غربا باتجاه الشرق 

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

(1)

كان من ضمن الرسائل التى تلقيتها فى صدد التعليق على الجزء الاول من هذا المقال رسالة من قارئ لم يشأ ان يُفصح عن اسمه، كتب يقول: ( أيها السادن المايوى، يا خادم الانظمة الشمولية، تأخذ على أشرف الرجال الذين أنجبهم هذا الوطن أنهم نقلوا اسم "المؤتمر" من الهند، وتغفل عن أسيادك الذين سرقوا اسم الاتحاد الاشتراكى من مصر؟). ولا ادرى من أين أتى القارئ الكريم لى بصفة السدانة لنظام مايو. ولكنه لم يكن على أية حال أول من دلق مثل هذه التُهمة الفادحة فوق رأسى. فقد سبقه الى هذا المورد بعض من نقموا علىّ أشياءً مما كتبت فى الماضى، وكان آخرهم الموسوعة الامدرمانية الفذة الاستاذ شوقى بدرى الذى قرأت له قبل أيام مقالا تداولته المنابر بعنوان (يا البطل رفيقك مكرى، انت شن نفرك؟)، كتبه فى ذيل مقالين آخرين كان قد افترعهما بعنوان (البطل وصاحب البطل رسلان)، أحكم وثاقى فيهما بالحبال على عمودٍ واحد مع صديقى الاكاديمى المصرى هانى رسلان، الذى وصفه ب "عميل المخابرات مدفوع الاجر"، ثم ضربنا معاً بالكرباج ضرب غرائب الابل، وعندما فرغ من طغيانه باغتنى بالعبارة التالية: ( يا البطل قالوا المرض بتاور، هل رجعت لأيام خدمتك لعميل مصر الأكبر جعفر نميرى)؟!

و"عميل مصر الاكبر" هذا استوظف فى خدمته – مثلى- مئات الآلاف من رجال ونساء الخدمة المدنية والسلك الدبلوماسى والقوات النظامية. ولكن المثير للعجب حقاً هو أنّ مجالس وزراء "عميل مصر الاكبر" ضمت من السياسيين عدداً من أحباب الاستاذ شوقى بدرى الذين لا يمل من ايراد اسمائهم  فى مقالاته الواسعة المقروئية، ولا يكف عن تعظيمهم وتقريظهم واسباغ  صفات الوطنية عليهم، كصفيّه ومثله الأعلى الاستاذ محجوب عثمان الذى عمل وزيرا وسفيرا لجعفر نميرى، وهو وزير الاعلام الذى - بشهادة عميد الصحافة السودانية الراحل بشير محمد سعيد – دبّر وأشرف على عملية تأميم الصحف عام ١٩٧٠ فكان بذلك اول من ادخل البلاد فى نفق الاعلام الشمولى. وهو الوزير الذى تحت هيمنته على مرفق الاذاعة استنكف ان ينعى الى شعبه رمز الوطنية العظيم ورئيس الدولة الشرعى اسماعيل الازهرى فأذاع المذيع: (توفى اليوم اسماعيل الازهرى المدرس بوزارة التربية والتعليم سابقاً). وخرجت الجماهير تحمل نعش محرر السودان على أكتافها وهى تهتف: ( جبان جبان محجوب عثمان). التاريخ المرصود يسجل أن أحباب شوقى الذين ظل يواليهم بفيوض الثناء ويهديهم باقات الاعجاب من أمثال محجوب – مد الله فى عمره – هم من أتوا بمايو ومكّنوا لها، وحملوها على رقاب العباد، ونظّروا للحكم الشمولى، ونصبوا على رأس الامة ضابطا جهولا مثل جعفر نميرى، وزعموا للناس انه ( القائد الضرورة) وهبة الأقدار لشعب لسودان! هم الذين فعلوا كل ذلك، لا رجال الخدمة المدنية ونسائها من الموظفين والكتبة والعمال والسعاة وسائقى السيارات! ولا ادرى لماذا حين قرأت عبارة شوقى بدرى تلك خطر فى ذهنى شيئٌ بدا لى من عجائب تصاريف القدر. اذ تذكرت انه بعد ان عينتنى لجنة الاختيار للخدمة العامة ضمن مجموعة من الخريجين الجدد للعمل فى سلك الضباط التنفيذيين برئاسة مجلس الوزراء فى زمنٍ مضى - قام مدير الشئون الادارية بمجلس الوزراء باسناد مهمة تدريبى لصهر شوقى بدرى شخصيا، وهو زوج السيدة الفاضلة الدكتورة بلقيس بدرى، الراحل العزيز الاستاذ محمد الحسن الطيب عبد الحفيظ، الذى كان من الكوادر القيادية  بالرئاسة آنذاك، تغشت قبره الشآبيب الرطاب.

