غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

صوت الشعب السويسرى بأغلبية سبعة وخمسون فى المائة فى الاستفتاء الذى اجرى يوم التاسع والعشرين من نوفمبر مؤيدا المبادرة المقدمة من حزب الشعب اليمينى المتطرف الذى يقوده كريستوف بلوشير، والتى تقضى باضافة بند الى الدستور السويسرى يحظر بناء المآذن فى البلاد. وأود فى المبتدأ – وانا اكتب هذه المادة بعد سويعات من اعلان وسائط الانباء العالمية للخبر - ان اتقدم  بأحر التهانئ واخلصها للاعداد الغفيرة من المتعطلين والمتبطلين من اصحاب دكاكين "الدفاع عن حقوق المسلمين" فى اوربا والولايات المتحدة، اذ ان هذا التطور الدرامى للاحداث فى دولة الاتحاد السويسرى سيفتح امامهم بلا ريب ابوابا واسعة لممارسة تخصصاتهم النادرة فى مجالات الردح والزعيق والصهيل لفترة طويلة باذن الله. وربما كان من المناسب - وقبل ان يشرع هؤلاء فى دق الطبول ونفخ المزامير – ان اوافى القراء داخل الوطن وخارجه ببعض النقاط الموجزة التى قد تلقى ببعض الضوء على جوانب هامة من الموضوع المطروح.

١/ القرار السويسرى بحظر المآذن لا يعنى حظر بناء المساجد كما قد يتبادر لبعض الاذهان. اذ ان القرار يتعلق تحديدا وتخصيصا ببناء مآذن عالية فوق المساجد، ولكن بناء المساجد فى كل اوربا تكفله الدساتير والقوانين، ٢/  رغم ان مقترح تضمين البند المشار اليه فى الدستور قد فاز باغلبية اربعة وخمسين بالمائة فإن القوى السياسية الرئيسية فى سويسرا عارضته معارضة حاسمة وقطعية. بل ان الحكومة السويسرية نفسها استنكرته وحثت الشعب على اسقاطه، يساندها فى ذلك ائتلاف عريض يضم غالبية الاحزاب من اليمين والوسط واليسار، وذلك على اساس ان مبادرة حظر المآذن تتناقض مع مبدأ الحرية الدينية وحقوق الانسان، ٣/  اصدر البابا بنيديكت السادس عشر بياناً اذاعه بالنيابة عنه الناطق الرسمى باسم الفاتيكان مساء الاتنين الثلاثين من نوفمبر اعلن فيه أسفه الشديد ورفض الفاتيكان الكامل لنتيجة الاستفتاء السويسرى، ٤/ اعربت رابطة الاساقفة السويسريين فى بيان مشابه عن حزنها واعلنت انها تعتبر نتيجة الاستفتاء ضربة قاسية لمبدأ حرية المعتقد فى اوربا.

