غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)

في غرة مايو، الذي تصرّمت أيامه ولياليه، نشرت لي (سودانايل) الالكترونية مقالة مطولة بعنوان (لا يصلح للنشر: عن التسرى والسراري والإسراء). وكان نفس المقال قد نشر قبلها بعدة أسابيع في صحيفة (السوداني) تحت عنوان يختلف قليلاً. بيد أن النسخة الالكترونية، خلافاً للورقية، تضمنت جزءاً إضافياً من أربعمائة كلمة أوردت فيه ملخصاً لبحث اكاديمي كان قد أعده في تاريخ سابق حبيبنا الاستاذ الجامعي والكاتب الصحفي الدكتور عبد اللطيف البوني حول ذات الموضوع.

وأجد نفسى أعود لأفتح ملف التسري والسريات مرة أخرى بين يدي تعقيب مطول بعض الشئ تلقيته من مولاي وشيخي، كاهن العلم وسادنه، وبقية السلف الصالح من علماء الحضارة الاسلامية الموسوعيين، نفعنا الله بعلمه، الدكتور محمد عثمان أبوزيد. وهو غير حبيبنا الآخر، نزيل مكة المكرمة، الذي يحمل ذات الاسم واللقب، والذي شغل من قبل منصب الامين العام للمجلس القومي للصحافة والمطبوعات. وهو سادن آخر من سدنة العلم الشريف.

(2)

وربما كان من الأوفق أن أضيف هنا الجزء الذي ورد في بحث الدكتور عبد اللطيف البوني حتى يكتمل المقال الاول في شكله وموضوعه، كما تناوله مولاي وشيخي، ثم ندلف بعد ذلك الى متن الرسالة. وأدناه الإضافة المشار اليها كما وردت في النسخة الالكترونية:

* * * * *

بين يدي في أمر التسرى والسريات في السودان عمل متميز للاكاديمي والكاتب الصحافي البروفيسور عبد اللطيف البوني، يحمل عنوان (الهوية السودانية: مدخل تاريخاني) نشرت عام 1998. وقد تطرق ذلك العمل في جانب منه للقضية مثار نقاشنا الماثل. وها أنا أتصرف في وريقات ذلك البحث القيم وأعبّ لك منه بقدر ما يسمح ما هو متاح لنا من مجال، فأقرأ، أعزك الله، واشرب وارتوى:

شهدت البلاد المسماة الان السودان الرق والاسترقاق،  شأنها شان غالب بلاد الدنيا الاخرى، في مراحل معينة من مراحل تطورها. قبل دخول العرب السودان كان السكان المحليون يمارسون الرق. كما كان العرب الوافدون يمارسون الرق أيضاً في اطار  مايعرف بالرق العائلي (Domestic slavery) ولم يكن ذلك النوع من الرق مستنداً الى لون البشرة او تقاطيع الجسد، بل نجم عن الحروبات القبلية. واول دولة ظهرت بعد دخول العرب السودان كانت دولة الفونج، وهي عبارة عن تحالف بين عرب القواسمة والفونج.

وهؤلاء  الاخيرين تقول اكثر الروايات وثوقاً أن اصولهم تمتد الى قبيلة الشلك في جنوبي السودان القديم.  وكانوا هم الملوك الحقيقيون،  وكتاب طبقات ود ضيف الله يعج باسماء الاولياء والصالحين من ذوي السحنة السوداء، ومنهم من كانت والدته مسترقة كالشيخ اسماعيل صاحب الربابة.

والادب الشفاهي الشعبي يعج هو الاخر بالغناء الذي يمجد ابناء الأموات (جمع أمة، بفتح الالف والتاء) وهي الانثى المسترقة. من ذلك: (باظ الدخن الغالي ونتج عيش الزناري /  ما بتنجاب انجالي بلا عيال السراري). وهذا البيت الشعري من بادية الكبابيش يقول ان ابناء الحرة فشلوا في فزع النياق المنهوبة، بينما نجح ابناء السريّة.

وفي اغنية اهالي توتي المشهورة عن الفيضان، التي يصدح بها المطرب حمد الريح: (عجبوني اولاد السراري / عجبوني وسروا بالي). وكثيراً ما نجد في القصص الشعبي (الاحاجي) أن ابن السرية تتنافس عليه بنات عمه ذوات النسب العربي. واكبر البيوتات إدعاء للنسب العربي نجد أربابها سود البشرة، وكل هذا يوضح ان عمق واتصال التدامج بين السكان، فالسيد يسرّي أمته، وينجب منها سيداً،  يتزوج بنت عمه.  وهذا ما اسماه البروفسير علي مزروعي بالنسب الصاعد –اسندينق مسينقيشن – عكس ما عليه الحال في الحضارة الغربية حيث النسب النازل –ديسندينق مسنقنيشن- لان الناتج هنا من لقاء اللونين يعتبر عبدا – سليف- مهما كان لون بشرته.

وقد لاحظ البروفسير جعفر ميرغني ان الاشتهاء العاطفي  بين الاجناس المكونة للسودان كان وما زال موجودا وسيظل  وكما هو معلوم ان الاشتهاء العاطفي هو نقيض التافف الجنسي عليه تصبح التفرقة والتمييز العنصري قد قدم للسودان من خارجه فتجارة الرق العالمية - ترانس اتلانتك تريد- والتي بموجبها اصبح الرق سلعة تجارية وظهور الدولة التركية في السودان هو الذي ربط السودان بمنظومة الرق العالمية وهذة قصة اخرى. (انتهي ملخص دراسة الدكتور البوني).

(3)

وهنا رسالة شيخنا محمد عثمان أبوزيد، حفظه الله.

**********

الاخ الاستاذ البطل:  تحيات طيبات ..