(2)

ولكن الذى لا خلاف عليه هو أن الرجل المتهجّم صاحب الرسالة الاولى لم يجاوز الحق عندما أشار الى اغفالى ايراد اسم الاتحاد الاشتراكى الذى اتخذه الحكم المايوى لتنظيمه السياسى، ضمن أسماء الاحزاب السياسية والكيانات المدنية المستوردة. والواقع اننى لم ازعم رصدا حصريا لهذه الاحزاب والكيانات بل قصدت الى ابراز بعض الامثلة، ولكن اسم ذلك التنظيم المايوى ندّ عن ذاكرتى ولولا ذلك ما تجاوزته. واذا كانت مايو قد استوردت مسمى تنظيمها السياسى من مصر، فلعله من المناسب ان نذكر هنا ان مصر الناصرية لم تكن هى فى واقع الامر أول من ابتدع فكرة الاتحاد الاشتراكى. الثابت ان صيغة "تحالف قوى الشعب العاملة" التى قامت عليها نظرية الاتحاد الاشتراكى، وهى الصيغة التى تجمع العمال والفلاحين والجنود والمثقفين والرأسمالية الوطنية غير المرتبطة بالاستعمار كانت فكرة انتجتها يوغسلافيا السابقة تحت قيادة زعيمها الملهم جوزيف بروز تيتو، وقد استوردها ناصريو مصر من هناك عبر المحيط، ثم قام "المثقفون الوطنيون" السودانيون ممن تولوا شغل السدانة الفكرية للنظام المايوى بلفها فى منديل وجاؤا بها من مصر الى السودان.

والحق ان مخططى الانقلاب وفى قمتهم رئيس القضاء الاسبق بابكر عوض الله، اول رئيس للوزراء فى العهد المايوى، كانوا شديدى التأثر بالتجربة المصرية، وقد تجلى ذلك بوضوح فى عدد من مظاهر السلطة الجديدة، فعلى سبيل المثال جاء المرسوم الجمهورى بتسمية الوزارات والوزراء، والذى صدر فى يوم الخامس والعشرين من مايو ١٩٦٩، بأسماء مصرية بدلا عن اخرى سودانية عريقة عرفت بها الوزارات السودانية فى العهود السابقة. جاء فى المرسوم تعيين الاستاذ محجوب عثمان وزيرا للارشاد القومى، وهكذا كانت مصر تسمى وزارة اعلامها، فحذف الاسم السودانى ليستخدم الاسم المصرى بدلا عنه. كما جاء فيه تعيين السيد/ منصور محجوب وزيرا للخزانة، على غرار المسمى المصرى الذى لم يكن يعرفه السودان اذ كان الاسم السائد هو وزارة المالية، وهكذا دواليك. كما اضطلع عدد من الوزراء بمهمة تغيير الانظمة الوطنية لتتماشى مع ماهو متبع فى مصر، ومن مثال ذلك قيام وزير التربية الدكتور محى الدين صابر بالغاء النظام التعليمى القديم ليدخل نظاما جديدا يحتذى خطى النظام التعليمى المصرى هيكلاً ومنهجاً.