من هى الجهة المتبنية للمبادرة اذن؟ الاجابة هى ان مبادرة اضافة مادة للدستور تحظر بناء المساجد تولى كبرها حزب، كان حتى سنوات قريبة كياناً هامشيا لا يؤبه له، اسمه كما سبقت الاشارة حزب الشعب السويسرى وهو حزب يمينى متطرف. هل قلت ان هذا الحزب هو صاحب المبادرة؟ اذن فقد اخطأت التعبير. صاحب المبادرة الحقيقى فى تقديرى هم جماعة من مسلمى سويسرا ارادت ان تبنى مسجدا بمئذنة عالية فى حى فانغن قرب مدينة اولتنغى. عظيم. كيف تسببت هذه الجماعة فى خلق هذا الواقع الجديد المؤسف الذى الحق بقضية الاسلام والمسلمين فى الغرب اضرارا يعجز عنها الوصف؟ الذى حدث هو ان الجماعة تقدمت بطلبها الى السلطات المحلية، وعلى الفور اصدرت تلك السلطات المختصة قرارا بالموافقة على بناء المسجد، ولكنها اشارت فى خطابها الذى بعثت به للجماعة الى ان الكود (يقصد بلفظة "كود" المواصفات المحلية المنصوص عليها فى لائحة المبانى الخاصة بكل منطقة من المناطق) المطبق فى تلك المنطقة بالذات وهى منطقة صناعية  تمنع تشييد مبانى عالية وان ذلك ينسحب على جميع  المناطق الصناعية فى الولاية، وبالتالى يمكن للجماعة ان تبنى المسجد ولكن بدون مئذنة عالية. وكان من الممكن للجماعة – المحدودة العدد - لو انها آثرت الالتزام بمقتضيات الكود المحلى ان تبنى مسجدها وتؤدى فيه صلواتها وتكفى نفسها وتكفى سويسرا واوربا باسرها مؤونة التطورات اللاحقة. لا سيما وان سويسرا تضم اعدادا كبيرة من المساجد واغلبها لا يشتمل على مآذن عالية، كما ان المآذن العالية ليست على اية حال ركنا من اركان الاسلام ولا شرطا من شروط صحة الصلوات. ولكن هذا النوع من السلوك والتفكير لا يجوز فى شرعة بعض المسلمين. فلنركب رأسنا اذن، طالما ان الكود الخاص بالمناطق الصناعية يمنع بناء مآذن عالية، ولنصر اصراراً على  بناء مئذنة تعانق الجوزاء، ولنقلب عاليها سافلها حتى يكون لنا ما نريد! وقد انقلب عاليها سافلها فعلا. ولكن  على رؤوس المسلمين فى تلك البقعة النائية وفى سويسرا كلها، ثم فى اوربا بأسرها!

فى مواجهة الموقف المتشدد من جماعة المسلمين فى الحى الصغير بقرب مدينة اولتنغى نهض حزب الشعب اليمينى المتطرف والتقط القفاز لينفخ فى النزاع المحدود ويتقدم بمشروع متكامل الى البرلمان أسسه على واقعة اصرار تلك الجماعة على بناء مآذن بالمخالفة للقوانين السويسرية، ثم توجه الى الرأى العام فى اطار حملة ذكية منظمة تحت شعار الخوف على القيم المسيحية من طغيان الاسلام السياسى الراديكالى.  ووظف فى اتونها كل اسلحة التخويف من بعض ممارسات المسلمين وقدم لها تفسيرات مثيرة للذعر، ومن ضمن ما وظف الحزب المتطرف فى مسعاه لتوسيع دائرة الرعب من الخطر الذى يفترض ان المسلمون باتوا يشكلونه تصريحا كان رئيس الوزراء التركى رجب طيب اردوغان قد ادلى به عام ١٩٩٧ عندما كان رئيسا لبلدية استانبول، وقد جاء فى ذلك التصريح قوله: (ان الديمقراطية ليست سوى القطار الذى نركبه حتى نصل الى هدفنا. المساجد ثكناتنا، والمآذن حرابنا والقباب خوذاتنا والمؤمنون جيشنا). وكرت المسبحة، كرّة بعد كرّة. وانتهت الكُرة على حين غرة فى مرمى مسلمى سويسرا!

هذا كله لم يعد يهم الآن. الذى يهم هو الحصول على اجابات مقنعة على اسئلة باتت شديدة الالحاح من نوع: لماذ صوتت غالبية السويسريين مع مبادرة حزب يمينى متطرف مشمول بالشذوذ الفكرى والخروج عن القيم السامية التى ارتضتها اوربا عنوانا لحضارتها؟! وقبل ذلك، لماذ انتقلت الاحزاب اليمينية المتطرفة المعادية للمسلمين فى اروبا اجمالا، من الاطراف والهوامش حيث كان اغلبها يربض قبيل سنوات معدودات، وتقدمت بخطى حثيثة الى قلب المسرح السياسى بحيث اصبحت تشارك فى التحالفات الحاكمة وتلعب ادوارا مفصلية فى ممارسة السلطة الفعلية وصناعة القرار؟ لماذا تبدلت مفاهيم رجل الشارع فى اوربا – نوعا ما - وشهدت مواقفه السياسية تغييرات جذرية فى بعض الاحيان تجاه المسلمين والاجانب عموما، من الحماية والترحيب والسعى الحثيث الى الاستيعاب فى منظومة المجتمعات الاوربية الى التشكك والارتياب والرفض والعداء؟! لماذا تنامت العنصرية والاسلاموفوبيا وتزايد التشويش والخلط فى اوربا بين الاسلام كدين وحضارة بين سلوك وممارسات المتطرفين والدجاجلة والمتنطعين من المنتسبين الى الاسلام؟!

