غربا باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تشتمل هذه المادة على مقالين: الاول بعنوان (كذب السفراء والمذيعون ولو صدقوا)، ردا على مقال الاخ السفير الاستاذ خالد موسى دفع الله بعنوان (شاهد على ضرب النميري للوزراء). والثاني بعنوان (خالد موسى: يا مؤمن يا مصدق)، وذلك ردا على مقال الاستاذ خالد الثاني بعنوان (مصطفى البطل: غالي والطلب رخيص).
نقلاً عن صحيفة (السوداني).



المقال الاول


كذب السفراء والمذيعون ولو صدقوا

(1)
كنت قد أزمعت الشروع في تسطير الحلقة الثالثة من سلسلة (معارضة الكراهية)، التي استغرقت فيها خلال الاسبوع الاخير، عندما وقعت على المقال المطول لحبيبنا السفير الاستاذ خالد موسى دفع الله، بعنوان (شاهد حي على ضرب النميري لوزرائه).
وزميلنا خالد، الكاتب الراتب بهذه الصحيفة الغراء، يطرّز بعباراته الزاهية الباهية، وفكره الناصع الماتع، صفحةً كاملة على نظام الروزنامة صباح كل أحد. وذلك نموذج كان يتبعه بإحسان حبيبنا الآخر، الكاتب الضخم، الاستاذ كمال الجزولي. ولن أقول ان خالداً اختطف - عفواً، وانما عنيت اقتطف -  فكرة الروزنامة من كمال. لأنني ان فعلت فسأضطر تلقائيا للقول بأن كمال نفسه اقتطفها مني، وحاشا ان ازعم ذلك. وكنت في اوائل التسعينات ومنتصفها اكتب في صحيفتى، طيبة الذكر (ظلال)، مساحة كبيرة تحت عنوان (يوميات مواطن)، على ذات المنوال، أبدؤها بالسبت واختمها بالخميس او الجمعة.

والحق الأبلج ان نهج كتابات الروزنامة نهجٌ  قديم، عرفته صحافة اوربا والولايات المتحدة منذ ستينات القرن المندحر، واقتبسته عنها الصحافة العربية والسودانية. كلنا أذن مقتبسون ومتشبهون بالفرنجة. وقد أفتى الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، وتبعه الفقيه العلامة الشيخ محمد الغزالى، بأن التشبه بالفرنجة – في هذه الضروب والمناحي – فلاح!

وعندما التحقت مؤخراً بصحيفة (السوداني)، متعلقاً بحبل سيدنا ومولانا جمال الوالى (الذي قال الشاعر في مدحه :"رُفع الحجابُ لنا فلاح لناظرٍ قمرٌ تقطّع دونه الأوهامُ / ملكٌ اذا علقت يداك بحبلهِ لا يعتريك البؤس والإعدامُ)، استقر رأيي على ان أعود الى  الكتابة على نمط الروزنامة كعهدي في التسعينات الذاهبة، متمدداً فوق مساحة صفحة كاملة كل اسبوع.  ولكن رئيس تحرير الصحيفة أنكر علىّ ذلك، وألح إلحاحاً أن اكتب عموداً بالصفحة الاخيرة لا يتجاوز خمسمائة كلمة، ووعدني ان فعلت بالمجد والشهرة. ولم يفلح او يعينني في أن أنال مرادي اصراري وترديدي أنني لا ابالي بالانتشار وذيوع الصيت، وأن التزامي بالكلمات الخمسمائة يشبه ارتدائي لقميص مقاس 18، بينما مقاسي الحقيقي 32!

ثم أنني ذكّرت الحبيب ضياء الدين بعبارة صديقنا المشترك البروف عبد اللطيف البوني، عندما سألته ذات يوم، بشأن الانتشار ودرجات المقروئية عند الكتّاب: "كيف يُشير العداد الالكتروني لموقع الصحيفة الى ان نسبة قراء اعمدتك ومقالاتك تفوق نسبة قراء الاستاذ محمد المكي ابراهيم، وهو من هو، وانت من انت"؟ فرد البوني: "ولكن استاذنا ود المكي سيجار كوبي تدخنه النخبة، بينما أنا سيجارة برنجي يشربني العوام"! وأنا اتطلع دائماً لأن أكون سيجاراً كوبياً مفتخراً، لا برنجياً (يبخبخني) زعيط ومعيط، ولكن من يقنع الديك؟!

