غرباً باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


الأحد 10 مايو 2015:
* * * *
في ساعة متأخرة من الصباح وصلت المنتجع العلاجي في باقشوت حيث حبيبنا الدكتور تيسير محمد أحمد، فوجدته قد خرج، في صحبة الدكتورتين عزة وماجدة، في جولة خارجية أملاها صفاء وروعة الجو ذلك اليوم. وما هي ألا ساعة بعدها وحضرت الدكتورة راوية كمال ابراهيم أحمد، وقادتنا جميعاً وفقاً لوعد وموعد سابقين بأن تسوقنا بربطة معلمنا الى غداء فاخر في مدينة كيمبرلي المجاورة، يليق بها كطبيبة سودانية بريطانية، وبكونها إبنة أحد أكبر رجال الاعمال في السودان ومصر، ويليق بوالدتها الدكتورة ماجدة كناشطة مجتمع مدني ومناضلة مستديمة ضد نظام الانقاذ. وقد كان.

ما ان عدنا متخمين واتجهنا نحو المقاعد الوثيرة حتى أطل علينا عبر الباب الرئيسي، من حيث لم نحتسب، صديقي وقريبي رجل الاعمال وجدي ميرغني محجوب، وابنتاه أمل وهند، وشقيقته العزيزة دينا. ولا ريب في كون تلك مفاجأة طيبة زادت من ألق ذلك اليوم. كان وجدي في مهمة عمل في جنيف، فقرر ان يعرج على لندن ليوم واحد يقضيه في معية تيسير ويطمئن على صحته الغالية.

وجدي ابن عمي في الحسبة، والده ابن خالة والدي. عرفته، وأنا في مدينة عطبرة، دون أن أراه. كان ذلك في مقتبل حياتي وتحديداً منذ أدركت القراءة والكتابة، وكنت اشعر تجاهه وقتها بإحساس غريب. في سن مبكرة كان وجدي بطلاً من ابطال رياضة السباحة على مستوى السودان والمنطقة العربية، تنشر صوره بانتظام في صفحات الصحف ويظهر متألقاً في شاشات التلفزيون. كان ذلك شيئاً مذهلاً بالنسبة لي أتلقاه بمشاعر جمعت الاعجاب بالغيرة.

تداعت الأيام فالتحق صاحبنا بجامعة عين شمس، في مصر المحروسة، وتخرج منها وهو يحمل بكالوريوس الشرف في علوم الكيمياء. وعاد بعدها ليبدأ حياة جديدة لم يعرف خلالها غير الجهاد والاجتهاد، ولم يألف سوى العمل الشاق المضني.

والحق أن الصرامة والجدية طبعت حياة وجدي منذ نعومة أظافره. إذ برغم انه من "أولاد نمرة اتنين" إلا أن والده حرص على تربية ابنائه على مبدأ (اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم). كان الوالد ميرغني محجوب مديراً لمصلحة الزراعة، ثم تحول الى القطاع الخاص فأصبح من أنجح وأثرى رجال الاعمال. وفي حقبة الديمقراطية الثانية طار صيته، إذ صار برلمانياً رفيعاً، يمارس التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية من تحت قبة الجمعية التأسيسية، ممثلاً لدائرة حلفا الجديدة.

عاش وجدي أنضر سني عمره في شرق السودان، يدير عدداً من مشروعات الزراعة الآلية امتدت من القضارف حتى الحدود الاثيوبية. وكثيراً ما رأيتهم يأتون به الى الخرطوم صريعاً مجندلاً وقد فتكت به الملاريا وغيرها من أمراض مناطق الشدة. ولوجدي اسهامات ضخمة في تطوير الزراعة في شرقنا الغالي، فهو اول من ادخل محصولي زهرة الشمس والقرطم في السودان.