ليس من اغراض يومى التعرض لهذه الاسئلة باجتهادات كلية او جزئية. غير ان ذلك لا يمنعنى من المجاهرة بأعتقادى ان الوصول الى اجابات حقيقية وأمينة تتطلب فى المقام الاول قدرا عظيما من الشجاعة والامانة والتحلى بروح الموضوعية فى مواجهة كثير من الترهات التى دأب على طرحها كمسلمات بعض من يسوّقون انفسهم باعتبارهم اهل الذكر ورجال الفتيا فى هذا الامر. وقبل ان يشرع الذين تتوافر فيهم الشروط اللازمة فى النهوض بمهمة البحث عن الاجابات، قد يكون من المناسب ان ندعو العدد الوفير الذى يكاد يسد عين الشمس من المتصدرين والمتصدين للمنافحة عن الاسلام فى اوربا الى وقفة مع النفس نقلع فيها عن المناهج والسلوكيات المكرورة والمستعادة التى تفضى دوما الى تأجيح الصراع وتسعيره ومفاقمة مشاعر الكراهية والتنفير واثارة الخوف من الاسلام والمسلمين فى الدول التى " لجأ" اليها هؤلاء المسلمون طواعية وبمحض اختيارهم، دون ان يوجه اليهم اهلوها رقاع الدعوات ودون ان يقسرهم احد على المجئ اليها.

وليذكر هؤلاء الذين جعلوا صناعتهم الدفاع عن الاسلام فى الدول المتقدمة ثم ركبوا مراكب الشطط بحيث ارادوا ان يفرضوا على هذه الدول ان تغير قوانينها ولوائحها لخدمة اغراض ليست من اصول الاسلام فى شئ كتشييد المآذن، ان يذكروا ان من بين اكبر الدول الاسلامية دولة تحمل عاصمتها لقب (مدينة الألف مئذنة) ومع ذلك فقد عجزت برغم مآذنها الألف عن ان تطعم اهلها من جوع وتؤمنهم من خوف فاصبح الملايين من رجالها ونسائها لاجئين يتكففون دول الغرب. ثم ليذكر هؤلاء قبل ان يصدعوا رؤوسنا بمحفوظاتهم عن حقوق المسلمين فى اوربا ان هناك دولا اسلامية تحظر على المسيحيين بناء الكنائس على اراضيها جملةً واحدة! بل ان هناك دولة اسلامية تسكنها اقلية مسيحية معتبرة، تمثل فى واقع الامر السكان الاصليين لذلك البلد، ومع ذلك فانه لا يسمح لهم ببناء الكنائس للعبادة الا بتصديق من رئيس الدولة شخصياً، وان التشريع الذى يرعى حقوق المسيحيين فى تلك الدولة هو نفسه التشريع الذى وضعه السلطان عبد الحميد العثمانى فى القرن التاسع عشر ويطلق عليه "الخط الهمايونى"، وبمقتضى ذلك التشريع لا يسمح للمسيحيين ببناء دور جديدة للعبادة، بل يسمح لهم فقط باعادة بناء الدور التى تتهدم او التى تحتاج الى ترميم.

