غربا باتجاه الشرق

     عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

(1)

يفرق سادتنا الصوفية بين الشريعة والحقيقة. الاولى هى علم العامة وبضاعة اهل الظاهر كإتيان الفروض التعبدية وممارستها فى اشكالها المنطوقة والحركية، اما الثانية فهى العلم الوهبى او اللدنى، وهو علم الباطن الذى خص الله به طائفة من عباده دون غيرهم، وهم السالكون فى الرواقات الوجدانية والمقامات العرفانية.

(2)

هناك قاعدة اصولية تقول ان الجهل بالقانون لا يعفى من العقوبة. ومن باب اولى فان العلم بالقانون ثم ادعاء الجهل به لا يعفى احدا من العقوبة أيضا. ومثل ذلك – او قريبٌ منه -  فى الحياة العامة معايشة الوقائع والحادثات ومواطأتها والاستئناس اليها، وهى تتداعى يوما بعد يوم وعاما بعد عام، حتى اذا انفرجت زواياها وتخلقت معالمها وشخصت بين الناس، متجذرةً فى الارض، منتصبةً فى السماء، رأيت فريقاً من هؤلاء ينهض جاحظاً مكفهراً يتصنع الاستعجاب ويتقنّع الاستغراب، ويرسم على وجهه ملامح المفاجأة والدهشة والحيرة، ثم يملأ الارض سؤالا وجوابا: كيف هذا؟ وهل يعقل؟ وهل يجوز؟!

 

تعرف أهل هذه الطائفة من سيمائهم وهم يتحدثون من خلال شاشات التلفزيون السودانية والاجنبية، حديث الذين يكاد يقتلهم الخوف على مستقبلنا، فقلوبهم تخشى على  وطننا من خطرات النسيم ان تدمى له بنانا. وتعرفهم من تصريحاتهم الفائرة الثائرة التى تسد عيون الصحائف تحذرنا من طاعون التشظى ووباء الانشطارات. ثم تسأل: اين كان هؤلاء الحادبون الساهرون علينا والرزايا والبلايا تتخصب فى رحم الوطن، وتستحيل من نُطَف الى علقات الى مضغات، ثم الى عظام تكتسى لحما وشحما، ثم تهبُّ ناهضةً على سوقها؟!

(3)

بين يديك – أعزك الله – ما طفحت به اوراق الصحائف مؤخرا من مجاهرات منسوبة الى قيادات فاعلة فى الحركة الشعبية لتحرير السودان، تضع النقاط فوق الحروف من أمر الاستفتاء المنتظر لتقرير مصير جنوب السودان. وهل هناك قيادات حركية جنوبية اكثر فاعلية من النائب الاول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة جنوب السودان، خليفة القائد المؤسس العقيد جون قرنق؟ وها هو الخليفة وقد وضع نقاطه فوق حروفه اللاتينية امام الملأ فى كاتدرائية القديسة تريزا بمدينة جوبا يوم السبت الحادى والثلاثين من اكتوبر الماضى، ثم مضى لشأنه لا يلوى على شئ. وكانت احاديث الوحدة والانفصال قبلها تأتى من لدن قادة الحركة الشعبية على منهجين: منهج الشريعة، الذى يقوم على ظاهر الكلمات والحركات ويستقصد السواد من اهل السودان، ومنهج الحقيقة والعلم اللدنى الذى اختص به بعض قادة الحركة الشعبية، يخافتون به همسا تحت غلالات الظلام و يتداولونه إسرارا بين اهل الباطن. ومن نظير ذلك ما المحنا اليه من حديث صرح به وزير الخارجية السيد دينق الور فى دائرة مغلقة قبيل شهرين، وكنا قد اشرنا اليه قبلا دون ان نعالن باسمه، اذ كتبنا بتاريخ السابع من اكتوبر: (ماذا تريد الحركة الشعبية اصلا من انتخابات لرئاسة الجمهورية واخرى برلمانية اذا كانت قطاعات بارزة من قياداتها وكادراتها ترجح خيار الانفصال وتتهيأ له؟ بل ان الهمهمات تملأ دوائر الاوساط العليمة بما همس به احد قيادات الحركة بانهما، اى الحركة والمؤتمر الوطنى، قد شرعا بالفعل من وراء غرفٍ مغلقة فى مناقشة ترتيبات الانفصال ومعالجة اجندته الحساسة، كتلك المتصلة بمياه النيل وديون السودان وترسيم الحدود وحقوق المسلمين فى دولة الجنوب المستقلة). ولكن وزير الخارجية، وقد أعياه الصبر على علوم الباطن المنغلقة، خرج يخاطب العامة بعد ذلك باسابيع قليلة اذ ادلى بتصريح منشور جاء فيه انه (لا بد من طلاق سلمى بين الشمال والجنوب). هكذا من غير استتار ولا مداورة!