ثم ان مايو – فى ذروة مدّها العروبى – قامت بالغاء علم السودان واتخذت للبلاد علماً جديداً رباعى الالوان، هو نفس العلم الحالى، الذى يكاد يطابق الى حد كبير أعلام عدد من الدول العربية  التى كانت قد انتهجت نهجاً ثوريا وسارت فى زفة الناصرية عقب موجات الانقلابات العسكرية التى عرفتها المنطقة آنذاك. وجميع هذه الاعلام استلهمت فى تصميمها بيتاً شعرياً واحداً للشاعر العراقى صفى الدين الحلّى وردت فى قصيدة كتبها مستنهضا اهل العراق لقتال التتر والمغول فى القرن الرابع عشر. يقول البيت يصف أمجاد العرب: ( بيضٌ صنائعنا سُود وقائعنا / خُضر مرابعنا حُمرٌ مواضينا ). بل ان النظام المايوى مضى قدما فقام ايضا بالغاء شعار السودان القديم، وهو وحيد القرن، واتخذ للبلاد شعارا جديدا هو صقر الجديان، وهو ذات "النسر" الذى اتخذته مصر شعارا لنفسها بعد الثورة، مع تحوير طفيف.

(3)

وقفنا فى الجزء الاول عند ظاهرة الانتحال فى أسماء الصحف والأحزاب والكيانات السياسية والمدنية. ولكن الانتحال والنقل من الخارج لا يقتصر بطبيعة الحال على هذه المجالات، بل انه يمتد ليتجلى بوجوه اكثر وضوحاً فى ميادين اخرى كأسماء المدن والقرى والاحياء السكنية وأسماء الاندية الرياضية والقاب المطربين ولاعبى كرة القدم واسماء الاولاد والبنات وغير ذلك. من مثيل ما اتخذنا من مسميات مستوردة  لبعض احياء مدن العاصمة: الرياض والطائف والدوحة والشارقة ويثرب وغزة والمعمورة والمنشية وغاردن سيتى والمهندسين والعباسية والمنيرة والنزهة والفيحاء وكثيرٌ غيرهن، وكل اولئك فى الاصل أسماء عريقة لمناطق ومدن وأحياء خليجية ومصرية معروفة. وقد عجبت اذ علمت ان مدينة واد مدنى انشئ فيها حى جديد يسكنه الاثرياء وعلية القوم وقد اطلق عليه اسم حى الزمالك. وهو اسم لحىٍّ راقٍ فى مدينة القاهرة. ولكن الذى ادهشنى حقاً كان ما ذكره لى أحد الاصدقاء من ان هناك قريتين فى ولاية الجزيرة تحملان اسمى طنطا وشبرا، والاولى اسم لمدينة مصرية، والثانية حى يظل من اقدم احياء القاهرة الكبرى تاريخيا وان كان يتبع اداريا لمحافظة القليوبية. غير أن دهشتى لم تعرف حدودها الا عندما علمت ان هناك قرية باسم (ام دقرسى) جرى تغيير اسمها مؤخرا لتصبح (نيو جيرسى)، وهو اسم لولاية امريكية!  ومعلوم ان عددا من الاحياء فى العاصمة ومدن السودان الاقليمية تحمل اسماء دول افريقية وآسيوية مثل كوريا وانجولا والكونغو وغيرها.

واذا دخلت – ايها الأعز الأكرم- على مجاميع المراهقين والمراهقات السودانيات فى موقع الكتاب الوجهى الشهير ( الفيسبوك) على الشبكة الدولية فستجد عجباً من الاسماء الحقيقية والمستعارة التى اتخذها لانفسهم هؤلاء الايفاع من شاكلة نادين واوجين وايزابيلا وسوزان وسنهايد وميرنا وروجينا ورابينا وسالى. ولكن الامر لا يقتصر على التشبه بالفرنجة، فمن السودانيين من سمى أبناءه بالخمينى والكاشانى والقذافى والسادات وصدام، وقد بلغ من حمل من الأطفال السودانيين اسم طاغية بغداد الراحل المئات، واعرف من سمى ابنه "نايف حواتمة". ولكنك ترى التكرار وهزال الخيال على اصولهما عند ظاهرة ربط الاسماء بالمدن، من قبيل نانسى عجرم القضارف، وايمان لندن، وندى القلعة، وفتحية العزوزاب، وأمير حلفا، وعماد القوز. وقد انبأنى ذى ثقة بأن مطرباً شاباً ظهر فى مدينة كادوقلى يقتدى بتجربة واسلوب اداء المطرب المعروف حيدر بورتسودان فاطلقوا عليه اسم (حيدر بورتسودان كادوقلى)! والحديث عن التقليد والنقل الحرفى من الخارج فى بعض الممارسات الاجتماعية كطقوس الزواج والازياء وانواع الطعام قد يستغرق عشرات الصفحات. ومن مظاهر الكسل العقلى أيضا استنساخ اسماء الاحياء والفرق الرياضية وتكرارها فى انحاء السودان المختلفة دون مسوغ ظاهر ومن ذلك استخدام عدد من المدن لاسم "الموردة" لتسمية انديتها وفرقها الرياضية، والموردة اسم لحى معين فى مدينة ام درمان وقد اختير اسم ذلك الحى فى وقت لاحق ليكون اسما لنادى رياضى معروف. ومن غير المفهوم ان تتسمى مدن اخرى واندية رياضية اخرى بذات الاسم!