نعم ان على اوربا وكل دول الغرب ان تسمح للمسلمين بممارسة كل الحقوق التى تكفلها الدساتير. غير اننى لا اعرف من المنصفين من ينكر ان دول الغرب كلها تمنح المسلمين حقاً وفعلاً حقوقاً تفوق فى بعض الاحيان، بما لا يقاس، الحقوق التى تكفلها لمواطنيها بلدانهم الاصلية. ولكن كان لابد للفساد والعطب من ان يدب فى النسيج الاسلامى عندما فشل هؤلاء فى ان يفرقوا بين ما هو معقول ما هو غير معقول. ومن غير المعقول ان يتحول نصف المسلمين فى دول الغرب الى ( نشطاء حقوق )، لا هم لهم غير افتعال المشكلات والانفعال بها.

رحم الله الداعية المصرى الامريكى العظيم الدكتور حسان حتحوت القائل: (بعض المسلمين عندما يأتون الى امريكا تتلبسهم حالة غريبة، يكاد الواحد منهم وهو يمشى فى الشارع ان يوقف الامريكى ويقول له بدون سبب او مناسبة: انت واخد بالك؟ انا مسلم. لو مش واخد بالك خد بالك ان انا مسلم)!

نساء مصر

بين يدى كتاب أنيق صدر هذا الشهر حررته صديقتنا الدكتورة أمانى الطويل بعنوان (حالة المرأة

فى مصر: دراسة فى مستويات التمثيل بالمناصب القيادية). والدكتورة أمانى خبيرة  فى مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ومستشارة  لهيئة الاذاعة البريطانيه، وقد شرفتنا فى الولايات المتحدة مؤخرا أستاذةً زائرة بجامعة جورج واشنطن ذات الصيت والمكانة المرموقة بين جامعات الغرب، حيث تقوم فى ذات الوقت بانجاز بحث عن دور منظمات المجتمع المدنى فى أزمة دارفور. وكثير من السودانيين يعرفون هذه الباحثة الاكاديمية المصرية اللامعة من  خلال تحليلاتها المعمقة ودراساتها التخصصية فى صحيفة "الاهرام" القاهرية، وكتاباتها الناضجة فى الشئون السودانية التى تنشرها صحيفة "الاخبار" التي تصدر في الخرطوم.

كتبت أمانى فى النسخة التى أهدتني إياها:(اعزازا وتقديرا وأملا ان تكون فى زمرة من يجدون ان التنمية بلا نساء هى كمن يقف على ساقٍ واحدة)، وقد رددت على كلماتها فى محادثة هاتفية جرت بيننا لاحقا اذ قلت: (أنا بالتأكيد من المؤمنين الصادقين بدور المرأة فى التنمية والبناء الوطنى، ولعلك لا تعلمين ان خطى المرأة السودانية قد تقدمت على رصيفتها المصرية فى حقول العمل العام مجتمعة، وفاقتها فى مستويات التمثيل بالمناصب القيادية. وقد بلغ من رفعة شأن المرأة وارتفاع قدرها فى السودان ان دورها لم يعد يقتصر على الاضطلاع بالوظائف العامة والمجتمعية المتعارف عليها، بل تطور تطورا درامياً بحيث أصبحت المرأة عندنا تشارك وتلعب أدوارا محورية فى صناعة الانقلابات العسكرية وصياغة الانظمة السياسية، كما أبانت مؤخراً السيدة بدرية سليمان عباس، الشهيرة ببدرية الانقلابية، التى ترأس حاليا لجنة التشريع فى البرلمان السودانى، وهو مرقى لا أظن ان المرأة المصرية قد ارتقته بعد)!

يقدم الكتاب دراسة لاوضاع المرأة المصرية فى مواقع القيادة سواء فى الجهاز الادارى للدولة او المؤسسات الاقتصادية فى القطاعين العام والخاص، او فى المنظمات السياسية ومنظمات المجتمع المدنى. ويتعرض لطبيعة التحديات التى تواجهها المرأة فى هذه الاطر، كما يتطرق الى المقاربات التنموية المؤدية الى تطوير اوضاع المرأة المصرية. ولكنه يكشف ويؤمن فى المبتدأ  على حقيقة محورية وهى ان البيئة المحيطة بالمرأة فى مصر اجمالا لم تشهد تطورا كبيرا خلال نصف القرن الماضى، بل وعلى العكس اعترتها عوامل ضعف ومعوقات عديدة وذلك على الرغم من ارتفاع تعليم المرأة وزيادة نصيب المرأة العاملة فى القطاع الرسمى. الى عشرين فى المائة من جملة القوة العاملة فى مصر.