(2)
على الرغم من أن روزنامة السفير خالد اشتملت على خمس موضوعات منفصلة رتبها بحسب اهميتها، اتسمت جميعها بالجودة والتجديد والحيوية، الا انه – ولغرض في نفسه - تخير آخر الموضوعات ترتيباً، وجعل منها عنواناً للصفحة بكاملها. ولا بد ان صاحبي هذا كان يعرف عني أنني لن أتركه يمضى في حال سبيله، بعد أن كتب ما كتب، يلمح – بل يصرح – بأن بعض ما أوردته في مقالات لي سابقات ربما استلزم منى اعادة النظر وإجالة الفكر. كتب خالد:
(تعميقا لديدنه المفتوح في استثارة الأسئلة وتنقيح التاريخ من المرويات الشفاهية الكاذبة والشهادات المزيفة، دفع الأستاذ مصطفى البطل في محرراته الصحفية مقاربات تشكك في الروايات الدارجة عن ضرب الرئيس الأسبق جعفر نميري لوزرائه. ومما عضد من وثوقية تشككه عمله السابق في مجلس الوزراء، حيث عمل وعاصر واحتك مع عدد من المشتغلين بالسياسة ومن الذين تمتعوا بحظوة الاستوزار، وربما لم يقف على شاهد يؤكد مزاعم الرواية الدارجة عن ضرب الرئيس نميري لوزرائه. وجهت هذا السؤال الى الهرم الإعلامي الكبير الأستاذ حسن عبدالوهاب الذي عمل في تغطية مناشط وزيارات الرئيس نميري الداخلية والخارجية. وكان بحكم رئاسته للوفد الإعلامي في السفريات الرئاسية يحق له مقابلة الرئيس وتزويده بالنشرات الإخبارية والإعلامية اليومية في أي وقت هذا إضافة الى جلسات الأنس والسمر التي تصاحب مثل هذه المناسبات. روى الأستاذ حسن عبد الوهاب مؤكدا مشاهدته شخصيا لموقف ضرب فيه الرئيس نميري أحد وزرائه، فقال إنه صحب نميري في رحلة داخلية بالقطار الى إحدى المدن، وأراد الدخول عليه في صالونه بالقطار لتسليمه النشرة الإعلامية التي كانت تتضمن أهم الأحداث العالمية والمحلية وهي أحد مصادر المعلومات المفتوحة والمهمة للمسئولين في ذلك الوقت قبل انفجار عصر المعلومات. وفوجئ بمشهد درامي يقوم فيه الرئيس نميري بضرب أحد الوزراء فوقف واجما أمام الباب فقال له الرئيس نميري: "يا حسن أنت زول شريف'؟ فرد على الرئيس بالإيجاب "نعم أنا زول شريف يا ريس"، فقال له نميري: "خلاص ما تتكلم عن الموضوع الأنت شوفتوا هسه". فلاذ الأستاذ حسن عبدالوهاب بالصمت وأصابته هاء السكت، ورفض أن يكشف عن اسم الوزير المضروب وفاءً للعهد الذي قطعه للرئيس نميري).

انتهي النص. وهو كما ترى – أعزك الله – يخاطب مزاعم لي أوردتها في مقالين سابقين، عرضت في اثرهما على صحيفة (الرأى العام)، ناشرة كتاباتي وقتها، ان تتبنى مبادرة للتحقيق والتحرى حول حقيقة تلك الادعاءات، يكون من مقتضاها توجيه النداء لكل من يزعم انه رأى بعينه الرئيس السابق يضرب وزيراً او مسئولاً تنفيذياً او (يشلته)، ان يتقدم ليدلى بشهادته. وها هو السفير يتلقف القفاز، بعد ان تخاذلت عنه (الرأى العام)، فيقول لي: غالي والطلب رخيص!

