غربا باتجاه الشرق
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تصادف ان وقعت في وقت واحد على مقالين مهمين. الاول للدكتور محمد جلال هاشم بعنوان (داعش وأبناء وبنات السودانيين بالمهاجر)، قرأته فكاد قلبي ان ينخلع من مكانه، حيث جاء ضمن مقدمته: (لقد دخل السودانيون جحيم الهجرة إلى دول الغرب وهم غير مجهّزين البتّة لمواجهة ما ينتظرهم).  ثم بعد شئ من التوصيف والتحليل كتب: (وهكذا بُذرت البذور الأولى لمجتمع مأزوم ومنفصم تتجاذبه رياحٌ عاتيات).
ولم يعجبني بطبيعة الحال أن قريبي (جلجل) جمع علينا نحن معشر اللائذين بدول الغرب، المأزومية والانفصام في بقجة واحدة. ثم ألقى بنا (عكس الهواء) لتعصف بنا ريحٌ صرصر عاتية!
أما المقال الثاني فهو لحبيبنا الدكتور محمد احمد محمود، مدير مركز الدراسات النقدية للأديان، بعنوان: (نحو مدارس علمانية: التحدي الملحّ الذي يواجه المهاجرين في الغرب).
حذرنا الدكتور محمد محمود وأنذرنا بأن الوضع العام للجاليات السودانية (والعربية والمسلمة إجمالاً)، في الدول الغربية بلغ من الحرج مبلغا عظيما، خاصة في ظل صعود دولة الخلافة في العراق وسوريا، وما ثبت من قدرتها على استقطاب بعض الشباب السوداني المعبأ بالأفكار والمشاعر الجهادية. ويري صاحبنا أن هذا الوضع ساعد في تهيئته واستفحاله المدارس الاسلامية التي يرسل اليها المهاجرون ابناءهم لتلقي بعض التعليم الديني.
وقد أسعدني كثيراً أن الدكتور محمد محمود أقلع هذه المرة عن دعاويه الشاطحة، فلم يدعُ مسلمي المهاجر الى أن يرموا المولود مع ماء الغسيل، فيرتاحون من هذا الغم الذي يكدر حيواتهم، في ظنه، والذي يحمل اسم الاسلام. بل سلك مسلكاً جديدا، فقصر مساهمته على تقديم النصح لنا بشأن تقويم أمر التعليم الديني للأبناء في الغرب.
ولم يقل الرجل في دعوته للمراجعة والاصلاح إلا الحقيقة.  فالواقع ان اغلب المناشط التعليمية التي تعرف وسط مهاجرة الغرب باسم (مدارس السبت)، حيث يرسل المهاجرون المسلمون أبناءهم في عطلة نهاية الاسبوع اليها لتلقى قدر من التعليم الديني يفترض فيه أن يعرّفهم بعقيدتهم ويربطهم بثقافتهم الأصل، لا تقدم تعليما مفيدا، بقدر ما تزعزع عقول اطفال زغب الحواصل، وتغرس في قلوبهم كراهية الآخر.
غالبية هذه المدارس يقوم بواجب التدريس فيها متطوعون مجتهدون، ربما عرف الناس عنهم الورع وحسن السيرة، فأتمنوهم على تلك الثغرة، أعني مهمة وصل الابناء بقيم السماء. ولكن الورع شئ والعلم شئ آخر.
أنظر، أعزك الله، وتأمل هذا المثال انتزعه لك من مقال محمود: (حكى لي صديق سوداني مقيم في بريطانيا كيف أنه سمح لابنته الصغيرة أن تذهب لدروس مدرسة عربية إسلامية في حيّه. وجاءته ابنته بعدها بأيام وسألته: "هل صحيح أن غير المسلمين سيذهبون للنار؟" وارتاع الأب وسألها: "من قال لك ذلك؟" فأجابت: "معلمنا في مدرسة العربي." وقرّر على الفور سحبها من المدرسة).
السؤال: هل ارتاع الرجل يا ترى وسحب ابنته من المدرسة لإعتقاده بأن ما ذكره المدرس خطأ، لا سند له في الاسلام؟ والامر هنا بالتالي أمر دين. أم لأنه خاف عليها من قسوة التناقض المفهومي والصعوبة العملية في ممارسة الحياة بين ظهراني الفرنجة والحال كهذا، وتلك منهجية براغماتية محضة؟ أيجوز أن الرجل لم يقرأ في القرآن: (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين)؟  
الحقيقة أن كل الفقه الموجود في عالمنا اليوم شيّد بنيانه على قاعدة الغلبة. وتم تدوينه عن بكرة أبيه في أحوال كان المسلمون عندها هم اهل الدولة والصولة، يتصدرون القافلة، وما عداهم أقليات وجيوب محدودة في ذيل الرِكاب.
هذا النوع من الفقه قد لا يصلح جله للاحتكام اليه في بلدان يكون المسلمون فيها هم الأقلية. ولبّ الأزمة الفقهية التي تواجه المهاجرين هنا يعكسها سؤال بسيط هو: كيف تكون ضيفاً على شعب آخر، وتتبع فقهاً يرفعك أنت، ويخفض مضيفيك، ويضطرهم الى أضيق الطريق؟
ليس صحيحاً إذن ان الأزمة الماثلة هي أزمة الأجيال الجديدة. بل هي أزمة المهاجرين أجمعين، شيباً وشباباً. النساء والرجال، قبل الصبايا والأطفال!
وليس هناك من مخرج يحسم هذه المعضلة سوي حل واحد وهو، إكمال وإنفاذ (فقه الأقلية). والحديث هنا عن الحاجة الى اجتهادات عصرية تفتح مشارعاً جديدة للأقليات المسلمة المهاجرة بدينها من (دار السلم) الى (دار الحرب)!
والعافية لا تتيسر بدواء مرتجل. لا بد من تجديد شامل وحاسم، يقدم لمسلمي المهاجر الغربية فقهاً ثورياً يحمل روح الاسلام ويهمل قشوره، ويعالج الاشكاليات الدينية التي يواجهها هؤلاء في حياتهم اليومية كأقليات. فيتيح لجمهرة المهاجرين ان تحيا باسلامها حياة ميسرة، بلا حرج في الدين، ولا رهق في الدنيا.
نريد فقهاً يحقق الانفتاح الايجابي، يُمكن من التواصل مع المجتمعات الغربية، والاندماج بها، والتأثير فيها بالسلوك والعطاء، على نهج من التسامح وسعة الافق والتحرر من التعصب، واستيعاب حقائق الاشياء.
أنا شخصياً تعبت من فقه: "لا يجوز تهنئة جارك الأمريكي بأعياده، وإذا صادفته صباح الكريسماس طنّشو"!
نقلاً عن صحيفة (السوداني)