وقد سرنى اننى بعد فراغى من الاطلاع على فصول الكتاب السبعة، توصلت الى حقيقة ادهشتنى بعض الشئ اذ وجدت ان الخطوات التى خطتها المرأة السودانية فى طريق التحرر والمشاركة الفاعلة فى بناء المجتمع والدولة كانت فى  بعض ميادينها اكثر تقدماً بالفعل من رفيقتها المصرية. وليس ادل على ذلك من انه بينما جلست القاضيات السودانيات على منصات العدالة ومارسن مهام القضاء الجالس واصدار الاحكام منذ عهد بعيد، فان المرأة فى مصر ما زالت تحبو فى بداية طريق المشاركة فى القطاع العدلى، محرومةً من وظائف القضاء اذ لم يتحقق لها حتى الآن الاندراج العضوى فى السلطة القضائية شأن القاضيات السودانيات، وذلك باستثناء حالة واحدة هى حالة السيدة تهانى الجبالى التى تم تعيينها كأول قاضية فى مصر عام ٢٠٠٣، وان كان قد بدا للكثير من المراقبين ان تعيينها جاء بصفة رمزية بحتة وفى مسعى خجول لدرء الحرج والتوافق مع الضغوط داخلية وخارجية واسعة. وفى حكم شهير اصدرته المحكمة الادارية العليا فى مصر عام ١٩٧٩ وقضت فيه برفض دعوى كانت قد رفعتها سيدة مطالبة بتعيينها فى وظيفة قضائية لخصت المحكمة قرارها فى سببين: اولهما العرف المتمثل فى نظرة المجتمع الى المرأة على انها ادنى من الرجل بسبب طبيعة تكوينها الخلقى، وثانيهما هو ان الشريعة الاسلامية لا تجيز تقلد المرأة الولايات العامة ومنها ولاية القضاء. ومن مفارقات الاقدار – ولعلها من نعم الله على المرأة السودانية فى ذات الوقت - ان الشيخ الدكتور حسن الترابى تولى، على عهد النظام المايوى خلال فترة الثمانينات، مناصب عدلية مفصلية مؤثرة فى جهاز  الدولة فعضد من خلال اسهاماته الفكرية المدعومة بنفوذه السياسى المؤثر فى ماكينة صناعة القرارات وصياغة التشريعات مواقف التيارات التحررية الداعية لتوسيع ولايات المرأة وافساح الوظائف القضائية امامها، وذلك فى مواجهة تيارات تقليدية محافظة جهدت، ما وسعها الجهد، الى تقليص دور المرأة ومحاصرتها فى دوائر خدمية وانتاجية رمزية. واستطاع الترابى من خلال نصوص طرفية معزولة للامام الطبرى تجيز تولى المرأة القضاء ان يصد ويردع العناصر المتسربلة بعشرات النصوص القطعية المتينة التى اثبتها اعمدة الفقه الاسلامى فى صدد الحؤول بين المرأة ومهام الولايات العامة.