وعند مناقشة اسم "الموردة" فى دائرتنا الالكترونية الضيقة أول الأمر تبلور ما يقرب من ان يكون رأيا جماعيا يتجه الى ان كلمة "موردة" تعنى فى اصلها العربى المتسق مع مفهومها السودانى "مورد المياه". وقد ابدى بعض الاصدقاء استغرابهم لكون مدينة مثل الفاشر مثلاً لاتوجد بها اصلاً موارد مياه على نحو يبرر اطلاق كلمة موردة على اى منطقة بها، ومع ذلك فان بها حياً سكنيا يسمى الموردة. وقد أثار هذا الرأى حفيظة صديقنا، ابن الفاشر البار، الاعلامى والقانونى الاستاذ احمد كمال الدين، فكتب فى شأن التصدى لهذه المقولات التى رأى فيها تعديا على مدينته مايلى: (المعنى العام صحيح بغير شك من حيث قلة المياه فى دارفور عموما. ولكن من حيث الوقائع المحددة فإن فى مدينة الفاشر بركة دائمة تكبر وتصغر حسب الموسم تسمى الفولة، وهو الاسم الذى يطلق على البرك الكبيرة، ويطل قصر السلطان على دينار على هذه الفولة، وعبرها يرى الناظر مبنى الشرطة الذى عُرف تاريخياً باسم " الخير خنقة"، وتنطق باللهجة المحلية " الخير خنقا"). وأضاف احمد كمال الدين: (اننى اعتقد ان من اهم اسباب اختلافات الرأى بين اهل السودان هو تباعد امصاره مما اخفى حقائق ربوعه البعيدة بعضها عن بعض. ومن ذلك ما سلف ومنه ايضا ان صديقا كان يحاضر فى نادى الضباط بالخرطوم فوردت سورة العرجون ضمن آية سورة ياسين فقال ممازحا اصدقاءه من اهل دارفور: "طبعا اهل دارفور ما بعرفوا العرجون لأن النخل غير موجود عندهم"، وكان حسن النية تماماً، فرددت عليه المداعبة بمثلها مشيرا الى شعر محمد سعيد العباسى فى مليط كمثال لوجود النخل فى دارفور. وقد جاء فى قصيدة العباسى المسماة باسم تلك البلدة والتى مطلعها: " حياك مليط صوب العارض الغادى وجاد واديك ذا الجنات من واد"، بيت يصف اشجار النخيل يقول: "فباسق النخل ملء الطرف يلثم من ذيل السحاب بلا كدٍّ واجهاد"). ومهما يكن من أمر فقد انتهى التداول حول لفظة "موردة" الى نتيجة لم تكن فى الحسبان، اذ تبين لنا هناك جهات كثيرة فى السودان تطلق اللفظة على زرائب الحطب والفحم، وان الامر لا يتعلق حصراً تحديدا ب "موردة المياه" كما ذهب الظن عندنا. وبالتالى فإن من حق اهل الفاشر ان يطلقوا الاسم على حيّهم، سواء باعتبار مستودعات المياه المسماه "فولات"، او باعتبار مستودعات الحطب والفحم!