وأنا أقول لخالد: شكراً يا حبيب، بارك الله فيك. فلتصمد انت وصاحبك إذن، ونحن نمحص ونحصحص هذه الرواية. وانت سيد العارفين أن مثل هذه الشهادات لا تحط في كتاب التاريخ، ضربة لازب، من غير حصحصة!

(3)
الروايات عن ضرب و(تشليت) الرئيس السابق للوزراء والمسئولين وفيرة. وهي في جملتها روايات شفاهية، يرددها كثيرون ويؤمنون بها ايمان العجائز، كما يقول الغربيون، فهي عندهم كالقرآن لا تقبل الدحض. والحق أن التوثيق المدون الوحيد الذي وقفت عليه لسوء السلوك الانساني عند جعفر النميري هو ما ورد في كتاب الدكتور منصور خالد (السودان والنفق المظلم)، حيث شهد المؤلف بأنه شاهد الرئيس السابق، يمسك بكوب ماء ثم (يرش) به وجه المغفور له الاستاذ عبد الخالق محجوب، فاندلق الماء على جسد الرجل وملابسه. وكان ذلك بعد اسر عبد الخالق في ذروة أحداث الانقلاب الشيوعي عام 1971. وقد شكا النميري بعدها من ان قوم عبد الخالق أهانوه وأذلوه، حين اجبروه أن يخرج اليهم بملابس النوم، ويسير حافياً على رمضاء حارقة في هجير يوليو.ثم اوقفوه على قدميه الحافيتين داخل ناقلة عسكرية يسح فولاذها من هول حرارة الشمس سحّا.

أما أنا فقد ركنت دوماً الى التشكك في كل ما اسمع من روايات، لاسباب كثيرة. في مقدمتها تجربتي الخاصة في الحياة، وهي من صنف التجارب التي تسترجعها وتتأملها، ثم تعط ربك العجب. كم يا ترى عدد المرات التي شهدت حادثاتها ووقائعها بعيني رأسي، ثم سمعت غيري يحكي ويكتب عن مجرياتها، فأنكرت كل كلمة مما سمعت؟!
والرغبة المستكنة عند البعض في التبرع بالروايات، بعد تخصيبها بسماد الخيال الممراح، رغبةٌ عارمة تصعب مجاهدتها. أسألني أنا! وعندما أقول الناس فأنني لا اعنى العوام دون الخاصة، كما قد يتبادر الى ذهنك، أعزك الله. بوسعى ان أسرد لك مئات الأمثلة لشخصيات بارزة تجد منا كل تبجيل وتقدير واحترام، سمعتها تروى لغيرها مسارات أحداث شهدناها معا. ولا رابط بين الواقعات والمحكيات، الا في غمرات الخيال المغرض. وليست هي الأغراض وحسب. وانما هناك غريزة المباهاة، وادعاء العلم، والرغبة في الظهور بمظهر المطلع على الخبايا والاسرار. واشياء اخرى، لا نعلمها، الله يعلمها.

ما قولك في هذا المثال: تسمع سفيراً – لإسمه رنين - يحكي أمامك للآخرين عن وقائع لقاء بين رئيس دولتك ورئيس دولة المحروسة. فيروي كيف ان الرئيس المصري تعمد اهانة الرئيس السوداني واذلاله، وان رئيسنا ارتبك وعجز عن الرد. ولكن السفير المغوار – وقد فار الدم في عروقه – لم يطق صبراً، وبرغم حواجز البروتوكول اضطر للرد على الرئيس المصري وقال له: سيادتك، ما تقوله ليس صحيحاً!

