عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
غربا باتجاه الشرق

 الحلقة الرابعة:وقفت متأملاً أمام عدد من الفقرات التي عمدت الى توثيق واقع وتطور الصحافة السودانية في السنوات التالية مباشرة لقيام انقلاب العصبة المنقذة في يونيو 1989، كما وردت في كتاب حبيبنا الدكتور عبد المطلب صديق (الصحافة السودانية: صراع السلطة والمهنة). حيث وجدت قدراً لا بأس به من الإضاءت الكاشفة والتفسيرات لبعض الوقائع والتطورات التي عرفها ذلك العهد.
على سبيل المثال يبين الفصل الثالث الخلفيات والكيفيات التي تم على على أساسها وبموجبها اختيار الكادرات الصحافية التي قامت باصدار الصحيفتين الرسميتين للعصبة المنقذة عقب الانقلاب وما تلاه من حظر للصحف المستقلة. عن اختيار الصحافيين نقرأ: (وانقسمت اسرة تحريرة صحيفة "الانقاذ الوطني" الى مجموعتين. تنتمي الاولى الى تيار الشيخ "الترابي" وهي التي تمتلك دفة السلطة وصناعة القرار. وهم الاسلاميين الخلّص غير المشكوك فيهم. ومن بين هؤلاء ......). ويعدد صاحبنا الأسماء. ثم يضيف: (وتضم المجموعة الثانية رتلاً من المهنيين الذين جاءوا محمولين بسلاح التخصص الاكاديمي والخبرة والمهنية العالية).
ويكشف لنا الدكتور عبد المطلب أنه بينما استجاب البعض من الفريق الثاني لدعوة الحكومة لهم للالتحاق بصحافة النظام، ونحن نعرفهم بأسمائهم اليوم بطبيعة الحال، فإن هناك صحافيين مهنيين من ذات الصنف جرى الاتصال بهم ودعوتهم للالتحاق، ولكنهم ترددوا وامتنعوا بناءً على حسابات افضت الى احتمال سقوط النظام في وقت قصير. وقد سمى عبد المطلب بعض هؤلاء، وهالني ان وجدت متحكراً في رهطهم حبيبنا الصهر الرئاسي محمد لطيف. وأحسب ان تردد لطيف في الالتحاق بالركب عند بداياته، تحسباً لمآلات قصر عمر النظام،  يؤشر الى ان مقدراته كمحلل سياسي وقتذاك، ربما لم تكن بالمستوى المطلوب!
ولكنني قدّرت كثيراً أمانة الدكتور عبد المطلب واستقامته الخلقية، عندما اعترف بأنه هو نفسه  تردد في البداية وفكر في النكوص عن الالتحاق بصحيفة (الانقاذ الوطني) عند تأسيسها لقلق اصابه من احتمال انهيار النظام. ولكن الفضل في اقناعه بالمضى قدماً ومواصلة المسيرة يرجع الى صديقه الدكتور عثمان خيري، استاذ الاقتصاد بجامعة ميسوري الامريكية، الذي صب الكلمات التالية في أذن صاحبنا: (أحذرك من ان تصدق ما يقال عن سقوط نظام الانقاذ خلال ستة أشهر. صدقني هذه الثورة باقية وسوف تحصل على معاشك التقاعدي منها. لا مستقبل لليسار ولا للاحزاب التقليدية في هذا البلد. القوى التي ستزيح الانقاذ لم تولد بعد). وأنا لا اعرف عثمان خيري هذا سوى انه صديق للمؤلف. ولولا أنه جري تقديمه مسبوقاً بلقب الدكتور وصفة الاستاذ الجامعي لظننته (فكي) جامد!
