غربا باتجاه الشرق
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كدت اصاب بالجزع عندما رأيت حبيبنا الصهر الرئاسي الاستاذ محمد لطيف يقذف سفارة المملكة السعودية بالخرطوم بحمم من لهب، ويكوي سفيرها بشواظ من نار  في مقاله بعدد الخميس الماضي من صحيفة (اليوم التالي).
كتب صاحبي: (فخامة السفير لم يكن موفقاً وهو يخوض في شأن داخلي جدا)، ووصف حديث السفير بأنه متجاوز للحدود ومفارق للأعراف الدبلوماسية. ثم اختتم كلمته بعبارة مؤثرة، إذ قال: (ان كنا نتحدث عن علاقات صحية معافاة بين البلدين، فلا شك ان اهم مظاهر التعافي ان ينشغل كل طرف بما يليه). اي بعبارة اخرى: يا سعادة السفير لا تتدخل فيما لا يعنيك!
اول سؤال خطر ببالي: "طيب والسفير ده، تطير عيشتو، هبّب شنو"؟ فلا بد أنه أتى أمراً عظيماً استحق عليه كل ذلك التقريع.
بعد السؤال والتمحيص عرفت أن السفير السعودي، فيصل معلا، تحدث في لقاء له مع عدد من كرام الصحافيين، ووجه بعض الملاحظات، وربما صح ان نقول انتقادات، الى أداء الاعلام السوداني. وقد انحصرت تلك الانتقادات في نقطتين: الاولى هي إفراط الصحافة السودانية في نشر اخبار الجريمة، على نحو يُظهر السودان بمظهر مضلل، مع انه من اكثر البلدان أماناً. أما الثانية، فهي أن صحافتنا تشوّه مشاركة السودان في حملة (عاصفة الحزم) بتصوير هذه المشاركة على انها وسيلة غايتها جمع الاموال من دول الخليج.
في السودان (خزعبلتان) وجدتا مكاناً طيباً في تربتنا فاستوطنتا وطاب لهما المقام. الخزعبلة الاولى هي انه لا يجوز للصحافة ان تتناول احكام القضاء بالنقد، فهذه الاحكام في ظن البعض مقدسة، وتناولها بالنقد يضع المتورطين في هذه (الجريمة) تحت طائلة مخالفة أصول وأعراف مستقرة.
بينما في كافة بلاد الله من بلدان العالم الاخرى، فإنه يُحظر فقط تناول القضايا قيد النظر أمام المحاكم. أما تلك التي تم الفصل فيها واعلان احكامها فيجوز لكل من هب ودب ان يتفحص حيثياتها، ويخضعها على الملأ للمساءلة القانونية والاعلامية المفتوحة دون قيد أو شرط.
أما (الخزعبلة) الثانية، فجوهرها ان سفراء الدول الاجنبية يتعين عليهم التزام الصمت المطبق بشأن الاحوال المتصلة بالبلد الذي يقومون فيه بواجب السفارة، فلا ينبغي لهم الحديث عن شئون البلد وشجونه. فإن فعلوا كان ذلك تجاوزاً للحدود ومفارقة للتقاليد، على نحو ما أفادنا، او بالأحرى لم يفدنا، الصهر الرئاسي.  
وذلك زعم ليست له بالحقيقة نسب. في جميع دول العالم المتقدمة والمتخلفة، على حد سواء، يشارك السفراء والدبلوماسيون الاجانب في الإدلاء بالرأى، بقدر مناسب من الحرية، حول شتى الفاعليات والقضايا السياسية والثقافية والاجتماعية المطروحة في محافل الحياة العامة في بلدان السفارة، دون حرج.
ولا شك عندي أن مرد كثير من سوء الفهم الخارجي، تجاه بعض سياسات العصبة المنقذة في الماضي مرده الى الخلط في هذه المعاني.  وآية ذلك حالة الاستغراب والحيرة التي اكتنفت حكومات الدول الاوربية بعد أن أعجزها فهم سبب غضبة الحكومة على السفير يان برونك، مندوب الامم المتحدة السابق في السودان، قبل عدة سنوات. وكان السفير، الهولندي الجنسية، قد دأب على تدوين آراءه وانطباعاته حول المجريات السودانية في صفحته على الانترنت، الامر الذي أحفظ حكومتنا. مع ان ذلك النوع من السلوك ذائع  عالمياً، ولا يرى فيه أحد في الدول الاخرى ثمة بأس، إلا اذا تضمن الأمر تجاوزاً لمقتضيات الاحترام.
وفي السودان ظل سفراء الولايات المتحدة والدول الاوربية الاخرى، وما يزالون، يقومون بزيارات الى مناطق كثيرة في العاصمة والولايات، وينشرون ملاحظاتهم حول الاحوال العامة في بلادنا. الفارق ان هؤلاء يبذلون اغلب ما يكتبون خارج السودان. وإن كانوا يفعلون ذلك الى حد ما داخله ايضا.
وقد قرأت في الفيسبوك لسفير دولة اجنبية كتب عن ظاهرة (البطان)، وأبرز بعض الصور الفوتوغرافية لممارستها في بعض مناطق السودان. ثم هاجمها هجوماً مريرا، وطالب الدولة بتجريمها.
في التسعينيات، عهد (ولاية الفقيه) الشيخ حسن الترابي، كان أحد السفراء الأجانب يزوره بانتظام في منزله بالمنشية، ويشكو له من سوء الخدمات ومعاناة بعض المواطنين في بعض مناطق العاصمة والولايات، فكان الترابي يطمئنه، ويجبر بخاطره، و يرد عليه رداً رفيقاً.
ولكن الشيخ في ما يبدو أصابه الملل من كثرة شكاوي السفير، الذي جاءه ذات مرة ليشكو من قرار حكومي يقضي بنقل سكان احدي مناطق العاصمة الطرفية، بغير رضاهم، الى مكان جديد عينته لهم ولاية الخرطوم. وبعد ان فرغ السفير من شكواه، رد الترابي: "يا حضرة السفير، لماذا لا تستقيل من وظيفتك الدبلوماسية، وسنمنحك نحن جنسيتنا، ونعينك ضابطاً لبلدية الحاج يوسف"!
سعادة السفير فيصل معلا: أنا أتفق مع ملاحظاتك وانتقاداتك حول أداء صحافتنا، بغير تحفظ . كلها سليمة وفي غاية الوجاهة. ونحن نرحب بها.
خذ راحتك بالكامل، وافتح لنا قلبك، وقل ما تشاء. ولا تأبه لخزعبلات الصهر الرئاسي!

نقلاً عن صحيفة (السوداني)