غربا باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


مثل غيرها من التجمعات الديموغرافية السودانية في الخارج، استعصى على جماعات المهجر الامريكي التوحُّد تحت رايات كيانات جامعة تعبر عن هويتها الثقافية، وتستثمر قدراتها، وتوجه طاقاتها. وذلك علي الرغم من ان قوانين النشاط الاهلي في الولايات المتحدة تحتفي بالاقليات، وتشجعها علي الانتظام في بنيات فاعلة، وتضع بين يديها أشكالا شتي من الدعم المالي واللوجستي.


ولطالما حيّرني، وأشكل علي قدراتي في استيعاب وتحليل الظواهر، هذا الاستعداد الفطري لكثير من السودانيين في الخارج علي تكلف ذرائع الخلاف، واصطناع وسائل الرؤية المختبرية للشوائب و الطحالب و السوالب في كل عمل جماعي.

هنالك دائما التشكيك في الغايات والاهداف، والدوافع الكامنة وراء كل مشروع عام. ثم ترصّد ما عسي أن يكون أهواءً ذاتية، او مصالحاً مادية، او اغراضاً سياسية قد تستخفي وراء كل من تسول له نفسه التصدي للعمل العام وتولي زمام المبادرة في شأن القضايا العليا، ايا كان مضمونها ومهما كانت اهدافها.

مؤخراً تلاقت ثلة من السودانيين في عدد من الولايات فأنشأت كياناً باسم المنظمة السودانية الامريكية للشئون العامة (سابا). واعتزمت ان تمارس نشاطها، ضمن أهداف اخرى،كمجموعة ضغط (Interest group) مشابهة للمجموعات التي يشكلها المهاجرون، ويستخدمونها لأغراض التأثير على مراكز صنع القرار الامريكي.

لم يكن مستغرباً أن يواجه الكيان الجديد أصنافاً من كيد محترفي النضال الذين تعج بهم امريكا. قال ايه؟ المنظمة مشبوهة، ووراءها عناصر (الانقاذ)! وعندما استعرت المزاعم هاتفت حبيبنا الاستاذ فتحي الضو، الذي سلخ ربع قرن من عمره يحارب نظام الانقاذ، وعزيته – وهو من مؤسسي المنظمة – ثم قلت له بلسان الفرنجة: "Welcome to the club"!

اولئك قوم استعصى عليها التمييز بين النظام وبين السودان، واستغلق عليهم الفرق بين الانقاذ وبين الاسلام. من ابرز خصائص هؤلاء انهم يفرحون لكل مصيبة تحل بالسودان: تقصف الولايات المتحدة مصنعاً للدواء في الخرطوم فيقيم هؤلاء الولائم والافراح. تزعم أمرأة بريطانية مخبولة ان العبودية تمارس في السودان، فيطيرون بالخبر وينشرونه في ارجاء الدنيا (خرج مساعد البارونة كوكس في برنامج دان راظر الشهير في اكبر الشبكات التلفازية الامريكية، واعترف بأن دعاوي الرق والعبودية كانت مختلقة، وان جهات معينة كانت تمول الحملة). كان ذلك في ماضي السنون، أما اليوم فانظر حولك تر العجب!

كلما انخلعت صبية من دين الله وأعلنت إلحادها، دقوا الطبل ونفخوا المزامير. وحيثما انسلت إمرأة من عقيدة الاسلام والتحقت بالنصاري أقاموا الاعراس. هل رأيت، أعزك الله، احتفالاتهم وابتهاجاتهم بوصول أبرار المرتدة الى روما؟ وكيف لا يبتهجون؟ والانقاذ، في ظنهم، قد هُزمت ودُحرت!
هؤلاء هم أسعد الناس بتفاحش آثار المقاطعة الامريكية للسودان، وانعكاسها على حيوات الناس اليومية. حيث حُظرت المعدات الطبية والادوية من دخول البلاد، وتعطلت المصانع الوطنية ومحطات الطاقة، وتوقفت الطائرات بسبب ندرة قطع الغيار.

بين يدي مجموعة من الرسائل بعث بها شباب غضّ، من خريجي الجامعات السودانية، يسألونني عن دور السودانيين الامريكيين في تنوير ممثلى مناطقهم في الكونغرس حول حجم المعاناة التي يواجهها شعب السودان، بينما النظام صامد في مكانه كالطود!

مما قرأت فى اولى الرسائل: (الحصار الامريكى واحد من القضايا الكبرى التى نكتوى بها جميعا نحن خريجو الجامعات.  أولاً نحن محرومون من التعليم المتوفر لأبناء الدول الاخرى من خلال الانترنت. وليس بوسع الخريج السوداني ان يتطلع الى زمالة امريكية فى اى تخصص يستلزم الجلوس لامتحان، الا بالسفر خارج السودان. فى حين ان رصفاءنا من دول الجوار يؤدون الامتحانات من داخل بلادهم، دون اى تكاليف سفر وغيرها)!

وكتب شاب آخر يعرض بلواه: (انا محاسب، واذا اردت ان احصل على شهادة CMA  فلا بد لي من السفر عدة مرات الى دولة اخرى للامتحان. وبفرض انني سافرت فإن كل البنوك الاجنبية لا تستقبل تحويلاً من السودان. حتى البنوك داخل الوطن العربى ترفض التحويل. التطلع التعليمي والمهني بالنسبة للشباب السوداني اصبح جحيماً لا يطاق).

ثم يسألني أحد الشباب: (ما رأيك باعتبارك واحد من الذين خبروا الشعب الامريكي جيدا في فكرة تكوين مجموعة عمل من كل الفئات الشعبية من طلاب ومزارعين ومصدرين وموردين ومرضى، تخاطب الشعب الامريكي مباشرة، للتعريف بحجم الضرر الواقع على أبناء الشعب العاديين في السودان. هل تعتقد ان اخواننا من السودانيين المقيمين في أمريكا سيقفون بجانبنا)؟

ردي على الشباب: نعم. ورسائلكم الآن، بين يدي الأحباب في قيادة المنظمة  الجديدة الفتية: المنظمة السودانية للشئون العامة (سابا). وأنا اعلم انها، في يومنا هذا، الكيان السوداني الوطني الوحيد في الولايات المتحدة القادر على التمييز بين النظام والدولة، وبين الحكومة والشعب .. وبين الاسلام والانقاذ!

نقلاً عن صحيفة (السوداني)