إلماعاً الى موضوعك الطريف بشأن التسرى اسمح لى ان اقول ان الشاعرة لم ترد إلا القول ان الغوث له (نسب) واشج بالفردوس، والتعبير ب(النسب) من مجاز العربية المطروق كثيرا فى تبيين وثاقة الصلات، ولا احسب انه هنا من شطحات المراغنة، ولو كان للشاعرة ادراك اكبر بفنون البلاغة لعكست الصورة لتضحى الفردوس هى الاصل!

ولهؤلاء من الشطحات الكثير وبعضها منقول (بضبانته) من فتوحات ابن عربى المكية وكتابه فصوص الحكم، وحسبك ان تراجع المولد وتفسيرهم للقرآن الكريم المعروف والمطبوع. وقد تناول بروف احمد جلى فى كتابه عنهم شيئا من ذلك، ولعل من الغريب ان دكتور جلى ربما كان الوحيد الذى كتب عنهم كتاباً مطلع عقد التسعينيات من القرن الماضى (الطبعة الاولى بالسعودية)، بينما تجد لفيفا من يهود اسرائيل واساتذة الجامعات هناك عمدوا الى اعداد رسائلهم عنها، أعنى الطريقة، وعن غيرها من الطرق بالسودان!

ومن جانب آخر لم يكن التسرى بالامر المنكر يومها بل بلغ من شيوعه ان انقلب الى تفضيل نتاجه فى غير بلادنا، وبعض كبار باشوات مصر من عهد قريب كمحمد محمود باشا من هذه الثمرات! ولمثل هؤلاء حافز نفسى كبير للتميز فى مجتمعاتهم انطلاقا من مركب النقص (انفريورتى كومبلكس) ولعلك تذكر المقال الطويل الذى حوى شيئا من ذلك وجاء فى النيوزويك الامريكية ابان حرب الخليج عن الامير بندر بن سلطان! وربما على ذات النهج قام صديق بندر وزميله وليام سيمسون بإعداد كتابه الضخم (ذا برنس) وهو كتاب كاشف لعله خير ما طالعت عن امراء السعودية .

وغالبا ما يجنح الناس الى التسرى اشتهاءً، ويأتون مع السرارى ما لا يأتون مع الزوجات من الحرائر (وربما كان فى ذاك تفسير للبغاء الذى يسود اوروبا والجنوح الى الخروج من ربقة الزواج فى مجتمعات لاتعرف القيود). ويورد الرحالة السويسرى -الانجليزى بوركهاردت سببا طريفا لهذا الاشتهاء فى السودان علق عليه آلان مورهيد فى سفره الموسوم بالنيل الازرق - بلو نايل - فى فصله الذى عقده عن سوق شندى فيما اذكر(وتجد كل ماكتب بوركهاردت فى موقع استرالى على النت).

ولبروف احمد البشير بحثا قيما عن تجارة الرقيق فى وادى النيل عبّ فيه من الوثائق الامريكية الدبلوماسية كثيرا ونشرته احدى الجامعات الامريكية التى لايحضرنى ذكرها الساعة ولعلها جامعة نيويورك.

وربما جاءت امثال عندنا من شاكلة (الفحل مو عواف) اتساقاً وتسويغاً لاتخاذ المحظيات والسراى. وفى التراث العربى اثقال واثقال عن الامر لعلك واجدٌ اطرفها فى تناول الطبرى فى تاريخه لثورتى الزنج والصراع بين الامين والمأمون . وكان شأن السرارى فى الدولة العباسية قد علا حتى انك لاتجد سوى ثلاثة من خلفائها يتحدرون من امهات عربيات على نقيض الحال لدى بنى أمية!

ولا اكاد اجد فى ادبنا الشعبى بشمال السودان تمجيداً من اى نوع لأبناء السرارى، بل هى وصمة يتوارى منها القوم. وان كنت اعرف حالات اقتران بالسريات كان موجبها الى جانب الاشتهاء انهن ماهرات فى اعداد (المرايس والعرقى) وكان ازواجهن من كبار اهل الكيف!

أما ماجاء فى (عجبونى ولاد السرارى) ، فى أغنية حمد الريح ، فصحته (عجبونى ولاد السرارة) لا السرارى والبون شاسع بين الاثنين. ولك ان ترجع للاغنية على اليوتيوب . وهذه الاشارة التى حسبتها مدهشة هى التى دعتنى الى مراجعتها فى مظانها. والسرارة هى القريبة من القلب التى تبودلت معها الاسرار، وأهلنا يلقبون بها فيقولون (السريرة) يحببونها بالتصغير يا مولاى! بل يقولون فى قرابة النسب البعيد (لفلان سرارة مع ناس فلان) اى قرابة بعيدة نوعا ما . آسف للاطالة ولك العتبى ، ودمت فى عافية واهلك.

(4)

انتهت رسالة شيخنا محمد عثمان ابوزيد وعليها أشكره. وفيما يليني من الأمر فأنا أقبل التعقيب كما هو، وهو موضع عنايتي الكاملة، وكفى. ولا أزعم ان عندي من المحصول في صوامع الثقافات السودانية ما يسمح لي بمواصلة هوايتي في(الغلبة) والإكثار من الجلبة.

ويبقى على حبيبنا البروفيسور عبد اللطيف البوني ان يعتني بما يليه. وأظنه سيفعل، فقد (وتسبته)، اي راسلته واتسابياً، وأنبأته بمقولات الشيخ فأنكر بعضها، وتوعد بالرّد. وقد كتبت له بالمقابل أنني أثق في علمه الواسع وثقافته الثرة، ولكن الرد على شيخنا أبوزيد إنما يكون (على مسئولية صاحبه)، لأنه رياضة خطرة. والله المستعان.

نقلاً عن صحيفة (السوداني)