(4)

ومع اننا نؤمن فى غالب امرنا، ونحن فى مقام تحليل هذه الظواهر، ان العنوان الذى اتخذناه لهذا المقال وهو (الخمول العقلى وجدب الخيال) قد يصلح أداة لتعقب الجانب الاعظم منها، حيث يكتفى الناقلون والمنتحلون عن مشقات التفكير وتوظيف ملكات الخلق والابداع باستيراد المسميات، ولم لا طالما كنا نستورد الطماطم من الاردن والثوم من الصين والسكر من اريتريا. الا ان روح العدل والمنطق والتماس حقائق الاشياء تفرض علينا ان نقف عند طروحاتٍ وشروحاتٍ وتفسيراتٍ اخرى قد تلقى ببعض الضوء على الظواهر بوجه او بآخر. فى حالاتٍ معينة قد لا يكون انتحال الاسماء محض استيراد او سرقة او نقل او محاكاه، ذلك ان إنعام النظر يقودنا الى انه ربما كان الأمر (استلهاماً)، ولا ضير فى ذلك، بل محمدة. لا سيما فى حالة الكيانات السياسية التى تتطلع لايقاد جذوة مرتجاه فى واقع سياسى خامد. واسطع مثال على ذلك هو اسم ( المؤتمر) الذى استلهمه الاستاذ احمد خير وشيعته عند تأسيس مؤتمر الخريجين فى نهاية الثلاثينات من القرن الماضى. ثم أننا لسنا تُبّعا نقلد غيرنا فى مطلق أمرنا فقد انتج السودانيون مسميات خاصة بهم لم يسبقهم عليها سابق، مثال ذلك اسمى الهلال والمريخ. ونجد ان الآخرين هم الذين نقلوا عنا هذين الاسمين، اذ ان هناك اندية رياضية ترسمت خطانا وانتحلت اسماءنا مثل نادى الهلال فى السعودية ونادى الهلال فى بنغازى بليبيا، ونادى المريخ فى بورسعيد بمصر. وكذلك الحال بالنسبة لبعض مسمياتنا فى مجالات الغناء والمسرح، فانت تسمع عن "حقيبة الفن"، وعن فرقة "عقد الجلاد" وفرقة الصحوة و"مسرح البقعة" وغالبية الثنائيات الغنائية كثنائى العاصمة وثنائى الجزيرة، والتى تتسم فى غالبها بالاصالة والبعد عن التقليد.

غير اننى اجد نفسى أميل الى ان الامر فى شأن اسماء الاحياء مما يحدده الوعى العام للمجتمع رقيا وانحدارا، اذ يمكن التمييز بين مستويين، الطبقة الشعبية التى تطلق على أحيائها اسماء محلية وأحيانا افريقية وآسيوية ذات ايحاءات نضالية ومطلبية نحو الكونغو وكوريا وزقلونا وطردونا وفيليب ( أحد احياء بورتسودان التي سميت تيمناً بقائد تنظيمات جبال النوبة الراحل فيليب عباس غبوش) وما الى ذلك، فى مقابل الفئة الاجتماعية المتطلعة لوراثة الطبقة الوسطى المنقرضة فى السودان والتى تتشكل من الاثرياء الجدد ممن ازدهرت مراكزهم المادية تمكينا فى الداخل واغترابا فى الخارج، فى موازاة تواضع ظاهر فى الزاد الفكرى والعلمى. وهذه الطبقة الاخيرة هى التى ابتليت تخصيصا ببلاء محاكاة وتقليد الاسماء الاجنبية الخليجية والمصرية من قبيل التعبير الداخلى عن الرغبة فى التشبه بالفئات التى تسكن فى تلك البلدان أحياءً تؤشر الى مستوى طبقى معين، مثل أحياء الزمالك وغاردن سيتى فى القاهرة الذى يعمره الباشوات والسراة من أهل المحروسة، او التطلع للارتباط وربما التماهى كليا مع المدن الاجنبية التى تشعّ  بهاءً وتبرق ثراءً مثل الرياض والدوحة والشارقة!