ثم أنه عنّ لي ان انقل لك هذه الرواية عن الصحافي الكبير الاستاذ عبد الرحمن ابراهيم، الذي فهمت من السرد التوثيقي أنه فقد منصبه كمدير لتحرير (الانقاذ الوطني) صحيفة الانقلاب الاولى في ظروف مريبة. هاك المقتطف: (..عندما عصفت الأقدار بمدير التحرير عبد الرحمن ابراهيم بعد مقاله الشهير بعنوان "لولا أن تفندون"، الذي كتب فيه ان هناك حاكماً خليجياً يحكم شعبه بغير وضوء. فكان ان هدد سفير الدولة الخليجية وأنذر بأن بقاء عبد الرحمن ابراهيم في منصبه يعني اغلاق سفارة ذلك البلد في الخرطوم خلال اسبوع. وقبل مضي المهلة كان ود ابراهيم يبحث عن مهنة جديدة، وهو الذي كان يمني النفس وقتها بأن يصبح تحت ظلال الانقاذ سفيراً او وزيراً او حتى رئيس تحرير على الاقل)!
وقد تعجبت لتلك الحادثة العجب كله. ذلك أن حكومة العصبة المنقذة كانت تعيش وقتها عهد (أمريكا روسيا قد دنا عذابها)، ولم تكن تخشى بأس أحد. بل ان معلقها السياسي الأشهر عهدذاك، صاحب الحنجرة المميزة، الرائد (لواء لاحقاً) يونس محمود كان يشتم العاهل السعودي الملك فهد صباح مساء عبر اذاعة ام درمان ويصفه ب (الفهد المروض)، فلماذا استهابت السفير ودولته الخليجية ورضخت للتهديد؟!
ثم يا استاذنا عبد الرحمن ابراهيم، أطال الله عمرك ونفع بك، كيف عرفت ان ذلك الحاكم لا يتوضّا؟ ثم إيش دخلك انت أساساً، يحكم بوضوء او بغير وضوء؟!

الحلقة الخامسة:
وقفت وقفة مستحقة عند سيرة الراحل العزيز الاستاذ محمد طه محمد احمد وهي تتهادى بين فقرات كتاب الدكتور عبد المطلب صديق (الصحافة السودانية: صراع السلطة والمهنة)، وكانت وقفتي امام سيرته مشوبة بالحزن والحيرة. وربما كان من المناسب لأغراض هذه الحلقة ان أنقل نقلاً حرفياً بعض ما ورد في موارد التوثيق التي حملت اسمه. من ذلك: (انتقل الشهيد محمد طه من كاتب سياسي الى صحافي ملتزم، وكانت قدرات محمد طه تؤهله لقيادة المؤسسة الوليدة، ولكن درايته بمهارات الصحافة لم تمكنه من المنافسة مع شباب الصحافيين). ثم: (.. وانتهى الصراع السياسي العنيف الذي نشب في كابينة القيادة بين محي الدين تيتاوي ومحمد طه.. وحمل رجال الأمن محمد طه الى خارج دار الإعلام بغير رجعة، وهو الذي صنع من النجاحات ما ندر تحقيقه في ذلك الزمان).
لا أعرف ان كان المغفور له محمد طه محمد أحمد قد ظلم نفسه، ام ان قومه هم الذين ظلموه. ارتبط الراحل بالحركة الاسلامية وكان من أقمارها الساطعة، لا سيما في سوح التعليم العالي والصحافة. ولكن الرجل كان متمرداً بالأصالة، كثير النقد لما حوله ومن حوله، ثم انه كان شديد الاعتداد بنفسه.  في مرحلة دراسته بجامعة الخرطوم قرر التنظيم، وقرار التنظيم لا يُعلى عليه ولا يخضع للنقاش، في إطار مسعى مدروس لتزيين صورة الحركة الاسلامية في أعين الشباب، وتأكيد اهتمامها بدور المرأة، قرر ترشيح طالبة في انتخابات رابطة طلاب كلية القانون. ولكن محمد طه اعترض على القرار، بل ولم يأبه له، فرشح نفسه في مواجهة الطالبة التي انتدبتها حركته ورشحتها للموقع!