 

 وها نحن اليوم نقلب بين ايدينا وقائع ورشة العمل الخاصة التى حملت اسم: "صورة السودان فى العشرية القادمة"، التى التأمت فى مدرسة جون كندى للدراسات الحكومية بجامعة هارفارد منتصف سبتمبر الماضى، ونُشرت بعض مداولاتها فى الموقع الالكترونى للجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الامريكى، ووردت فيها مداخلة لعضو بذات اللجنة يصرح فيها بأن عدداً من القادة البارزين فى الحركة الشعبية لتحرير السودان، لم يسمّهم، قد اكدوا للحكومة الامريكية بصورة قطعية  وحاسمة أن انفصال الجنوب فى العام ٢٠١١ انما هو حقيقة لا تقبل الجدل، وان على الولايات المتحدة ان تبنى استراتيجياتها المستقبلية فى ضوء هذا المُعطى، وان تقدم العون للسودانيين فى تسليس الانفصال.

 

وقد لفت نظرى مؤخرا ان الحزب الحاكم وان كان يظهر الانزعاج الشديد من التطورات المتسارعة فى اتجاه الانفصال، فانه فى خويصة أمره اخذ ينحو بجنانٍ مطمئن وثباتٍ مضطرد  باتجاه استيعاب هذه المتغيرات والتعامل معها. وليس ادل على ذلك من ان حزب العصبة المنقذة قد استغنى، فى اطار اعادة الهيكلة التى تزامنت مع مؤتمره العام الشهر الماضى، كليا ونهائيا عن منصب "نائب رئيس الحزب لشئون الجنوب". وفى تفسير هذه الخطوة لم يتردد الدكتور الطيب زين العابدين القائد الحركى الاسلامى، الذى يتصف بدرجة عالية من الاستقلالية الفكرية والصراحة السياسية، فى تقديم اجابة مباشرة عندما سألته صحيفة الاحداث "الاحد ٨ نوفمبر" اذ قال:( كل المؤشرات تؤكد ان الجنوب سينفصل، لهذا كان قرار المؤتمر العام سليماً وهو يختار الغاء منصب نائب الرئيس لشئون الجنوب، على اساس ان الجنوب ماضٍ فى طريقه الى الانفصال ولا داعى للاحتفاظ بمثل هذا المنصب). وعندما لاحقه المحرر اضاف الدكتور الطيب زين العابدين فى صدد اجابته تلك: ( الجنوبيون لن يصوتوا للوحدة حتى ولو اخذوا منصب رئيس الحزب نفسه، وليس نائب الرئيس)!

(4)

فى سلسلة الحوارات المطولة التى اجرتها مؤخرا صحيفة ( السودانى) مع الاكاديمى والسياسى الدكتور تيسير محمد احمد، أحد قادة انتفاضة ابريل ١٩٨٥ وأحد نشطاء طيب الذكر التجمع الوطنى الديمقراطى، قال تيسير: ( لو كان التجمع الوطنى لانقاذ البلاد فى 1985 والتجمع الوطنى الديمقراطى بعد 1989 قد حققا جزءاً من مشروعهما الوطنى المضمن فى مواثيقهما المعلنة لما كانت الاوضاع قد تفجرت فى دارفور والشرق وكاجبار، ولما كانت اتفاقية نيفاشا قد تحولت الى خريطة لبداية تفتيت السودان، بدلا من ان تكون اداة للتحول الديمقراطى). وتيسير هنا لا يستعجب او يتصنع الدهشة من ثقل الخيبة وفداحة الخذلان الذين آلت اليهما القوى الاساسية المعارضة لنظام الانقاذ، بعد ان قادت جماهيرها المفترضة كما نبى الله موسى فى صحراء التيه عقدين من الزمان، ولا من حال التردى الشامل الذى انتظم البلاد كياناً وشعباً فاذا بهما اسارى بين فكى شيطان مريد. ذلك ان الرجل كان قد ادرك منذ زمن سحيق، وهو داخل  قُبة تنظيم التحالف الوطنى الذى كان من مؤسسيه ومنظريه وقادته التاريخيين، ثم داخل قُبة التجمع الوطنى الديمقراطى الذى شيد صرحه مع غيره من السياسيين والنقابيين لبنة لبنة، أن قباب المعارضة وإن صمدت فى وجه الزمان دهرا الا انها كانت منذ يومها الاول تشكو لربها غيبة الاولياء الصالحين.