تند عن ذاكرة الرجل، وهو يحكي عن بطولاته، ان من ضمن الحاضرين من كان رفيقاً له هناك في تلك العاصمة الاجنبية. وينسى ان ذلك الرفيق يعرف تماما ان السفير كان يجلس ساعة اللقاء واحداثه المزعومة الى جانبه كتفاً بكتف في قاعة مجاورة. وانه لم يحضر اللقاء اصلاً، فلم تكن له صفة تهيئ له مقعداً في مثل تلك اللقاءات الرئاسية. ثم ان اللقاء كان رأساً لرأس!
ثم خذ هذه منى: عقب اجتماع رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي بالراحل العقيد جون قرنق في اديس ابابا عام 1986، وقد كنت من حضور تلك الجلسة المطولة بجانب رئيس الوزراء، قبل ان نصد الى الخرطوم. في صباح اليوم التالي – واظنه صادف عيداً من الاعياد او عطلة رسمية – ذهبت لزيارة احد كبراء اسرتنا، وكان قد اصيب بنوبة قلبية اثناء وجودي في اثيوبيا. وجدت ضمن عُوّاده وزيراً سابقاً، تولى مناصب مفتاحية خلال حقبة مايو. وكان الرجل يحكي للحاضرين عن مجريات اللقاء بين رئيس الوزراء والعقيد قرنق، كما وصلته من مصدر موثوق بحسب زعمه. علت الابتسامة وجهي وانا اسمع منه حواديت تعزّ على الخيال.وادهشتني حماسته وهو يصف كيف ان العقيد قرنق اخرج مسدسه ووضعه فوق الطاولة امام رئيس الوزراء. وغير ذلك مما يشيب له الغراب!
(4)
زميلي الجديد، صاحب صندوق (فتأمل) في أخيرة (السوداني) المهندس حسين ملاسى وضع المادة التي كتبها السفير خالد موسى في قلب صفحته على الفيسبوك. وقد وجدت متعة زائدة في زيارة تلك الصفحة وقراءة تعليقات المشاركين. تبرع بعض هؤلاء الأفاضل بمعلومات (دقيقة) عن وزراء ومسئولين ضربهم جعفر نميري. وقد حصرت في صفحة الفيسبوك تلك وحدها حوالى عشرة وزراء تم ضربهم بال (كف) و(الشلوت). فضلاً عن شخصيات اخرى لم تتقلد الوزارة، ولكنها تعرضت لذات المحن والابتلاءات.منها رجل حمله جعفر النميري بيديه حملاً، ثم قذف به قذفاً عبر الحائط الى الشارع!

تذكرت عندها روايات مناضلي الكيبورد المتداولة في منبر سودانيزاونلاين الشهير، التي نسبت الى خالي الفريق بكري حسن صالح انه استدعى مدير شركة كنانة السابق، المهندس التجاني المرضي، وضربه بيديه و(شلته) بقدميه، بسبب اضطراب مزعوم في ادارة الشركة. فحمدت لله ان خالي اكتفى بذلك، فلم يلق بالرجل المسكين (ابن الدويم البار وصاحب عادل الباز) من شرفة مكتبه بالقصر الجمهوري الى النيل رأساً. وخطر لي ان خصيصة ضرب الوزراء والمسئولين بالكف و(الشلوت) ربما كانت ذات صلة بجينات الرؤساء السابقين، ورؤساء المستقبل، الذين ترتد اصولهم الى الاعراق النوبية في شمالي السودان. ولعل احبابنا في الجبهة الثورية، يضيفون هذه المعلومة الى صفحات (الكتاب الاسود) الشهير، فتكون واحدة من دعائم الدعوة الى اعادة تقسيم السلطة بين ملل السودان ونحله، بحيث تُنزع الرئاسة عن ابناء الشمال، وتُقصر على ابناء الأنحاء الاخرى، حماية لوزرائنا ومسئولينا من الضرب و(التشليت)!

في صفحة المهندس حسين ملاسي بالفيسبوك وجدت (عنبراً) كاملاً للوزراء المضروبين، وفقا لشهادات المشاركين الذين استندوا الى روايات متداولة عن وقائع الضرب. من ضمن المضروبين الذين وردت اسماؤهم: وزير المالية الأسبق ابراهيم منعم منصور، ووزير التعليم محمد التوم التجاني، ووزير النقل الدكتور بشير عبادي، ووزير الطاقة الدكتور شريف التهامي، ووزير التجارة الدكتور محمد هاشم عوض، ووزير الدولة ياسين حاكم، ووزير الدولة اللواء (الشاعر) عوض احمد خليفة. وهناك وزير آخر، فضّل المشارك، صاحب الرواية، ان يحجب اسمه على اساس ان (السترة واجبة)، ولكنه افادنا بأن هذا الوزير تم ضربه و(تشليته) في ساحة نادي الضباط بالخرطوم!