هذا النقل العشوائى المكثف والانتحال العنيد لأسماء المدن والاحياء السودانية من البلدان العربية الغنية ماديا واجتماعيا دون استصفاء فكرى أو احتراس وطنى من اى نوع، بل وفى غياب ادنى احساس بالحاجة لمثل هذا الاستصفاء والاحتراس فى المكان الاول، يثير الاستغراب لجملة اسباب فى مقدمتها تعاظم الظاهرة وارتفاع مدّها وبلوغها ذراها فى حقبة زمنية مميزة تعالت فيها ألوية "الأصالة" فى بلادنا علواً جاوز الحد حتى استحالت الكلمة من شعار الى شعيرة، وذلك تحت رعاية تيارات سياسية متغلّبة مجدت "التأصيل" تمجيدا وقف بها عند مشارف النرجسية. ولذا فأننا نقرر بغير كثير حذر أن من اعجب التناقضات التى احتملها ربع القرن الماضى ارتفاع نجم ثقافة اجتماعية تعبر فى حقيقتها عن الاحساس بالدونية وتداعى الثقة بالنفس، فى موازاة ثقافة سياسية شديدة التعالى كانت حتى وقت قريب تباهى وتبشر بالسيادة على المنطقة كلها، بل وعلى العالم اجمع!

غير انه يتعين علينا الا نغفل – فى ذات الوقت – ونحن نستقصى شبهات  التهافت  المعنوى  المتمثل فى العجز المزرى عن ابتداع اسماء لمدننا واحيائنا تتميز بالاصالة والحيوية - حقيقة محورية وهى ان اقدم مدن السودان لا يتجاوز عمرها اربعمائة عام. وأنّ مجتمعاتنا فى جوهر هوياتها وأصل وجودها تتنامى من كيانات بدوية محضة. ومن أظهر الملامح التى تميز الكيان البدوى غياب، او بالاحرى هشاشة وضعف، الثقافة الاجتماعية الراكزة. اذ من أخص صفات البداوة التنقل والترحال الذى يعوق عملية التراكم المؤدية الى خلق وتجذير الثقافة. المجتمع السودانى ليس مجتمعا زراعيا فيضيا مثل مجتمعات الصين او الدلتا حيث يؤدى الاستقرار الى التراكم الذى يتجسد غالبا فى تجمعات مدنية ذات طابع أصيل مثل اثينا او بغداد. واقوى دليل على مشروعية هذا التحليل هو ان المدن السودانية نفسها ظلت فى حالات كثيرة تتنقل بذات اسمائها عبر الحقب من مكان الى مكان، وهذا ما يفسر لنا تكرار اسماء مثل مروى القديمة ومروى الجديدة، وسنارالقديمة وسنار الجديدة، ودنقلا الحاضرة ودنقلا العجوز!

متابعات ومراجعات

        فى مقال الاسبوع الماضى وردت اشارة الى دور الدكتور حسن الترابى فى الانتصار لمبدأ تولى المرأة لمنصب القضاء فى مواجهة اجتهادات مغايرة. ويبدو ان صياغة تلك الفقرة تسببت فى بعض الخلط الذى نصحنى قاضى المديرية السابق مولانا عبد العزيز محمد عبد اللطيف بتجليته وتوضيحه منعا للالتباس. تاريخياً فأن نهوض المرأة بولاية القضاء يرجع الى عام ١٩٦٢ حين جرى تعيين السيدة إحسان فخرى كأول قاضية سودانية، وقد تدرجت فى سلك القضاء حتى اصبحت قاضياً بالمحكمة العليا فى العام ١٩٦٧. كما تقلدت العديد من النساء السودانيات الاخريات مناصب القضاء فى خطى السيدة احسان فخرى، مثل السيدة رشيدة حمزة ميرغنى والسيدة اسمهان صالح. وفى العام ١٩٧٤ وصل عدد عضوات السلطة القضائية من النساء الى عشرين قاضية بالتمام والكمال. تولى المرأة السودانية للقضاء اذن سابقٌ لولوج الدكتور الترابى مواقع السلطة وزيراً للعدل ونائبا عاما ومستشاراً ثم مساعداً لرئيس الجمهورية خلال العهد المايوى. الذى قصدت اليه فى مقالى هو ان تحدى بقاء واستمرار المرأة فى مناصب القضاء تعرض لمحنة كبرى بعد تطبيق قوانين الشريعة الاسلامية فى سبتمبر ١٩٨٣، حيث انعقد عزم المجموعة الحاكمة على تنحية جميع القاضيات من النساء عن منصات العدالة  تأسيساً على نصوص فقهية عديدة اتفقت عدد من الشخصيات الفاعلة فى الدولة من صانعى السياسات العامة على انها لا تجيز تصدر المرأة للولايات العامة ومن ضمنها ولاية القضاء. وهنا يتجلى الدور المفصلى – المقصود - للدكتور حسن الترابى الذى كانت لمواقفه المدعومة بنفوذه السياسى والفكرى والفقهى الاثر الحاسم فى حماية مكتسبات المرأة وحقوقها فى استئناف ممارسة الولاية القضائية فى مواجهة التيارات التقليدية المحافظة.

