غرباً باتجاه الشرق
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الاتنين 11 مايو 2015:
* * * *
توجهت كالمعتاد الى محطة ووترلو، ومن الرصيف رقم 19 امتطيت ظهر القطار المتجه صوب مدينة ريدنغ. في منتصف الطريق هبطت في محطة باقشوت، كالمعتاد ايضا، وتوجهت رأسا الى حيث حبيبنا الدكتور تيسير محمد أحمد في منتجعه العلاجي الرابض بين المروج الخضراء بتلك المدينة الصغيرة الجميلة.

وجدت تيسير في خير حال، يطالع بعض المواد عبر شاشة الآيباد، ويستمع الى ملخص للاحداث السودانية والعالمية قدمته له شقيقته الدكتورة ماجدة. بعد قليل حضرت الدكتورة سهير الشوية رئيسة نقابة الأطباء السودانيين في بريطانيا وايرلندا، فصافحت تيسير واطمأنت عليه، ثم شرعت في الحديث مع المجموعة.

بحسب سيادة الرئيسة فإن عدد الأطباء السودانيين المسجلين في المجلس الطبي البريطاني، او الكيان الرسمي الذي يقوم بتسجيل واعتماد الأطباء، أياً كان اسمه، يقل قليلاً عن 1800. اعطتني الدكتورة الرقم الحقيقي بدقة ولكنه تاه مني. بيد أنني اعلم ان هناك آلافاً آخرين من الأطباء السودانيين غير المسجلين. اتمني لهم التوفيق في اجتياز ما يلزم من اختبارات مهنية وإجراءات ادارية، فيدخلون لممارسة المهنة في بريطانيا بصورة رسمية ويصبحون بفضل الله من رعايا سهير.

الدكتورة سهير دأبت على الزيارة بصورة منتظمة، فهي وجه مألوف للعاملين في المنتجع، بيد أنني لم اكن قد صادفت وجودها في المرات السابقة. غير أنني كنت قد سمعت اسمها للمرة الاولى قبل يوم واحد فقط من لقائي إياها. سمعته من البروفيسور الشيخ محجوب جعفر، وزير التعليم العالي في حكومة الديمقراطية الثالثة.


وكان البروفيسور الشيخ محجوب قد حضر الى لندن بدعوة من نفس النقابة التي ترأسها سهير ليشهد أحد محافلها، ولعله ألقى خطاباً هناك. وقد اطلعني البروف عبر جهاز الآيفون الخاص به على صورة ضمته هو وعدد من الاطباء في ذلك المحفل، وعرّفني بالاشخاص الذين وقفوا الى جانبه واحدا واحدا، ومن بينهم الدكتورة سهير الشوية.

بعد قليل حضر الدكتور أمير ادريس المحاضر بجامعة فوردهام بولاية نيوجيرسي. أمير تلميذ نجيب من بين تلاميذ تيسير في جامعة الخرطوم، يعتز به تيسير كثيراً. وكان واضحاً جدا ان هذا التلميذ يحب استاذه حباً شديداً، بدليل انه عبر المحيط من الولايات المتحدة الى انجلترا لمعاودة استاذه.

فجأة سمعت حركة غير عادية، ثم اخبرتنا احدى العاملات بالمنتجع ان سعادة سفير جنوب السودان بلندن يقف بالخارج ملتمساً الزيارة. وما هي إلا هنيهة حتى دخل علينا السفير سابت أبي ألي وفي معيته بعض اركان السفارة. بعد دقائق وفي غمرة كركبة شديدة لكبابي الشاي والقهوة استغرق الجميع في أحاديث مطولة حول قضايا متعددة.

تكشفت لي من خلال المتابعة شخصية سفير جنوب السودان في لندن. رجل راقي ولبق، فضلاً عن كونه مثقف ذي مستوى رفيع. كما تكشفت لي في ذات الوقت ملامح من شخصية الدكتورة سهير الشوية، وقد رأيتها منغمسة، بانجليزية طليقة وعذبة، مع السفير في حديث عن اوجه تعاون ونشاط مشترك بين نقابة الأطباء السودانيين والكيانات المدنية المماثلة لجنوب السودان في بريطانيا.

هناك  شئ آخر عن الدكتورة سهير. وهي أنها في كل مرة تحضر فيها للزيارة فإنها تجلب معها كمية كبيرة من الطعام. تماماً كما كان يفعل الزوار التقليديون في مستشفيات السودان في الزمن القديم. وقد أرهقت صديقتها الدكتورة ماجدة نفسها إرهاقاً وهي تطلب وتلح وتؤكد على هذه الصديقة ان تقلع عن عادة إحضار الطعام هذه، لأن المأكولات والمشروبات متوفرة اصلاً في المنتجع. ولكن لا حياة لمن تنادي. هكذا هم السوادنة!

الحق يُقال ان الطعام الذي تعده الرئيسة سهير لا يُعلى عليه، فهو فضلاً عن تنوعه المثير للشهية، جيّد الإعداد بصورة مدهشة. والدهشة تبلغ مداها عندما تعلم انه الى جانب المأكولات الحديثة،  هناك دائماً طبق كبير يحتوي على قراصة وملاح.

التقليد ان توضع كل الأطباق السُهيرية على طاولة في شكل بوفيه مفتوح في القاعة الرئيسية، فيتناول مرافقو تيسير وأضيافه ما يريدون. ثم تتم إعادة تغطية الأطعمة وتركها في مكانها. بعدها يحضر طاقم المنتجع من الأطباء والممرضات والحراس فيأكلون ايضاً. الغريب أنني رأيت بعض الإنجليز يأكلون القراصة والملاح بالشوكة والسكين!

قالت لي الدكتورة ماجدة أن الكوادر العاملة في المنتجع أدمنوا طعام الحاجة سهير الشوية، فأصبحوا ينتظرون زيارتها بفارغ الصبر، فإذا ظهرت سيارتها في باحة المنتجع ارتفعت الروح المعنوية، ورقصت قلوب الفرنجة فرحاً.

نقلاً عن صحيفة (السوداني)