غرباً باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الجزء الأول
(1)
في موقع هوتيل دوت كوم وضعت في مؤشرات البحث عبارة (اقرب الفنادق لمحطة ووترلو بلندن)، وهكذا وجدت أمامي ثلاثة  فنادق لا بأس بها أبداً. اخترت إحداها، ثم دفعت ببيانات بطاقة الائتمان، وما أن أتتني وثيقة الحجز والتأكيد والايصال المالي حتى احلتها داخل حاسوبي الى ملف خاص فتحته بعنوان (لندن - مايو 2015). أما تذكرة السفر فقد طلبت من هيفاء ان تبحث لي عن افضلها سعراً، ثم تقوم بالحجز نيابة عني لمدة اسبوعين. تسألني من هي هيفاء؟ سبحان الله، مالك انت ومالها؟!
عموماً هيفاء تدير وكالة سفر وسياحة في سنترال أفينيو بمدينة منيابوليس. ومن خلال تجربتي وجدت أنه من الأفضل، بدلاً من البحث الطويل وراء بطاقات السفر الأزهد سعراً في مواقع الطيران بالشبكة الدولية، أن أعهد بالمهمة الى هيفاء. وبالفعل فقد أتت لي صاحبتي هذه ببطاقة سفر من منيابوليس الى لندن رأساً على شركة دلتا، فخر شركات الطيران الأمريكية،  بثمن يقل بأكثر من مائتي دولار عن الاسعار التي رأيتها في النت. وفي ذلك ما يعزز ويستصحب حكمة الشعب الخالدة (خلي العيش لخبازه، ولو ياكل نصّو).
(2)
بمناسبة حجز الفندق بالقرب من محطة القطار التي تحمل اسم ووترلو (تشبه تماماً محطة تشيرنغ كروس التي ورد ذكرها في "موسم الهجرة الى الشمال")، فإن الحجز والاقامة في المواقع الاستراتيجية في قلب عاصمة الانجليز فكرة غبية، الا اذا كنت من اصحاب الثروات. الاسعار خرافية وسخيفة، ومن المستحيل تماماً ان تعثر على سكن لائق بمقابل معقول في تلك المناطق.
في آخر مرة جئنا الى بريطانيا قبل سنوات، قمنا، الصحافي الاسلاموي عادل الباز وأنا، باستئجار منزل بأكمله في مدينة اوكسفورد، كلفنا أقل بكثير من ربع قيمة ايجارغرفة بفندق متوسط في وسط لندن. ودأبنا على الحضور الى لندن كل صباح، ثم نرجع مساءً على أمتنة حافلات فاخرة زهيدة التكلفة. والرحلة من اوكسفورد الى لندن لا تتجاوز ساعة واحدة. ولكنني عازم في المرة القادمة، لو بارك الله في الأعمار، أن أقوم باستئجار منزل في مدينة آسكوت التي اكتشفتها مؤخراً، على بعد 25 ميلاً غربي لندن، أي نصف ساعة فقط  بالقطار. وستنخفض قيمة التكلفة ربما الى الخمس.
(3)
كنت قد اعتزمت الطيران الى لندن لزيارة الدكتور تيسير محمد أحمد، الذي يستشفي هناك من علة طارئة ألمت به. وأملنا في الله وفير، وفرة نجوم السماء ورمال الصحراء، أنه سيخرج من محنة المرض متسربلاً رداء العافية في وقت قريب، أقرب من كل تصوّر. تيسير جزء أصيل من اسرتي الممتدة. هو ابن عمتي في الحسبة، كما يقولون. وبالتالي أنا ابن خاله. مش كدة؟
وكان حبيبنا ضياء الدين بلال قد ارتاب بعض الشئ عندما اخبرته انني في طريقي الى لندن للاطمئنان على البروف تيسير. كتب لي دون ان يرتجف له كيبورد، معبراً عن تشككه في غرض الزيارة: (أنت لست من النوع الذي يسافر من بلد الى بلد، او يعبر المحيطات لزيارة قريب مريض، خاصة اذا لم يكن قريباً من الدرجة الاولى).
