثلاثين من يناير خبرا فحواه أن شيمون بيريز اتصل هاتفيا بالرئيس اردوغان و ( قدم له إعتذاره عن ما بدر منه فى منتدى دافوس )! وماهى الا ثوان وكانت جميع وكالات وأجهزة إعلام العالم العربى والاسلامى تنقل الخبر وتردده مثنى وثلاث ورباع فى نشراتها وبرامجها. ثم خرج اردوغان بلحمه وشحمه فى الاول من فبراير وصرح لمجموعة من الإعلاميين أمام مكتبه فى مبنى رئاسة الوزارة بأن بيريز اعتذر له هاتفيا وأنهم فى تركيا يحتفظون بشريط التسجيل! وبناء على هذا التصريح نشرت الخبر بعض وكالات الأنباء العالمية. غير أن المتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية فى إسرائيل، فريش آيليت، أصدر بيانا رسميا بعد سويعات من ذلك التصريح نفى فيه نفيا قطعيا أن يكون بيريز قدم لاردوغان أى نوع من الاعتذار. واستعرض المتحدث تلخيصا للمحادثة الهاتفية التى جرت فور انفضاض المناظرة فى دافوس مساء التاسع والعشرين من يناير. وقد تطابق تلخيص آيليت مع الصيغة الأصلية التى ذكرها اردوغان نفسه فى تصريحاته الاولى أمام مبنى منتدى دافوس، من أنه خرج لا إحتجاجا على بيريز ولكن على مدير الحوار الامريكى، وذلك بالطبع قبل التحوير والتدوير الذى لحق بالتصريحات بعد إعادة انتاجها. لم يقل المتحدث الإسرائيلى أن بيريز يملك هو أيضا شريطا تسجيليا للمكالمة، ولكن مساعده ميتيعال جافلوفيتش، عوضا عن ذلك، قام بتوزيع وثيقة على الحضور من مندوبى الصحافة والاعلام تشتمل على نص المكالمة نفسها، بعد تفريغها فى اللغتين العبرية والإنجليزية! كان الظن أن تقوم رئاسة مجلس الوزراء فى أنقرة، لو أنها تشكك فى مصداقية المادة الإسرائيلية، بنشر النص الذى يفترض أنه بيدها، أو أن تذيع على الملأ من فوق موجات الأثير محتويات الشريط الذى يمتلكه (معتصمنا)، طالما أن الحرج قد زال بتوزيع إسرائيل لنصها. ولكن تركيا – لأمر ما – (اعتصمت) بصمت بليغ!
بيد أن التسجيل الذى وزعه الجانب الاسرائيلى ترد فيه فعلا على لسان بيريز عبارة: ( أننى آسف لما جرى وأننى أعتبر نفسى صديقا لتركيا ولك )! فكيف نوفق ونحل التناقض؟ هذا أيضا هين ويسير، فكلمة ( آسف ) فى الثقافة واللغة العربية ربما حملت مفهوم الاعتذار. ولكن الأمر جد مختلف فى اللغات الاجنبية. فى اللغة الإنجليزية هناك كلمتان أساسيتان تدوران حول هذا المحور، الأولى لفظة ( ريغريت ) التى تتضمن إبداء الأسف والحزن، والثانية ( أبولوجى ).  وكلمة ريغريت واسعة الاستخدام فى التداول اليومى. فلو أنك نقلت لشخص بريطانى أو أمريكى خبر سقوط طائرة ومصرع جميع ركابها فإنه سيسارع باستخدام كلمة ( ريغريت )، إذ أنها تعبر عن الأسف والحزن على واقعة غير طيبة. ولكن الكلمة واستخدامها لا ينطويان على إعتذار من أى نوع، فالشخص الذى عبر عن أسفه لا دخل له أساسا بمسألة سقوط الطائرة، فليس هو الذى تسبب فى إسقاطها، هو يأسف لأنها سقطت وحسب! ما هو الفرق إذن بين الكلمتين؟ يكمن الفارق تحديدا فى إستعداد الفرد ورغبته الكاملة فى إعلان تحمله المسئولية عن خطأ يقر بأنه ارتكبه. هنا يستخدم الراغب فى الاعتذار لفظة ( أبولوجى )، وجوهرها ومقتضاها فى هذه الحالة ( هناك خطأ أنا طرف فيه. أتحمل مسئوليته، وأنا أعتذر عنه وأطلب الصفح ).  زبدة القول أن بيريز إستخدم لفظة ( ريغريت/سورى ) وليس (أبولوجى / أبولوجايز)، وخبر إعتذاره الذى ملأ الفضاء العربى من أقصاه الى أقصاه كان خبرا مخترعا وكاذبا فى مبناه ومعناه، فمن أول شروط  صحة الاعتذار أن يقر به الشخص المعتذر، وهو ما لم يحدث فى الحالة التى بين أيدينا.  وكيف يُعقل أصلا أن يعتذر الرئيس الاسرائيلى لانسان ذكر بنفسه أمام ممثلى الصحافة العالمية أنه ليس غاضبا منه هو، بل من شخص آخر حدده بالاسم؟!
بيريز كان فى حقيقة الأمر يقول لاردوغان: أننى اشعر بالأسف لانك فقدت أعصابك وان الجلسة انتهت على ذلك النحو، ولم يقدم إعتذارا يقر فيه بهزيمته كما صدعتنا قناة الجزيرة تصديعا! هل يا ترى إختلط الأمر على فيصل القاسم – الذى ردد رواية الإعتذار لمئات الآلاف من مشاهديه من بنى يعرب وكررها أربعة مرات -  بسبب تواضع مقدراته فى اللغة الانجليزية؟ لا أعتقد، فالرجل حاصل على درجة الدكتوراه فى الأدب الانجليزى من جامعة هال البريطانية، كما تقول سيرته الذاتية فى موقع قناة الجزيرة، فهو فى الغالب يجيد الإنجليزية ويتحدثها كأهلها. ولكن المذيع اللامع - مثله مثل كثير غيره من الاعلاميين العرب - لا يقر تعريف بوب ودوارد للموضوعية فى الأداء الاعلامى.  كما أن الآية الكريمة ( إن السمع والبصر والفؤاد كل اؤلئك كان عنه مسئولا ) لا تصادفه قط وهو يتلو المصحف المجيد.
عند هذه الزمرة من أساطين الاعلام العربى مهمة الاعلامى الناجح هى تلوين البيض بالألوان المُعجِبة وبيعها للناس! دقة الخبر ومصداقية الطرح وتوازن العرض لا تهم. المهم هو أننا  أخيرا وجدنا معتصمنا! وأصبح بوسعنا أن نصيح مع أبن القاسم كلما ضامَنا زماننا: وا أردوغاناه!
عن صحيفة ( الأحداث )
 مقالات سابقة:
http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=مصطفى%20عبدالعزيز%20البطل&sacdoid=mustafa.batal