ولعله من اللافت للنظر أن الكتاب يقرر بأن السبب الرئيسى لكون الحقوق الدستورية للمرأة المصرية فشلت فى ان تتحول الى سياسات مؤسسية منتظمة او مشاركات مؤثرة فى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، هو وجود درجة عالية من المقاومة المجتمعية المستندة الى تراث من العادات والتقاليد ينمّط ادوار المرأة فى نطاق الانجاب ويتجاهل ادوارها الانتاجية والاجتماعية. تقول الدكتورة امانى الطويل: "تغذت هذه المقاومة الاجتماعية خلال العقود الاخيرة على قراءة لا اجتهاد فيها للاديان السماوية، تمترست فى ترسانة من تقاليد عصور الانحطاط فى الحضارة الاسلامية تساهم بدرجة او بأخرى فى حرمان المرأة من حقوق المواطنة العادلة". ومن اعجب الاعاجيب ان مصر لا زالت تراوح مكانها فى ذات المدار الجدلى الذى ولجت انفاقه اواخر القرن التاسع عشر عندما اصدر قاسم امين كتابه الشهير (تحرير المرأة)، وما اعقبه من معارك احتدمت بين كبار علماء الدين وعلى رأسهم الشيخ محمد رشيد رضا من ناحية والشيخ محمد حسنى البولاقى من ناحية اخرى. حيث ايد الاول دعوة تحرير المرأة وعضدها بأسانيد شرعية وعقلية، بينما عارضها الثانى معتمدا اسانيد دينية وعقلية مغايرة.

ومهما يكن فان مناطق الشرق الاوسط وشمال افريقيا بعامة تسجل – وفقا للبيانات والاحصائيات – التى يبرزها الكتاب ادنى معدلات مشاركة للنساء فى قوة العمل مقارنة بباقي أنحاء العالم حيث لم تتجاوز النسبة اثنان وثلاثون بالمائة، بينما تسهم المرأة فى افريقيا جنوب الصحراء بخمسٍ وستون بالمائة، وتسهم فى شرق آسيا بثمانين بالمائة.  والغريب ان مصر كانت من أسبق الامم الى ادراج المرأة ضمن القوة العاملة الوطنية النظامية، حيث كان اول ظهور موثق للنساء فى سوق العمل فى عهد محمد على باشا الذى استخدم النساء فى صناعة النسيج استخداما منظما فى مصانع دمياط والمنصورة، كما لجأ الى الاستفادة من قوة عمل النساء عبر توزيع الخيوط القطنية على القرى لتقوم النساء بتصنيعها على انوال يدوية.

مما لفت نظرى فى الكتاب كثرة استخدام مصطلح ( تمكين ) ومقابله باللغة الانجليزية Empowerment فى مورد الحديث عن ضرورة انصاف المرأة وتفعيل مشاركتها على اجندات التنمية والاصلاح. وقد ادهشنى التوسع الغريب فى استخدام لفظة "تمكين"، بحيث وردت نحواً من ثمانية وثلاثين مرة فى صفحات الكتاب البالغة مائتان وخمسة وسبعون. بل ان اللفظة تكررت فى عناوين ثلاثة من فصول الكتاب السبعة. تجدها فى عنوان الفصل الاول (الاطار الدستورى والتشريعى لتمكين المرأة فى الادارة)، والفصل الخامس ( المجتمع المدنى وتمكين المرأة)، والفصل السابع (اتجاهات تعليم الاناث وتحديات التمكين). ومن شواهد الافراط فى استخدام اللفظة اننى وقعت على عبارة واحدة من ثلاثة اسطر ونصف وردت خلالها لفظة "تمكين" اربعة مرات، وتقرأ العبارة: ( فى ضوء ذلك استقر الرأى على ضرورة الاهتمام ببحث مفردات البيئة التمكينية للمرأة بهدف الكشف عن الكوابح المعوقة لتمكين المرأة، وتقييم السياسات المرتبطة بعملية التمكين، وتقديم بعض الرؤى التى تساعد فى تمكين المرأة المصرية).