كما حامت شبهة الضرب و(التشليت) حول وزير الخدمة العامة والاصلاح الاداري حيدر كبسون، دون تأكيد قاطع. وبحسب شهادة المشارك ضياء بابكر، فأنه سأل الوزير حيدر كبسون شخصياً: "لماذا لم تُفسدوا عندما كنتم وزراء كما افسد الوزراء في عهد الانقاذ"، فرد الوزير السابق: "لم يكن بامكاننا الإفساد، لان النميري كان سيضربنا لو أفسدنا"!

المدهش انني لم اجد اسم (أشهر مضروب) في تاريخ مايو، وهو الدكتور محي الدين صابر وزير التربية والتعليم في اول حكومةبعد انقلاب النميري. وقد طارت رواية ضرب الرئيس للوزير محي الدين وحلقت في آفاق الدنيا، وترسخت وثبتت في تربة الحياة الاجتماعية في السودان، بحيث اصبحت اى محاولة لانكارها ضرباً من العبث. وأصل الرواية ان الدكتور محي الدين صابر ذهب الى الرئيس نميري عقب احداث انقلاب 19 يوليو الشيوعي، وتوسط لديه لتخفيف حكم الاعدام عن ابن اخيه المغفور له العقيد عثمان ابو شيبة، القائد الفعلي للانقلاب. وهنا نهض النميري من كرسيه وامسك بالوزير وصفعه على وجهه صفعةً أجفلت لها أركان القصر الجمهوري، ثم (شلّته) وضربه ضرب غرائب الابل. العجيب في الامر ان الدكتور صابر كان خارج السودان إبان أحداث يوليو، كما ان المرحوم ابوشيبة لم يكن ابن اخيه!

بيد انني ارتحت جدا وانفرجت أساريري عندما قرأت عند احد المشاركين في صفحة حبيبنا ملاسي في الفيسبوك رواية جديدة، لم اكن قد سمعت بها قبلاً، اوردها المشارك حيدر حسين. وقد جاء فيها ان النميري ضرب وزير الدفاع اللواء عوض خلف الله و(شلّته) تشليتاً، فلم يرض الوزير بذلك (ربما غيرةً على شرف القوات المسلحة)، فنهض الى الرئيس ورد له الصاع صاعين، وصفعه على وجهة صفعة مدوّية. وانا اطلب هنا من محررة (السوداني) اللامعة الاستاذة لينا يعقوب ان تسعى للاتصال باللواء عوض خلف الله. وقد علمت انه على قيد الحياة، بارك الله في عمره، فتستقصى لنا عن تفصيلات الصفعة النميرية الحادة، والصفعة العوضية المضادة!

اما المشارك عزالدين احمد المصطفى، نجل الفنان الراحل احمد المصطفى، فقد تقدم بشهادة فحواها أن أحد الوزراء كان يجلس مع النميري وآخرين، وعندما فتح الوزير فمه ليشارك في الحديث قال له النميري على الفور: "أسكت يا حمار". ولا شك أن (الحمورية) أفضل من الضرب!
(5)
أما عن شهادة الاستاذ حسن عبد الوهاب التي تفضل بنشرها عنه السفير خالد موسى فنقول وبالله التوفيق: حبيبنا خالد ناقل، ولا تثريب عليه. والاستاذ الاعلامي حسن عبد الوهاب من أفاضل ابناء هذا الوطن الغالي، وهو عندنا من الثقات. كل ما في الأمر ان لنا بعض ملاحيظ وتأملات حول الرواية التي جاءنا بها. وثقتنا عظيمة في أن صدره سيتسع لها، وأنه سيكون بإذن الله سنداً لنا في فك بعض طلاسمها بعد انأرهقنا أمرها، حتى خلنا انه ليس من معين لنا على حلها الا الجن!