 

وما كذب الرجل. الخيبات تحدث عن نفسها. لم تحقق العصبة "مشروعها الحضارى"، كما لم تحقق المعارضة "مشروعها الوطنى". و"كيفما تكونوا يولّ عليكم". أما محنة الجنوب فقد كان الستار قد انفرج عن فصلها الاول الموسوم "خديعة الفدرالية وخسيسة التنكر للعهود" فى خمسينات القرن المندحر، ثم توالت الفصول عبر الحقب والازمنة. هل نعود بالبصر كرتين فتمر امام نواظرنا المواكب الهادرة المزلزلة تملأ العاصمة ومدن  الشمال الكبرى، تستبشع مقاتل المئات من مسلمى البوسنة والهرسك على يد الصرب، وتستهجن مصارع عشرات الفلسطينيين على يد جيش الدفاع الاسرائيلى، فى وقت كانت ترقد فيه بين جنبينا وتتراكم فى خاصرة السودان مئات الآلاف من جثث القتلى من قبائل الجنوب، لكأنها كمبوديا تحت جزارها المخبول بول بوت، تحصيها بعض الدوائر بمليون ونصف وتقدرها دوائر اخرى بمليونى قتيل؟! يقول تيسير: ( وقد كان الناس فى الخرطوم لا يحسون بالحرب وكأنها تدور فى كوكب آخر، وكأنما الذى يتمزق جسم غير سودانى، وكنت اتساءل " لماذا تريدون الانتظار حتى تدخل الحرب غرف الجلوس فى منازلكم")؟!

 

من عجائب المعارضة، التى يبكى بعض قادتها اليوم على اللبن المسكوب ويرسمون علائم الذهول على وجوههم، بعد ان دارت مدارات الاحداث واستبانت مآلاتها ورأى القوم رايات الاستفتاء وعلموا ان تحتها فجيعة الانفصال، من عجائبها انها تداعت قبيل اسابيع الى ضيافة الحركة الشعبية لتحرير السودان فى عاصمة الجنوب لتأتمر مؤتمرها الذى اطلقت عليه ملتقى جوبا، ثم جعلت البند الاول فى بيانها الختامى نداءً توجهت به للقوى السياسية وقطاعات المجتمع المدنى للدخول فى حوار شامل مع العصبة المنقذة حول التحديات التى تواجه البلاد. لكن غاب عنها وفات عليها ان تدعو نفسها الى حوار حول شريعة الوحدة ومخاطر الانفصال مع مضيفيها فى الحركة الشعبية لتحرير السودان. اولئك المضيفين الذين اغدقوا عليها كرماً من خيرات الجنوب اللبن والعسل والأناناس والباباى، ثم ودعوا وفودها اختيالاً  فوق الابسطة الحمراء بمطار جوبا، وما لبث قائدهم، خليفة جون قرنق، بعد ذلك الا قليلا قبل ان يحج الى كاتدرائية القديسة تريزا فيدعو قومه للتصويت لصالح الانفصال حتى لا يصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية!

(5)

نداء الانفصال قديم. سمعته اجيال من السودانيين يصدر عن ثوار الجنوب فى منعطفات تاريخية متباينة. ولكننى سمعت كلمة الانفصال تصدر من حنجرة شمالية للمرة الاولى فى حياتى كلها اثناء جلسة مشتركة للمجلس العسكرى الانتقالى ومجلس الوزراء ترأسها الفريق عبد الرحمن سوار الدهب عام ١٩٨٦. كان وزير التجارة فى الحكومة الانتقالية، السيد/ سيد احمد السيد، قد طلب من المجلسين ان ينظرا فى مقترح  بفصل الجنوب عن الشمال، وان يبسطا هذا المقترح أمام الحركة الشعبية لتحرير السودان التى كانت قد عاودت اطلاق النار بعد ان رفضت الاعتراف بنظام الفريق سوار الدهب وحكومة الانتفاضة واطلقت عليهما تسمية " مايو- تو ". بيد انه عندما فرغ الوزير من حديثه فوجئت السكرتارية بحالة من الذهول والارتباك والاضطراب تعترى اعضاء المجلسين، اذ لم يفتح الله على اى منهم بكلمة واحدة، ولم يرفع  أحد من الحضور يده لطلب الكلمة للمناقشة او التعليق. واضطر الفريق سوار الدهب بعد فترة من الصمت المطبق المحرج، بدت وكأنها دهرٌ بكامله، الى اللجوء الى مخرج حصيف وهو رفع الجلسة لفترة استراحة قصيرة، عاد بعدها الاجتماع للنظر فى بند آخر من بنود اجندته!