وبرغم ان الثقافة كانت على رأس اهتماماته الأكثر أصالة وميدانه الأول، إلا ان صلته بالسكرتارية الثقافية لحركته الاسلامية، ولاتحاد طلاب الجامعة، ظلت دوماً في أسوأ حالاتها. وكان على سدة النشاط الثقافي آنذاك  طلاب من سنخ (دكتور الوثبات) سيد الخطيب، و(الدكتور المتمرد) جبريل ابراهيم، وحبيبنا، نزيل واشنطن، سيف الدين عمر. وقد غضب طه ذات مرة عند اول التحاقه بالجامعة غضبةً مضرية على رفقائه الذين تولوا الاشراف على مجلة (الجامعة) التي كانت يصدرها اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، لتلكؤهم في نشر مادة تخصه، فشن حرباً شعواء على تلك المجلة، ووصفها ووصف المشرفين عليها من رفقائه الاسلامويين بالجهل، وأنهم أقل قيمة وأقصر قامة من ان تكون اعماله محلاً لتقويمهم. وكان رده عند ذلك الموقف المستهتر بالمؤسسية التنظيمية أن قرر اصدار صحيفة خاصه به حملت اسم (أشواك)، وظل يصدرها بصبر ومثابرة حتى تخرجه.
ولم تكن تجربة التحاق طه بصحيفة (الراية)، الناطقة بلسان الجبهة الاسلامية القومية، عقب انتفاضة رجب-أبريل عام 1985 وعمله ضمن طاقمها بأقل توتراً وضجيجاً. بل ان معاركه بين جدرانها بلغت مبالغ العراك الجسدي والضرب بالأيدي. وقد كلفت قيادة الجبهة الاسلامية ذات مرة المغفور له الاستاذ أحمد سليمان عضو مكتبها السياسي، بالتحقيق في أمر نزاع بين الكادرات الصحفية العاملة في تلك الصحيفة، كان الراحل طرفاً أساسياً فيه. وقد خلص التحقيق الى نتائج لم تكن في صالح طه، وإن كان الاستاذ احمد سليمان قد عمد لاحقاً الى رد اعتباره من خلال تدابير رضائية.
ولكن الغبن والخذلان الأكبر لحق بالراحل من جراء تقاعس الشيخ الترابي عن نجدته عندما استنصره بغير طائل في معاركه الصحافية أوائل عهد الانقاذ. وقد بلغت به المرارة والحنق كل مبلغ عندما أتته الأخبار ان الشيخ يصفه في مجالسه الخاصة بالخبال واختلال العقل.
كانت للرجل، بغير شك، موجدة على قومه وحزبه، وأى موجدة. ولم يكن محمد طه ممن يخفون في انفسهم ما الله مبديه. وقد صرح لي ذات مرة في صدر التسعينيات، أنه كان يطمح الى ان يلقى اسمه ضمن مرشحي الجبهة الاسلامية القومية في دوائر الخريجين في انتخابات 1986، لولا النفوس وأهواؤها. وهو طموح انظر بعيني الى الماضي وأجده في كمال المشروعية، فقد بذل طه في نصرة حركته الاسلامية واعلاء راياتها في دوائر الخريجين، حتى اصبح اسمه علماً على رأسه نار، ما لم يبذله غيره.
رحم الله محمد طه محمد أحمد. أثقل على نفسه، وأثقل عليه قومه. وكأن ذلك لم يكن كافياً، فأتى الدكتور عبد المطلب صديق ليزيد من أثقال الحديد على صدر الشهيد، وعلى صدور أصدقائه وأحبابه.

الحلقة السادسة:
حبيبنا الصهر الرئاسي الاستاذ محمد لطيف غاضبٌ مني. بل أنه أصبح يتشكك في صداقتي له، إذ كتب في زاويته الراتبة بصحيفة "اليوم التالي": (ولم أجد مصطفى راعياً لهذه الصداقة أو حافظاً لحقها). ثم توسع هذ الحبيب في الشكوك والظنون فأثار بعض الغبار حول مهنيتي، وكتب في شأني: (إن من أبسط قواعد المهنية ان يستوثق من يكتب مما يكتب)!