وما كان لى ان اهتم بهذه الملاحظة او اقيم لها وزناً، لولا ان لى حساسية معينة تجاه كلمة "تمكين" هذه. واكاد اجزم فى خويصة أمرى انه لولا هذه الكلمة  لما كنت اليوم قابعاً كالدب القطبى فى برارى منيسوتا وسط اطنان من الثلوج مع ثلاثة اطفال لا يتحدثون العربية الا بشق الانفس. وكان الحركيون الاسلامويون المتغلبون الذين استأثروا بمقاليد الحكم عنوة واقتدارا العام ١٩٨٩ قد اتخذوا من لفظة " التمكين" شعارا لهم مستلهمين الآية ٤١ من سورة الحج: ( والذين ان مكناهم فى الارض اقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وامروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور)، ووظفوها توظيفا منظما وممنهجا ودقيقاً بحيث خلصت لهم مفاتيح السلطة والوظائف العامة، واستصفت خزائن الاموال النفطية الثروات القومية – تحت شعار التمكين - فى ايديهم وايدى مناصريهم، وانتهى السواد من ابناء الشعب الى حالة يرثى لها من الادقاع السياسى والعوز الاقتصادى والخيبة الثقافية والخلل النفسى جعلتهم يمتقون كلمة "تمكين" مقتاً لا مزيد عليه، ويتمنون لو ان مجمع اللغة العربية ازالها من القواميس والمعاجم كليا ونهائيا والى الابد.

 ولولا افراط الكتاب فى استخدام هذه الكلمة المستفزة افراطا جاوز الحد، بحيث أثارت عندى كوامن العقد النفسية المستكنة وهيجها بعد طول خمود، لقلت فى وصفه انه من افضل واقيم منتجات مركز الاهرام للدرسات السياسية والاستراتيجية التى اطلعت عليها مؤخرا.

نصوص خارج السياق

وبدأت الثقافة !

وقفت امام المرآة بالنظارة الجديدة لأرى ان النظارة - بشنبرها العريض - قد حولتنى من شكل واحد جرسون اجريجى الى شكل واحد مثقف ينطق بفلسفات الدهر وحكم الزمان !

ورغم أنني أحسست - فى الأيام الأولى - بأن النظارة - أشبه بمشبك غسيل يعض أنفى ورغم أني شعرت أنني اطل على الناس والحياة من خلف زجاج نافذة ، فقد قبلت هذه التضحيات من أجل شكلي الذي أصبح شكل إنسان مثقف وشجعني على المضي فى تلك التضحيات - فى اليوم التالى - تلك الكلمات الظريفة اللطيفة التي قالتها لي مذيعة التليفزيون، إذ دعتني للظهور فى البرنامج الذى تقدمه، وقالت والفضل للنظارة فيما قالت: بوصفك انسانا مثقفا ممكن تقول لنا ما يجب ان تكون عليه الأغنية عندنا ؟؟  هنا أدركت سحر النظارة الثقافى، وهنا ايضا ادركت اننى يجب ان أتحدث حديث واحد مثفف وليس أى حديث كلشنكان فتنحنحت ، وثبت النظارة على انفى لأقول لها : " فى الواقع انه من المحتم ان تكون جميع الاستنباطات الفنية فى الاستقراءات المتعارف عليها متفقة مع المضمون بشكل طردى إلى الحد الذى يمكن القول معه ان الاغنية بجوهرها الراهن لا تمثل الارتهاص المراهق وهو ارتهاص شديد الارتهاص حقا، وهو متباين المد والجزر بحيث يمكن القول بأنه مد جزرى او جزرى مدى" . وأوقفت المذيعة التسجيل لتسألنى : "يعنى ايه الكلام ده ؟" قلت لها: "مش عارف" . وحاولت المذيعة بلباقة ان تحملنى على ان اقول كلاما بسيطا مفهوما يفهمه الناس البسطاء ، لكننى نهضت محتجا وانا اثبت النظارة على انفى ، قائلا : "والله هانت الثقافة! انا اقول كلام بسيط ؟ أشكرك على الإهانة" .

ومضيت خارجا لأجد من يطالبنى - فى الجريدة - بكتابة المقالة الاسبوعية، فجلست الى مكتبى  بالنظارة - لأكتب مقالا ثقافيا رائعا بدليل اننى شخصيا لم افهم منه ولا كلمة).

من كتاب (كلام فارغ) للكاتب الصحفى أحمد رجب