غرباً باتجاه الشرق
مفكرة لندن (4): تيسير وسمك السوشي  .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
    السبت 9 مايو 2015:
الافطار بالفندق بالنسبة لي هو الشاي الانجليزي التقليدي ورغيف التوست فقط لا غير. منذ خلقني الله فإنه جردني من الرغبة والقدرة على الأكل في الصباح الباكر، كما يفعل الآخرون الذين يستيقظون من النوم فيزدردون البيض والسجق وغيره من اللحوم إزدرادا. أنا سوداني تقليدي أشرب الشاي فقط في الصباح، ثم أضرب في الأرض، وعندما أجوع بعد ذلك آكل!
قرينتنا السيدة الفضلى إيمان تصنع أحيانا نوعاً من الخبيز، أغمسه في شاي الصباح غمسا ثم ألتهمه. في اسرتي الأصلية كانت المرحومة والدتي تصنعه، ويُطلق عليه "المنين". وحتى يوم الناس هذا لا أعرف ان كان اسم "المنين" اسماً عربياً يستخدمه جميع السوادنة، أم انه من مفردات اللغة النوبية، يخصنا نحن أبناء تهراقا وبعانخي دون غيرنا.  ولكن الذي أعرفه يقيناً هو أن المنين الذي كانت تصنعه امي افضل بكثير من ذلك الذي تصنعه ايمان. وأحبابنا في المحروسة يقولون: "الحق ما يزعّلش".
هبطت من القطار في محطة باقشوت وتوجهت الى المنتجع العلاجي حيث البروف تيسير محمد أحمد. كالمعتاد وجدته محاطاً بالحور العين من ممرضات الفرنجة ذوات العيون الخضر. حييته وقلت له: "مين زيّك يا عم"؟
كانت هناك ايضا الدكتورات ماجدة وعزة وراوية، وفي معيتهن  سيدة انجليزية تبدو على سيمائها الهيبة والوقار ورفعة الشأن. صافحت السيدة الانجليزية وعرفتها بنفسي. في المقابل عرفتني هي أيضاً باسمها وصفتها: ايما بلايفير المديرة السابقة ل (فورد فاونديشن) في السودان. تشرفنا يا ست ايما.
جاءت ايما بلايفير لزيارة تيسير من مدينة بعيدة، وكانت تحمل معها صندوقين صغيرين. الأول يحتوي على قطع من سمك السوشي. السوشي أكلة يابانية. هو نوع من السمك يُعد بطريقة خاصة وحساسة ويُباع بأسعار مرتفعة. منظره جميل للغاية حال عرضه في الأطباق، ولكنني لم استسغ طعمه أبداً ولم أحبه. تماماً مثل الكافيار الذي يأكله علية القوم في اوربا وامريكا، وهو نوع من بيض السمك يعتبر من المقبلات الغالية، ولم أستسغه أيضاً ولم احبه. أما الصندوق الثاني فقد احتوى على قطع من الحلويات العربية التقليدية.
كانت السيدة قد فتحت صندوق السوشي وقدمته لتيسير وللآخرين فتناولوا منه، كل واحد قطعة، عن رضا او عن غصب، لا فرق. بعد حضوري حملت الصندوق وقدمته لي فاعتذرت على الفور. ولكنها شرعت تحدثني، بغير طائل، عن السوشي وفوائده وجماله ومزاياه. يا ستي، خلاص، فهمنا. بس أنا ما احبّوش!
دار بعدها حديث عن فترة عملها بالسودان وانجازات فورد فاونديشن في عهدها الزاهر. مؤسسة فورد كما هو معلوم مُنشأة أمريكية أسسها عام 1936 إدسل فورد، من اسرة فورد صاحبة الاسم، وهم مؤسسو وملاك غالبية أسهم شركة فورد اكبر صانع للسيارات في الولايات المتحدة. أما مجالات عمل فورد فاونديشن الرئيسية فهي التمكين الاقتصادي (  (Empowermentومحاربة الفقر وتعزيز القيم الديمقراطية.
أثناء النقاش عن دور مؤسستها، وعن الأوضاع السياسية والاجتماعية في السودان تحت ظلال العصبة المنقذة، استجمعت أن السيدة إيما بلايفير عملت مديرة للمكتب في الخرطوم، ثم تقاعدت وصدّت الى بلدها. ولكنها فيما يبدو عادت ادراجها مرة أخرى في وقت لاحق الى السودان لانجاز مهمة تتعلق برصد موقف حقوق الانسان في البلاد.
مسز بلايفير قناعتها راسخة في أن هناك انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان في دارفور. سألتها ان كانت تعتقد ان هذه الانتهاكات مشتركة، بمعني ان الحكومة والحركات المتمردة  جميعها متورطة بنفس القدر في هذه الانتهاكات. وهنا شعرت بأنها فقدت فجأة حماستها للنقاش إذ اعتذرت بأنها لم تعد ملمة بالموقف بصورة متكاملة ودقيقة.
ولكني تماديت  فسألت إيما سؤالاً مباشراً عن مسألة عودتها لرصد موقف حقوق الانسان في دارفور بعد انتهاء مهمتها كمديرة لفورد فاونديشن: "ما هي الجهة التي كلفتك بالرصد عند عودتك للمرة الثانية"؟ هل هي فورد فاونديشن نفسها ام جهة اخرى؟ ولكنها لم تشأ ان تجيب رغم انها استمعت الى سؤالي باهتمام ظاهر. بدلاً من الإجابة فإنها مدت يدها الى صندوق السوشي، ثم قدمته لي وهي تجدد محاولة إغرائي بأن أجرب قطعة واحدة!
قلت: شكرا يا مدام. انا لن آكل السوشي، ولكن لا مانع عندي من الحلويات العربية في الصندوق الآخر. ابتسمت إيما ابتسامة عريضة وشرعت على الفور وبصدر رحب في فتح الصندوق الثاني  وقدمته لي، فتناولت شيئاً هو خليط من البسبوسة والبقلاوة مع قدر من المكسرات. استطعمته ببطء فكان واضحاً انها حلوى غالية، وان ايمي اشترتها من محل راقي، بما يعكس حبها لتيسير وتقديرها له.
بارك الله فيك يا ست ايما، ونفعنا ببسبوستك ومكسراتك. أما السوشي فلا!
(نواصل)
نقلاً عن صحيفة (السوداني)