غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 
زلزلت الولايات المتحدة أول أمس الثلاثاء بخبر عاجل طارت به وكالات الانباء، وشغل قنوات التلفاز. مضمون الخبر أن سعادة مولانا جيري باكستر، قاضي محكمة مقاطعة فلتون بمدينة اطلانطا بولاية جورجيا، أصدر حكماً بالسجن لمدة عشرين عاماً (جرى تخفيضها، بعد صفقة بين القاضي والمحامين والمتهمين، الى سبع سنوات) على ثلاثة معلمين في احدى مدارس المدينة. أما التهمة التي ادين بموجبها المعلمون فهي الغش والتزوير في النتائج الدراسية للتلاميذ.
في الولايات المتحدة هناك نوع من الامتحانات الموحدة (Standardized tests)، يجلس لها التلاميذ في بعض مراحل التعليم العام على نطاق الولاية، بهدف تقييم قدرات التلميذ ومستوى تحصيله الدراسي. والتلاعب الذي تورط فيه المعلمون يتصل بنتائج ذلك الامتحان. المصيبة ان التحقيق اثبت أن التلاعب ظل يحدث على مدى سنوات، لا سنة واحدة.، ومن هنا كان الحكم الرادع.
 السؤال الرئيس الذي ينتصب هنا هو: لماذا؟ ما هي مصلحة المعلم في تزوير النتيجة؟ الاجابة قد تذهلك. وهي ان المعلم في امريكا قد يفقد وظيفته في حالة تدني أداء تلاميذه!
بل انه حتى على مستوى التعليم الجامعي فإنك تجد من التقاليد الراسخة في كل الجامعات والمعاهد توزيع استبيانات على الطلاب عقب كل حزمة من الحصص الدراسية الخاصة بكل مادة دراسية. تستقصى هذه الاستبيانات آراء الطلاب حول أداء الاستاذ المحاضر، وطريقة التدريس، ومقدار الفائدة المتحصلة من المنهج. فإذا غلبت الردود السلبية وطغت، وهو ما يستتبعه في الغالب ضعف التسجيل لتلك المادة في الدورة الدراسية التالية، فإنه يتم استبدالها، او تكليف محاضر بديل، او إلغاء المادة جملة واحدة. وسيتعين على المحاضر الاول في هذه الحالة ان يعيد تقويم أدائه، أو أن يبحث لنفسه عن عمل جديد.
وفي الواقع فإن جميع من يتلقون اي نوع من الخدمات في الولايات المتحدة، مهما صغر شأنها ودقً، سواء من شركات القطاع الخاص، أو اجهزة الحكومة الفيدرالية اوالولائية اوالمحلية، ويتم تسجيل اسمائهم داخل الانظمة الالكترونية خلال هذه التعاملات، يتسلمون بصورة تلقائية، إما عقب المعاملة مباشرة او في وقت لاحق، عبر البريد او الهاتف، رسائل رسمية من إدارات ضبط الجودة (Quality control) بتلك الجهات، تطلب من المواطنين ان يوافوها بملاحظاتهم حول مستوى الخدمة، ومدي رضائهم عن جودتها، وعن المستخدم الذي باشرها معهم ومدي كفاءته وفاعليته ولطفه. ويتم الاستعانة بنتائج وخلاصات تلك الاستبيانات في تحديد ما يناله هذا الموظف او الموظفة من تقدم وظيفي وترقيات ومكافآت، أو تدريب واصلاح، أو محاسبة صارمة حاسمة قد تنتهي به الى عرض الطريق!
أما معلمي اطلانطا الثلاثة فقد سجلوا اعترافات قضائية ذكروا فيها أن القلق قد اصابهم جراء أخفاق تلاميذهم في الحصول على نتائج تضعهم في مستوى المعايير القياسية الموحدة. وبدافع من ذلك القلق، وفي مواجهة احتمالات فقدان وظائفهم ودخولهم، فقد تورطوا في شغل التزوير، بحيث كانت النتائج النهائية تظهر نجاحات غير مستحقة لعدد كبير من التلاميذ.
وقد تأثر الكثيرون وانفطرت قلوبهم وهو يشاهدون المعلمين الثلاثة، عبر التسجيلات التي أظهرتها لهم القنوات التلفازية، أمام المحكمة، وهم يخاطبون أولياء أمور طلابهم، وحمرة الخجل تغطي الوجوه، والدموع تسح من العيون، معتذرين عن خيبتهم وسوء صنيعهم، طالبين العفو والسماح.
الغريب ان المعلمين الثلاثة ذكروا في اعترافاتهم أن مديرة المدرسة، السيدة الفضلى بيفيرلي هول، هي التي دفعتهم وشجعتهم على المضى قدماً في درب التزوير. ولكن المديرة لم يُقدر لها ان تقف أمام المحكمة، لأنها اصيبت بمرض مفاجئ وتوفيت قبل بدء الجلسات. والموت،أحياناً، يكون سُترة. ولعل ذلك هو السبب الذي يدعو أئمة المساجد ليدعوا الله، كل ما نودي للصلاة من يوم الجمعة: (اللهم اجعل الموت راحة لنا من كل شر). نسأل الله ان يتقبل اختنا بيفيرلي في أمجاد السماء، وأن يطرح البركة في ذريتها، فيكونون من العاملين الصادقين، لا المعلمين المزورين.
كان أول ما خطر ببالي وأنا أتلقى نبأ معلمي اطلانطا أمس الأول، الخبر الآخر الذي تناقلته صحفنا قبل فترة قصيرة عن معلمي المدرسة الوهمية، في حي الدخينات بمنطقة الكلاكلة، الذين زيفوا إمتحان الشهادة السودانية، واحتالوا على طلابهم فأجلسوهم لامتحان وهمي، بعد ان اعطوهم أرقام جلوس مصطنعة!
ووجدت نفسي أدعو معلمي الكلاكلة هؤلاء ان يحمدوا الله ويشكروا فضله ان جعلهم من جملة السوادنة، ولم يخلقهم في زمرة الفرنجة. والا لكانوا اليوم في ضيقٍ شديد، وهم يقفون داخل القفص امام مولانا القاضي جيري باكستر!
وحُق لهم يغنوا (كيفن كان يكون الحال لو ما كنت سوداني ..)!