 

عبرة ما تقدم عندى هو اننا فى الشمال لم يكن لدينا قط ادنى درجة من الاستعداد النفسى والعقلى لتصور انفصال الجنوب عن الشمال ولو كأطروحة نظرية مجردة او تمرين ذهنى افتراضى. وقد كانت تبعية الجنوب واقترانه بالشمال طيلة نصف القرن الماضى من ثوابت العقل العربى الاسلامى السودانى الحتمية، مثلما كانت المناداة بغيرها مرادفاً تلقائياً للمؤامرة الخارجية الصليبية الصهيونية. ولذا فاننا نجد فى التصاعد الفجائى لوتائر الانفصال واضطرار القوى الشمالية للتعامل مع الواقع الجديد للمرة الاولى - دون استعداد نفسى او عقلى كاف – حالة ذهنية تتطابق كلياً مع نفس الظروف والملابسات التاريخية التى عرفتها وتقبلتها على مضض الشقيقة مصر عقب ثورة يوليو ١٩٥٢، وتجرعت كؤوسها كما تجرع سقراط نقيع السم قطرةً قطرة على يد زعماء اثينا. وذلك عندما تسارعت التطورات بغير ما اشتهت سفن مصر، اذ فاجأت القيادات الوطنية السودانية حكومة الثورة المصرية ببلورة موقف سودانى غالب يقضى باعلان الاستقلال من داخل البرلمان. وهو الاعلان الذى أرهق مصر قيادةً وشعباً ارهاقاً نفسياً بالغاً، وزلزل كيان الدولة التى كان مليكها قبيل عامين  ونصف العام فقط من ذلك التاريخ يتخذ لنفسه لقب: ملك مصر والسودان. وليس ادل على عمق الازمة النفسية والسياسية التى اجتازتها الكنانة من جراء انفصال السودان، دون استعداد منها او توقع، ان مؤرخيها وكتابها وسياسييها واكاديمييها، على الرغم من مرور اكثر من نصف قرن على ذلك الحدث، لم ينصرفوا قط عن طرق قضية "انفصال" السودان وتحليل العوامل والظروف التاريخية التى احاطت بها وقادت اليها، كما لم يتوقفوا عن جلد الذات وتبادل الاتهامات القاسية بشأن تحديد المسئولية التاريخية عن "جرم التفريط فى جنوب الوادى" و "كارثة ضياع السودان"، كما يتردد فى الادبيات المصرية.  وقد كان ذلك اول ما نقر على رأسى وانا اطالع بعض مناقشات السودانيين فى موقع بنى ثقيف على الشبكة الدولية حول احتمالات انفصال الجنوب ومآلاته، فقد قرأت تعليقا يقول: ( لو انفصل الجنوب عن الشمال فسيتجالد المثقفون الشماليون بالسياط كشيعة كربلاء لألف عام قادمة)، فرد عليه آخر مزكيا ومعضدا: ( هذه ابلغ عبارة اسمعها فى تشبيه الوضع الذى يبدو انه قادم). قرأت ذلك ثم استرجعت من فورى عبارة نابليون ( التاريخ يعيد  نفسه)، والتى صححها السياسى الانجليزى دزرائيلى عندما قال: ( التاريخ الردئ فقط هو الذى يعيد نفسه)!

(6)

كنت قد رأيت نذر الانفصال وقرأت عباراته على الجدران، كما يقول الفرنجة، فى سنوات التسعينات الاولى عندما رفعت العصبة المنقذة رايات الفتح الاسلامى وجيشت جيوش الدفاع الشعبى وصوبت كتائبه نحو احراش الجنوب تلتمس النصر او الشهادة، فكتبت مقالا فى زاويتى الاسبوعية بصحيفة (ظلال) عام 1994 بعنوان ( تسريحٌ باحسان)، ذكرت فيه ان الانفصال مع السلام والاستقرار والتعايش المشترك أفضل وأبقى عند الله من الوحدة القائمة على أسنة الرماح والمرتكزة الى بأس الحديد والنار. وقلت انه ليس بالضروة ان تمتد حدود السودان من وادى حلفا الى نمولى. كان ذلك هو العدد الاخير من الصحيفة، اذ لم تأذن السلطات لها بعد ذلك بصدور. ولا تثريب عليها، فكيف تسمح باستمرار صحيفة تفتح ابوابها للمخذلين فى وقت كانت فيه روايات القرود التى تذكر اسم الله وروائح المسك التى تضوع من اجساد الشهداء تملأ الاسماع، وشعارات النصر اوالشهادة وهتافات التهليل والتكبير تخرق الارض وتبلغ الجبال طولا. وقد استغرب حديثى يومها واستهجنه كثيرٌ من غير الاسلاميين، اذ لم يكن معهودا لقلم شمالى ان يقترب من فكرة الانفصال، وان يقلّبها يمينا وشمالا، او ان يظهر استعدادا للنظر فيها كخيار مطروح ابتداءً، فالاصل هو ان تأتى مثل هذه الطروحات الشواذ من غابات الجنوب لا من صحارى الشمال.