وبقدر ما رأيت من أعاجيب خلال مسيرتي ككاتب صحافي فإنني لم أر أعجوبة كمنطق حبيبنا محمد لطيف هذا، وهو يبدي ضيقه من بعض ما ورد عن سيرته في كتاب "الصحافة السودانية: صراع السلطة والمهنة" للدكتور عبد المطلب الصديق. وما أنا في حقيقة الأمر إلا عارض، استعرض كتاباً، فأتناول بعض فقراته بالعرض، مشفوعاً بالرأى والملاحظة. ولو اتفق ان بعض ما ورد في الكتاب مما استعان به العارض يفتقر الى الدقة، فإن ذلك لا يشكل قدحاً في مهنيته. ولا يجوز عدلاً ولا عقلاً أن يوجّه اليه اللوم مصحوباً بالتقريع العلني بأن (يستوثق مما يكتب)، على نحو ما فعل حبيبنا، غفر الله له ولنا!
وقد جعل صاحبي هذا عنواناً لمقالته: (بين مطرقة البطل وسندان الصدّيق)، وفي ظني أنه كان حرياً به ان يكتب: (بين مطرقة الصدّيق وسندان الصدّيق)، إذ ليس لي في الأمر مطرقة ولا جمل، فالمطرقة مطرقة الدكتور عبد المطلب الصديق، والسندان سندانه.
ثم أن الصهر الرئاسي لا يقدم بين يدي غضبته هذه حقائق موثقة بأحبالها، يطعن بها على معلومات منفلتة من عقالها. وإنما هي رواية في مواجهة رواية، لا أكثر ولا أقل. الرواية الاولى كما أوردها الكتاب هي أن حبيبنا لطيف كان من بين الصحافيين المهنيين الذي توجهت اليهم العصبة المنقذة بالنداء عقب انقلابها عام 1989 للمساهمة في تأسيس صحافتها الموجهة، وأن لطيف كان، ضمن آخرين، آثروا الاعتذار والابتعاد، ظناً منهم أن النظام الذي انتجه الانقلاب ضعيف ومتهالك، وأنه قابل للسقوط في أية لحظة. فأما رواية لطيف المقابلة فهي أنه آثر الابتعاد لشأن يخصه، وأنه فضل العمل بالقطاع المصرفي في وظيفة أوجدها له السيد/ كمال ابراهيم أحمد رئيس مجلس ادارة البنك السوداني الفرنسي آنذاك، بناء على توصية الدكتور تيسير محمد أحمد.
والروايتان عرضة للتقويم بين يدي (المؤرخ) المنصف. وأنا أقيّم رواية لطيف بثمانية دولارات ونصف، واقيّم الرواية الاخرى التي اوردها الدكتور عبد المطلب الصديق بخمسين دولاراً.
ثم أنني أدعو صاحبي لطيف الى ان يهدأ بالاً، ويستهدي بالله، ويتقبل الواقع بصدر رحب، فلا جناح عليه ان ركبته تهمة ضعف الرؤية وفقر التحليل. فكلنا ذلك الرجل. وأنا أقر هنا وأعترف بأنني أيضاً كنت على قناعة صلدة في ذلك الزمان بأن نظام الإنقاذ لن يصمد في الحكم أكثر من ستة أشهر. بل أن الوفاً مؤلفة من المراقبين السياسيين، السودانيين والأجانب، ظلت تعتنق ذلك الرأى ردحاً طويلاً من الزمان، حتى اهلكتهم الانقاذ مراقباً إثر مراقب، وبقيت هي في مكانها مثل بوابة عبد القيوم.
بيد أن الذي أزعجني حقاً في مقال الصهر الرئاسي هو زعمه بأنني لا أرعى حقوق صداقته. والله يعلم أنني أرعاها حق الرعاية، وأنني أحب صاحبي محمداً اللطيف وأحمله في حدقات عيوني. وآية ذلك  أنني اطلعته مؤخراً من خلال مراسلات خاصة بيننا على خطتي، أنا وبعض الأحباب من الصحافيين في الداخل والخارج، لشراء مساكن في مدينة نصر بالقاهرة. ثم دعوته لتقفى خطانا والالتحاق بنا.
ولم يكن ذلك ألا لسببين اثنين: الأول انني اريده جاراً لي أهنأ بجواره واستمتع ب(تحليلاته)، الاستراتيجية منها والخزعبلية. أما السبب الثاني، فهو أن أوفر له ملاذاً آمناً يثوب اليه في حال سقوط النظام!
(نواصل)
نقلاً عن صحيفة (السوداني)