وعلى خلفية ذلك التاريخ المضطرم بالبذل والبسالة لم يكن مستغرباً ان ينهض هذا الفتى الطموح ليحمل الراية بعد غياب والده، فيقود اخوته ليكملوا معاً بناء الصرح الذي أسس له الراحل الكبير وبات يحمل اسم (مجموعة شركات محجوب أولاد)، والذي اصبح، تحت القيادة الوجدوية، معلماً من أفلح وأفصح معالم الاقتصاد الوطني. ولهذه المجموعة منشأة قائمة بذاتها للعمل الخيري، تحمل اسم الفيصل، تعرف أياديها البيضاء السابغة قرى حلفا الجديدة، ومناطق اخرى واسعة في السودان.

قضينا، وجدي وأنا، سحابة اليوم بكامله نشاكس تيسير ونعاكسه ونثير حفيظته. في ما يليني من الأمر ظللت أذكّر تيسير واغيظه بأن تجربته في الصراع ضد نظام الانقاذ ذهبت هباءً ولم تؤت اكلها. وان قائده الذي وعدنا بالزحف المسلح من فوق الهضبة الاريترية حتى الخرطوم، لتحريرنا من قبضة العصبة المنقذة، انتهى به الأمر زاحفاً نحو حي كافوري الفاخر، فشيّد لنفسه قصراً منيفاً على مبعدة أمتار من رئيسنا المفدى عمر البشير، وأقام في جواره وحماه، واصبحت ابنته مديرة للعلاقات العامة في واحدة من كبريات الصروح الانقاذوية.

ولكن وجدي استهجن هذه الروح الانهزامية عندي، فأكد أن تيسير، وبرنامجه الوطني التحريري، ستكون له عودة الى السودان تشبه (عودة ديقانقو) التي يعرفها مدمنو افلام الكاوبوي في الزمن القديم. ثم أخبر تيسير أنه يزمع، بعد اكتمال شفائه ان شاء الله، أن يدعوه الى الخرطوم، ثم يطلب من المسئولين في قناة النيل الازرق التي صار أمرها الى مجموعته الظافرة، ان يعهدوا الى المذيعات من ساحرات القناة، بتقديمه الى الرأي العام من خلال سلسلة حوارات سياسية، يعود بعدها لممارسة أدواره النضالية القيادية في الحياة العامة، كما كان الحال قبل الانقلاب.

هنا تدخلت أنا وطلبت من وجدي اسناد المهمة الى الاعلامية عفراء فتح الرحمن لثقتي في كفاءتها واطلاعي على قدراتها الحيوية. رد وجدي ان عفراء تعمل في قناة الشروق لا النيل الازرق، فاقترحت عليه، والحال كذلك، ان يشترى قناة الشروق ويضمها للنيل الازرق.

ثم مضيت قدماً فقلت لتيسير أننا بإذن لله تعالى نزمع ترشيحه - بعد تلميعه على يد عفراء - في انتخابات رئاسة الجمهورية العام 2020 في مواجهة خالي الفريق بكري حسن صالح. وقد وعد وجدي بتوفير التمويل اللازم للحملة الانتخابية حتى يصل، ونصل نحن من ورائه، الى سدة الرئاسة، فيصبح تيسير رئيساً للجمهورية، بدلاً من خالي بكري، وتصبح الدكتورة عزة السيدة الاولى، بدلاً من خالتي ليلى.  ولا بأس، فكلنا أهل!

وفي حال الانتصار المؤزر الموعود والظفر بأريكة الرئاسة فسيتم بأمر الله تصحيح الاوضاع في البلاد، إذ يتحقق المراد، ويرتاح العباد، فتستقيم أمورنا على خطى البرامج والمبادئ السامية لحزب التحالف الوطني السوداني (قوات التحالف الوطني) الذي أسسه تيسير وعبد العزيز خالد ورفقائهما من المناضلين الأحرار في العام 1992.  

هنا نادى تيسير ابنته أمل، وقال لها: "طلعي المجانين ديل برة واقفلي الباب"!

[نواصل]

نقلاً عن صحيفة (السوداني)