 

واذ يتداعى اهل الشمال اليوم يداً واحدة وقلباً واحدا حول شعار الوحدة، لا يكفون ايديهم عن دفع عجلتها، تندُّ عنهم طائفة لا حكم لها، اذ لا حكم لمن شذّ عن اجماع الامة، فانه ينبغى علينا أن نقبل بصدر رحب حقيقة ان إقرار مبدأ الاستفتاء على تقرير المصير وتأكيده كحق مبدئى لأبناء الجنوب يترتب عليه ضمناً أن انفصال الجنوب وقيام دولته المستقلة يبقى خيارا ثابتا تسنده المشروعية الدستورية المرتكزة على اتفاق السلام الشامل فى ٢٠٠٢، كما تسنده المشروعية السياسية المرتكزة على مقررات مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية فى ١٩٩٥. ان اهل الجنوب لم يحصلوا على هذه الحق منحةً من أحد، بل انتزعوه انتزاعاً عبر جسور من التضحيات. ويستتبع ذلك بالضرورة ويفرض علينا – طوعا او قسرا - تجاوز الحاجز النفسى المرتفع والمرارات العميقة والرواسب الثقيلة، وترويض الذات على التعامل مع الواقع كما هو لا كما نتمنى. فلا نتوارى ونحن على مبعدة عام واحد من الاستفتاء خلف عبارات لا تسمن ولا تغنى من جوع من شاكلة: "جعل الوحده جاذبة". او نتستر خلف خزعبلات عفى عليها الدهر من نوع "الدور الخفى للصليبية والصهيونية" و"الوجود الاسرائيلى فى الجنوب". ونريد فى ذات الوقت من اخوتنا اللاطمين للخدود والشاقين للجيوب والداعين بدعاوى الجاهلية ان يترفقوا بنا، فلا يحيلوا بلادنا الى سرادقٍ لمأتمٍ كبير – على نحو ما اصبحنا نشهد- قبل يصدر الطبيب الشرعى وثيقته الرسمية ويمهرها بتوقيعه. ونريد بعد ذلك من مسئولينا فى مواقع السلطة السياسية والتنفيذية ان يتقوا ربهم وشعبهم فيرعووا عن اصدار تصريحات تهدد وتبدد ولا ترعى عهدا ولا تحفظ ذمة، كاعلان احدهم على ملأ من الناس انه ( يتعين على الجنوبيين الذين يقيمون فى الشمال توفيق اوضاعهم فى حالة انفصال الجنوب).

 

لن يصير الانفصال لو قدر الله ان تكون له عاقبة الدار مسبة الدهر وسدرة منتهى التاريخ، فليس اخوتنا فى الجنوب بأول المستقلين فى هذه الدنيا، ولسنا فى الشمال اول المستقَل عنهم. وكما انفصل اقوامٌ عن بعضهم ثم عادوا من بعد انفصالهم فُجّارا يضرب بعضهم رقاب بعض كما فعلت اثيوبيا واريتريا، فقد عرف العالم دولاً وشعوب ذات مثالٍ فريد كتشيكوسلوفاكيا، التى افترق تشيكها عن سلافها بإحسان وأمانٍ وطيب خاطر، وذهب كلٌ الى دولته المستقلة فى تجربة اتسمت بالتحضر واليسر والانسيابية والتعايش المشترك الكريم.

 

لا عليكم يا بنى وطنى، فإما وحدةٌ تسرُّ الصديق، واما فراقٌ نتقبله جميعا بنفسٍ راضية ولا نتجالد بعده بالسياط كشيعة كربلاء لألف سنة قادمة!

 

عن صحيفة ( الأحداث )

 

مقالات سابقة:

http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%E3%D5%D8%DD%EC%20%DA%C8%CF%C7%E1%DA%D2%ED%D2%20%C7%E1%C8%D8%E1&sacdoid=mustafa.batal