والحقيقة أن ضياء لم يجاوز الحقيقة كثيراً. رصيدي وتاريخي في المجاملة وإبداء المشاعر ومؤازرة الأقرباء والاهل والناس عموماً في الأحوال التي تقتضي المؤازرة منيّل بستين نيلة. الى درجة أنه يخيّل لي أحياناً أنه وعند وفاتي فسيكون عدد المشيعين والمعزين قليلاً جداً. ربنا يكضب الشينة (لا أعنى الوفاة، فالموت حق، وهو راحة لنا من كل شر. وانما عنيت قلة عدد المشيعين والمعزين).
ولكن تيسير (غير) كما يقول الشوّام. من ذلك أن صلتي به شديدة التميَز، فهو صديق عزيز، كما أن له في عنقي أفضال كثيرة وأيادٍ بيضاء.
لا يبخس من ذلك كثيراً انه كاد ذات مرة ان يعصف بي، ويطيح برقبتي. وكنت ما أزال أعمل الى جانب الضابط المرعب آنذاك الطيب سيخة. إذ طلب مني تيسير في الأسابيع الاولى بعد انقلاب العصبة المنقذة، أن أؤمن له ترحيل الصحافي جوليان أوزين، مراسل الفاينانشيال تايمز الأمريكية، من هيلتون الخرطوم الى النادي النوبي ففعلت، حيث اجتمع به، هو والدكتور عمر عبود. وهناك شحنا الرجل شحناً بالمعلومات والآراء حول الوضع السياسي في البلاد غداة الانقلاب.
ثم قمت بنقل  أوزين إياباً الي الفندق. وهناك كان بانتظاره الأحباب من البصاصين والجلاوزة،  فداهموا غرفته، وأخذوه من فندق هيلتون الى فندقهم الخاص، واكرموا وفادته لشهر كامل بعد ان اتهموه بالتجسس. وانقلبت خلال ذلك الشهر دنياوات الفرنجة يطالبون بإطلاقه، ولكن الأحباب سدّوا أذنا بالطين، والاخرى بالعجين.
وظللنا، تيسير وأنا، أياماً مظلمة سوداء ننتظر زيارة أحبابنا من البصاصين والجلاوزة. ولكن الله طمس أبصارهم وأغشى عليها. جعلنا الله وإياهم ممن اتبع الذكر، وخشي الرحمن بالغيب فبشرهم بمغفرة وأجر كريم.
الجزء الثاني
********
(1)
حبيبنا الدكتور تيسير محمد احمد يستشفي في مدينة صغيرة إسمها باقشوت تقع على بعد خمس وثلاثون ميلاً غربي لندن، في منطقة ساري على مقربة من هيثرو حيث المطار الشهير. وقد وطنت أمري على السفر الى هناك كل صباح، ثم اعود الى لندن للاندياح في مهام اخرى.
قبل أن أنسى دعني أفيدك بمعلومة على درجة من الأهمية بشأن هذه المدينة الصغيرة، ما كنت لأدري عنها شيئاً لولا ان لفت نظري ونبهني اليها قريبي، نزيل مدينة ريدينغ، الاستاذ التجاني مرسي.  هل شاهدت او سمعت، أعزك الله، عن تمثال غردون الشهير الذي كان يقبع في شارع النيل قبالة وزارة المالية؟ أنا شخصياً لم أشاهده. وكيف اشاهده وقد نقله أهله الانجليز من السودان الى انجلترا عام 1959 وكنت وقتها رضيعاً بين يدي امي؟
التمثال قام بتصميمه ونحته على مدى سنتين الفنان الانجليزي ادوارد اونسلو، وتكفل بنفقاته قراء صحيفة "مورننق بوست" البريطانية عام 1890م. وأعادته حكومة الفريق عبود الى بريطانيا في العام 1959 كما ذكرنا.
هذا التمثال يقف منتصباً الآن في حديقة مدرسة غوردون في ذات مدينة باقشوت، على مسافة أربعة دقائق من المنتجع الذي يستشفي فيه حبيبنا تيسير. وقد قمت بزيارته، وسعدت برؤيته، والتأمل في مشهد غردون المهيب وهو على صهوة الجمل، ثم اعتذرت له عما فعله به أنصار مهدي الله في يناير 1885م، وذكّرته بأن الموت سبيل الأولين والآخرين.
(2)
هذا عن الجنرال غردون وتمثاله. أما صاحبي تيسير فقد وجدته في حال طيب، أطيب كثيراً مما تصورت في مبتدأ الأمر حين أتاني نبأ علته الطارئة. عانقته ثم ما انفككنا نبذل الساعات تلو الساعات في أحاديث لا تنتهي عن الماضي والحاضر والمستقبل.
