غرباً باتجاه الشرق
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الجمعة 8 مايو 2015:خرجت من الفندق قبل ساعة تقريبا من الموعد. كنت قد تلقيت في اليوم السابق رسالة نصية من الخرطوم تبلغني ان سيدنا ومولانا جمال الوالي قد حدد الساعة الثانية عشر من نهار الجمعة موعداً للقائنا بمقر اقامته بلندن.
بالرغم من أن هناك خط أندرقراوند مباشر من موقعي الى مكان اقامة هذا الحبيب، وأن استغلال القطار السفلي الى هناك لا يكلفني شيئا إذ أنني أصلا احمل بطاقة (أويستر) الزرقاء التي تخولني ركوب اي قطار في اي وقت وفي اي اتجاه، إلا أنني فضلت أن أمتطي صهوة إحدى سيارات الاجرة اللندنية السوداء العريقة الشهيرة. رأيت ذلك لازماً، برغم التكلفة، من قبيل التعبير عن الاحترام والتوقير لمولاي جمال، إذ لا يليق ان أذهب للقائه (مدفوساً) ومكبوساً مع آلاف مؤلفة من الانجليز والمهاجرين المتكدسين في أنفاق قطارات الأندرقراوند مثل سمك الساردين.
عندما وصلت فندق هيلتون باركلين صعدت رأساً الى الطابق العاشر حيث الجناح الخاص بالرجل. الفندق يقع في أرقى وأغلى مناطق لندن بطبيعة الحال، في حي ماي فير البديع، على مرمى حجر من هايد بارك وأوكسفورد ستريت. كان الرجل في انتظاري ففتح الباب وخرج لمقابلتي على الفور.
قبلها كنت قد التقيت جمال مرة واحدة فقط بالخرطوم لقاءً عابراً. ولكن لقائي به اليوم، الذي استمر لساعتين، كان اول سانحة لأجلس اليه مطولاً واسمع منه باستفاضة، واتبادل معه المعلومات والأفكار والآراء حول عدد من القضايا (ذات الاهتمام المشترك)!
خلال الجزء الاول من اللقاء وجدتني أحادث إبنة جمال، الشابة الصبوحة ريم، وقد كانت في صحبة والدها. أنبأتني ريم أنها تدرس في جامعة يورك البريطانية، وأنها كانت قد حصلت على قبول من جامعة هارفارد، ولكن والدها رفض سفرها الى امريكا. شرح لي الرجل اسباب رفضه، ولم تكن وجيهة في نظري. ولكن جامعة يورك على أية حال يقع تصنيفها  ضمن أبرز جامعات بريطانيا، بل انها ترد في قائمة افضل ثمانية مؤسسات بحثية في اوربا. قلت لريم: لا بأس، اكملي البكالوريوس في يورك، وسيهدي الله حبيبنا جمال، ولن يحول بينك وبين الماجستير في هارفارد، فوقعت منها تلك الخطة موقعاً حسناً.
أقدّر تماماً رغبتك وشوقك العارم لمعرفة الموضوعات التي ناقشتها مع هذا الحبيب. ولكن تذكر، أعزك الله، أن الحديث مع جمال الوالي ليس مثل الحديث مع عادل الباز وضياء الدين بلال ومحمد لطيف ومن لف لفهم من غمار الناس. وانت سيد العارفين أن هناك أصولاً وفصولاً وخطوطاً حمراء في مثل هذا النوع من اللقاءات.
بيد انه لا مانع عندي من أن أقول لك انني خرجت من ذلك المكان وأنا شديد الاعجاب بهذه الشخصية السودانية المجيدة الفريدة. الرجل شديد التواضع، منفتح بلا حدود، ثم أنه متوقد الذكاء وممتلئ بالطمأنينة والثقةً بالنفس.
توجهت اليه بسؤال مباشر لا يمكن ان يخطر ببالك. قلت له: "حدثني عن ثروتك. كيف كونت هذه الثروة"! لم يبد عليه الارتباك او الانزعاج من هذا السؤال العجيب، بل مد يده فملأ كوباً إضافيا من القهوة. ثم قدم لي في المبتدأ حصراً دقيقاً بمجالات ومفردات استثماراته، واحدة واحدة. حدثني عن حوافز ومعوقات الاستثمار في السودان.  ثم شرع يحكي عن علاقته بعديله الاستاذ صلاح ادريس، وعن مسيرته مع المال والاستثمار من الألف الى الياء. أصغيت باهتمام شديد، وقد بدا لي الرجل وكأنه يسرد وقائع فيلم آكشن أمريكي.
سألته ان كان صحيحاً ما سمعته عن انه شارك ضمن المجموعة المدنية العسكرية التي نفذت انقلاب يونيو 1989، فنفي ذلك وقال لي انه كان وقتها خارج السودان. ولكنه أنبأني عن جذوره (الاخوانية) وعلاقته بالحركة الاسلامية، ثم أعلمني انه عمل مديراً لمكتب الفريق عبد الرحمن سوار الدهب عندما كان رئيساً لمنظمة الدعوة الاسلامية.
الأمانة تقتضي ان أفضي اليك، رعاك الله، بأنه كان هناك غرض خاص من وراء الزيارة، بخلاف التوسع في التعرف الى هذه الشخصية الفذة، وقد طرقته خلال الجزء الأخير من اللقاء. أدهشني أن حبيبنا جمال أجابني الى طلبي، برغم التعقيد النسبي في طبيعته، في اقل من دقائق عشر. سألني ثلاث او أربعة اسئلة متتابعة، بدت عابرة ولكنها ثاقبة، دلتني على عمق خبرته وحدة ذكائه، ثم عرض علىّ بعض البدائل والخيارات فتداولناها. وأخيراً وفي هدوء شديد ونبرة واثقة قال: "خلاص انا موافق. مافي مشكلة. على بركة الله"، فابتهج قلبي وقرّت عيني.
توجهنا بعدها صوب الباب الخارجي، حيث سرنا على الاقدام نحو المسجد الجامع الذي أقامته حكومة قطر على بعد أمتار من الفندق. هناك كانت شعائر الجمعة وقد نودي لصلاتها. ثم فارقت صاحبي وتركته ليعود، في حفظ الله، الى حيث يرتب حقائبه استعداداً للعودة الى رحاب الوطن.
جمال الوالي رجل مُدهش حقاً. صدق من قال: (معرفة الرجال كنز).
(نواصل)
******
رابط الحلقتين الاولى والثانية:
http://sudanile.com/index.php?option=com_content&view=article&id=82697:1-2&catid=61&Itemid=55
*******************
نقلاً عن صحيفة (السوداني)