عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مصادفة غريبة أنني أدليت بملاحظات معينة ضمن مداخلة لي مؤخراً في مؤتمر جمعية الدراسات السودانية السنوي الذي انعقد بمدينة منيابوليس الامريكية، ثم وجدت نفسي بعدها مباشرة اطالع مساجلة نشرت الاسبوع الماضي بين الصديقين، القيادي في حزب المؤتمر الشعبي الاستاذ صديق عثمان، والاستاذ خالد موسى السفير بجنيف، رأيت في أتونها بعض ملاحظاتي تلك بنصوصها وفصوصها.

جوهر حديثنا هو ضرورة الحرص على معرفة الخلفيات وتحري الوقائع من مصادر موثوقة كمدخل لقراءة التاريخ وتفسير الاحداث. وكنت قد أخذت على أحد المشاركين في ذلك المؤتمر، وهو اكاديمي مخضرم، أن بعض خلاصات الورقة التي قدمها بدت لي وكأنها من قبيل كتابات البروباغاندا النضالية التي يأتيها الناشطون السياسيون ضد نظام العصبة المنقذة، فيتخبطون التاريخ خبط عشواء، ويتعسفون وقائعه وحقائقه طلباً لكسب معنوي عاجل، أيا كان، ضد النظام. بمعني أنها جاءت خلواً من التثبت المنهجي الذي يتقصد موضوعية البحث الراشد ويتحرّاه. وطلبت ممن يقدمون الاوراق العلمية في المؤتمرات مراعاة التفرقة الواجبة بين شخصية الناشط (المناضل) الملتزم سياسياً، والباحث العلمي الملتزم أكاديمياً. وكانت مادة المناقشة هي جنوب السودان.

ما كتبه السفير خالد والقيادي السياسي صديق منشور يُلمتس في مظانه، وهو جدير بالمطالعة. وأرجو ألا يستفاد من عباراتي المتقدمة أن أياً منهما متورط بذاته في فعل التدليس الموصوف. بيد انني وددت ان أثبت الملاحظات التالية على هامش السجال:

أتفق مع صاحبي صديق في أننا، وبكل بساطة، لا نملك محاضراً لوقائع الاجتماعات التي أفضت الى نيفاشا، والتي جرت بين الاستاذ على عثمان والعقيد جون قرنق. وأن ما سجله ونشره السفير عبد الرحمن ضرار، مسئول ملف العلاقات الخارجية السابق في مكتب النائب الاول لا يوافي معنى ومقتضى مصطلح (محاضر وقائع)، بل انها مجرد نقاط ايجازية جري تسجيلها في وقت لاحق على تلك الاجتماعات.

ويبدو لي مما قرأت أن السفير خالد قد أقر بأن ما رصده ونشره السفير ضرار انما هو سجل لمشاورات  ومناقشات الاستاذ على عثمان مع فريقه المفاوض، وليس محاضر اجتماعاته مع العقيد قرنق التي قيل أنها كانت تتم بطريقة ثنائية. وأن اتفاقية السلام الشامل، تبعاً لذلك، بنيت على (تفاهمات سياسية وشخصية بين على عثمان وقرنق). وقد أدى موت قرنق المفاجئ الى غياب قاعدة التفاهمات السياسية التي بنيت عليها الاتفاقية، كما قرر صدّيق. ولا غرابة. إذ يبدو ان جُل تاريخنا السياسي جرى تشييده على (تفاهمات شخصية) بغير توثيق محكم.  

بيد أنه في علمي الخاص أن الاستاذ على عثمان محمد طه وفريقه النيفاشي كانوا يدركون تماماً جسامة المسئولية عن التوثيق، وأن جهة ما في مؤسسات الرئاسة قامت بتكليف استاذ جامعي سوداني مرموق للنهوض بذلك الأمر الجلل. وقد شرع الشخص المكلف في عقد جلسات مطولة مع المعنيين تمهيداً لنقل التكليف من حيز النظر الى نطاق التطبيق. ولكن ذلك المشروع إنهار تماما في وقت وجيز لأسباب قد يصعب تقصيها. وفي مرحلة اخرى جرى تكليف شخص آخر، هو الراحل السفير الدكتور تاج السر محجوب، الامين العام السابق للمجلس الاعلى للتخطيط الاستراتيجي، بتلك المهمة. وربما انجز قسطاً قليلاً منها قبل وفاته. وبوجه من الوجوه انتهى ذلك القسط الى يد الكاتب الصحفي الاستاذ اسحق أحمد فضل الله. كيف؟ ولماذا؟ الله أعلم.

وتوالت محاولات التوثيق، إذ نهض الاعلامي والخبير الاقتصادي المتخصص في شئون النفط، الاستاذ السر سيد أحمد فتصدى للشأن الجلل، فغادر مهجره الكندي الى السودان في العام 2014 حيث قضى ثلاثة أشهر بكاملها يقلب الأحجار ويرفعها من مكانها وينظر تحتها، ولكن جهده لم يواف وطراً ولم يؤت ثمراً، لأسباب ربما تعلقت بالتغييرات السياسية الكبيرة التي شهدتها تلك المرحلة.