        فى مقال الاربعاء الخامس والعشرين من نوفمبر أشرت الى حركة انفصالية ظهرت فى منطقة دارفور فى ستينات القرن الماضى باسم (سونى)، وذكرت اننى لا اعرف مصدر ذلك الاسم ولكننى اغلّب الظن انه يعبر عن مضمون محلى. وقد تلقيت عددا من الرسائل من قراء أفاضل بشأن حركة سونى الانفصالية ومدلول اسمها. ومن ضمنها رسالة من الاستاذ فيصل محمود الكنزى، من سلطنة عمان، أوضح فيها ان اسم سونى الذى اتخذته لنفسها تلك الحركة الثورية الدارفورية وتنطق بمد الواو (سوونى) إنما هو اسم لقرية تقع فى السفح الشرقى من جبل مرة فى منطقة مرتفعة ومميزة بطبيعة ساحرة. ويقول مُكاتبى ان الفنان الكبير عبد الكريم الكابلى عندما زار سونى فى بداية السبعينات واخذ بجمالها جادت قريحته بقصيدتين تحكيان عن روعة الطبيعة بجبل مرة وقد تغنى الفنان ابوعركى البخيت باحداها، بينما تغنى الراحل المطرب خليل اسماعيل بالاخرى التى تقول احدى مقاطعها: ( فى سونى بى شرق الجبل تشعر كأنك جوة جنة / سونى العروس فى كرنفال مزدانة فى روعة ونضار).

نصوص خارج السياق

(فلما قدم معاوية الشام، أتاه سعيد بن عثمان بن عفان، وكان شيطان قريش ولسانها. قال: يا أمير المؤمنين علام تبايع ليزيد وتتركنى؟ فوالله لتعلم ان أبى خير من أبيه، وأمى خير من أمه، وأنا خير منه، وأنك انما نلت ما انت فيه بأبى. فضحك معاوية وقال: يا بن أخى أما قولك ان أباك خير من أبيه، فيومٌ من عثمان خير من معاوية، وأما قولك أن أمك خير من أمه، ففضل قرشيةٍ على كلبية فضل بيّن، وأما أن أكون نلت ما أنا فيه بأبيك، فإنما هو الملك يؤته الله من يشاء. قتل أبوك رحمه الله، فتواكلته بنى العاصى، وقامت فيه بنو حرب، فنحن أعظم بذلك منه عليك، وأما أن تكون خيراَ من يزيد، فوالله ما أحب أن دارى مملؤةً رجالاً مثلك بيزيد، ولكن سلنى أُعطك، فقال: اعطنى، فقال معاوية: لك خراسان. فخرج سعيد راضياً).

الامامة والسياسة، المعروف بتاريخ الخلفاء، لابن قتيبة الدينورى

 

عن صحيفة ( الأحداث )

 

مقالات سابقة:

http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%E3%D5%D8%DD%EC%20%DA%C8%CF%C7%E1%DA%D2%ED%D2%20%C7%E1%C8%D8%E1&sacdoid=mustafa.batal