في اليوم الأول التقيت معه شقيقته الدكتور ماجدة محمد أحمد على. ماجدة طبيبة عملت في مختلف أرجاء السودان، وسلخت سنوات عزيزة من عمرها تمارس الطبابة في مناطق جبال النوبة. ثم تدرجت في وظائف وزارة الصحة الاتحادية، حتي تقلدت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي موقعاً قيادياً في هيكلها التنفيذي. ولكن العصبة المنقذة رأت أنه من الأفضل ان تتفرغ الدكتورة لبناء منظمات المجتمع المدني، فضمّنت اسمها كشوفات الصالح العام الشهيرة عقب الانقلاب مباشرة.ً
والتقيت في ذات الصباح إبنتنا، المشعّة ذكاءً والممتلئة حيوية، أمل تيسير، الطالبة بالسنة النهائية بجامعة مونتريال بكندا. بعدها بقليل أطلت الدكتورة عزة ابراهيم أنيس، قرينة الدكتور تيسير، وكانت قد انصرفت لمهمة ما ذلك الصباح. عزة، إن لم تكن تعلم، استاذة للغة الفرنسية ودراسات الجندر في جامعة سانت ميري بمدينة هاليفاكس جنوب شرقي كندا.
 الدكتورة راوية كمال ابرهيم أحمد، ابنة الدكتورة ماجدة، تجدها هناك أيضاً وبانتظام في أيام معينة. راوية طبيبة، مجال تخصصها الأمراض الصدرية، تقيم في مدينة كيمبردج، وتعمل في مستشفي على بعد ساعة من مكان سكنها.
كلهم دكاترة ما شاء الله. حتي الزوار والضيوف، كما لاحظت لاحقاً، أغلبهم دكاترة. شعرت بشئ من الغبن والوحدة كوني الوحيد الذي ليس طبيبا ولا حاصلاً على درجة الدكتوراه. ولكن خفف عني  والحمد لله أنني حاصل على درجتي ماجستير. وكنت قد سمعت من قبل ان عُمرتين تعادلان حجة. ولو صدقت تلك الفتوى فربما جاز لي ان أضيف حرف الدال الى اسمي أنا ايضاً، باعتبار ان ماجستيرين يعادلان دكتوراه.
(3)
من زوار ذلك اليوم التقيت الدكتورة كاري بورينسغارد، السفيرة بوزارة الخارجية السويدية.  كاري جاءت من ستوكهولم رأساً لزيارة تيسير، ثم عادت الى بلدها صبيحة اليوم التالي. بل انها حضرت، تجرجر حقيبتها، من مطار هيثرو الى المنتجع العلاجي مباشرة. عندما انصرف عنها تيسير لبعض أمره حادثتني السفيرة، فعلمت منها انها عملت في وظائف دبلوماسية في عدد من الدول الافريقية من بينها اريتريا. كما تحدثت لي عن مركز بناء السلام بالقرن الافريقي الذي يديره تيسير بأسمرا.
أبدت لي السفيرة إعجابها الشديد بالدكتور تيسير، وحدثتني عن إدارته الفاعلة والراشدة للمركز بتمويل محدود من دول قليلة من بينها السويد. ثم فتحت السفيرة ألبوم صور أحضرته معها، وشرعت تطلعني على صور فوتوغرافية تظهر فيها هي وتيسير معاً في جنوب افريقيا وكينيا واريتريا.
بصوت خفيض قلت لها أنه ربما كان من الأفضل ان تلملم تصاويرها وتعيد ألبومها الى حقيبتها. سألتني السفيرة مستغربة: لماذا؟ قلت: لأن تيسير "عيان ومش ناقص بلاوي". وذكرت لها بصوت اكثر انخفاضاً ان الدكتورة التي تجلس في المقعد المقابل لها، هي زوجته، ولو أن عينيها وقعتا على تلك الصور فقد تشهد العلاقات السودانية السويدية اضطراباً كبيراً.
بيد أن السفيرة ركبت رأسها وأشركت الجميع في مشاهدة ألبومها. ولكن الله سلم، ولم تر قرينة تيسير ولا شقيقته بأساً كبيراً في تلك التصاوير!
(نواصل)     

نقلاً عن صحيفة (السوداني)