وأسفي شديد على ضياع تلك السانحة لأنني أعلم عن الاستاذ السر سيد أحمد (مؤلف الكتاب المرجعي الذي قدم له الدكتور منصور خالد: "سنوات النفط في السودان")، أعلم عنه أنه في الطليعة من قلة قليلة من السودانيين الذين تتوفر فيهم المهنية والاحترافية العالية، والقدرة على التوثيق العلمي والتحليل الموضوعي، بل لعله على رأس المؤهلين لانجاز تلك المهمة بإطلاق. ولكن لا راد لقضاء الله. وهكذا اصبحت نيفاشا (يتيمة لا يدعي أحد أبوتها ولا أمومتها).

 ولكن الصديق السفير خالد موسى عاد وأنبأني ضمن حوار خاص أن الاستاذ على عثمان محمد طه سجل بالفعل عشر حلقات توثيقية لمادة تحليل الاتفاقية مع بعض كبار الأكاديميين والباحثين، وان التوثيق سيمتد ليشمل بعض كبار منتقدي الاتفاقية من القوى السياسية. وقد اتفقنا، خالد وأنا، على أنه لا يوجد في يومنا هذا نقد علمي للاتفاقية منذ ميلادها الباكر أكمل ولا أفضل من النقد الذي صوبه لها الامام الحبيب الصادق المهدي. نفعنا الله بعلمه وفضله وأبقاه ذخراً وفخراً للسودان.

كتبت في ما تقدم أنه يبدو لى مما سمعت وقرأت ان جُل تاريخنا السياسي جرى تشييده على (تفاهمات شخصية) بغير توثيق محكم.  ثم تذكرت ان هناك اتفاقية تاريخية عقدت بين الشمال والجنوب عام 1972 عرفت باسم (اتفاقية أديس أبابا). وكنت قد سمعت مباشرة من قياديين في اعلى مراكز النظام المايوي في اوقات مختلفة أنه كانت هناك تفاهمات ثنائية، غير منشورة، مكملة ومعززة للاتفاقية. وبحسب تلك التفاهمات فقد كان هناك اتفاق على ان اي تغيير في بنودها يتم بالاتفاق الشخصي بين طرفيها المباشرين: جعفر نميري وجوزيف لاقو.

ولهذا فقد كنت أحس دائماً ان هناك ظلما شديداً يلحقه المؤرخون السياسيون بالرئيس جعفر نميري عندما ينسبون اليه أنه خرق اتفاقية أديس أبابا بإصداره الأمر الجمهوري رقم واحد، الشهير.

نريد من المؤرخين السياسيين ان يكونوا صادقين، فيسجلون أن اتفاقية أديس أبابا ومبدأ أن يكون الجنوب اقليماً واحدا، أدى الى سيطرة الدينكا على الجنوب مما ادى الى سخط القبائل الاخرى. وأن ابناء الاستوائية وغيرها من القبائل تجمعوا حول القائد جوزيف لاقو، الطرف الثاني في الاتفاقية، ثم تجمهروا خلفه وهو يخاطب الرئيس نميري ويطلب منه تقسيم الجنوب الى ثلاثة أقاليم هرباً من سيطرة الدينكا، وارضاء للقبائل الاخرى التي تمثل غالبية اهل الجنوب. كان ذلك تعديلاً في الاتفاقية إذن، عززته التفاهمات المشتركة المكملة، ولم يكن (خرقاً) لبنودها، كما اشيع!

لا غرو ان جوزيف لاقو كان يكثر وقتها من التصريح بأن "معاهدة اديس أبابا ليست انجيلاً ولا قرآناً. انما هو اتفاق صنعناه نحن ونستطيع ان نغيره بأسنة أقلامنا"!

الحمد لله، الذي لا يحمد على مكروه سواه، ان جون قرنق قد مات، وأن النائب الاول الذي وقع المعاهده غادر كرسيه. وقد اصبحنا غداة يومنا هذا ونحن نعلم ان نيفاشا كانت في اساسها عبارة عن مجموعة تفاهمات ثنائية غير موثقة. أو قل انها موثقة في صدر الاستاذ على عثمان محمد طه.

 يُقال ان على عثمان صدره واسع و(بطنه غريقة). لا شأن لنا ببطنه، وأنما يهمنا الصدر. يا استاذ على عثمان. أطال الله عمرك ونفع بك. رجاء أن تكتب لنا مذكراتك. او على الاقل ما يليك من أمر نيفاشا ومعاهدتها. حتى يكون علم ما كان دُولةً بين الناس.
على الأقل حتى لا يتعارك حوله الحبيبين  خالد وصديق!

نقلاً عن صحيفة (السوداني)