قمت – أنا شخصيا – ولسنوات بمرافقة الرؤساء داخل وخارج البلاد، بحكم طبيعة العمل الذي كنت اضطلع به كأحد مستخدمي جهاز الخدمة المدنية في حكومة السودان. وكان للمهام التي نهضت بها صلة وثقي بالصحافة والاعلام. وقد تضمنت الوفود التي رافقتها عددا من الاعلاميين، يمثلون اجهزة مختلفة كالاذاعة والتلفزيون والاعلام المركزي ووكالة السودان للانباء والصحف المتعددة. على سبيل المثال كانت ادارة التلفزيون تبعث، وفقاً لطبيعة الوفد والمهمة، بمذيع او محرر اخبار، ثم اثنين او اكثر من المصورين، وكذلك الاذاعة التي ربما بعثت بمذيع وفني واحد. ثم توفر وزارة الاعلام  عنصرا او عنصرين من كوادر التصوير الفوتوغرافي. وهناك ممثلو الصحف. كل صحيفة تبعث بمحرر او اثنين، وهكذا. ولكنني لم اسمع قط بموظف حكومي يتبع اى من الاجهزة الحكومية يحمل لقب (رئيس البعثة الاعلامية)، الذي استفدنا من مقال خالد انه كان الصفة التي حملها الاستاذ حسن عبد الوهاب اثناء الرحلة الداخلية للرئيس التي وردت الاشارة اليها.

موظف التلفزيون (مذيعاً او محررا) يصعب جدا تصور ان يكون رئيسا لمذيع او محرر الاذاعة على سبيل المثال. ثم أنه ليست هناك ثمةرابط بين محرري الصحف، واغلب هؤلاء رؤساء أقسام، وبين المذيع او محرر التلفزيون حتي يتم تنصيبه رئيسا عليهم. وفي العهد المايوي كان رؤساء التحرير هم الذين يرافقون الرئيس بأنفسهم في مثل تلك الرحلات، وقد شغل هؤلاء مناصب تفوق درجتها وكيل الوزارة. بل ان مدير وكالة السودان للانباء في عهد مايو (الاستاذ مصطفى امين) كان في منصب وزير دولة. فما هو الاساس الذي بمقتضاه جري تعيين الاستاذ حسن عبد الوهاب،وكان وقتها مذيعاً بتلفزيون ام درمان في الدرجة الوظيفية (دي اس) آنذاك رئيسا ل(البعثة الاعلامية)؟!

من الالغاز التي واجهتني في الرواية ما تضمنته من أن الاستاذ حسن عبد الوهاب ذهب الى غرفة رئيس الجمهورية ليسلمه (النشرة التي تتضمن الاحداث الدولية والمحلية)، مع اشارة الى ان كل رؤساء الدول يتلقون هذا النوع من التقارير. وذلك صحيح بالطبع، وهو من أساسيات مهام المكاتب التنفيذية والمستشاريات الاعلامية للرؤساء. ولكن السؤال هو: ما دخل موظف بالدرجة (دي اس) في إدارة التلفزيون بشأن كهذا؟ ما هي الصفة التي تسوغ له الدخول الى الغرفة الخاصة لرئيس الدولة لتسليمه أوراقاً ديوانية خاصة برئاسة الجمهورية؟ أين طاقم مكتب الرئيس الذين هم حوله في الحل والترحال؟!

الذين عملوا بجانب الرئيس النميري، وكاتب هذه الكلمات من بينهم، يعلمون ان الدخول الى مكان وجود رئيس الجمهورية عبر اطقم الامن والحراسات والسكرتارية، دونه ولوج الجمل من سم الخياط. وكان الوزراء انفسهم – وما يزالون – يواجهون صنوفاً من العنت عند محاولتهم الدخول الى غرفة او مكتب رئيس الجمهورية. إذ ان هناك اجراءات بالغة التعقيد تتصل وتحيط بأمر الدخول على الرؤساء، داخل السودان اوخارجه.

الأدهى في هذه الرواية ان صاحبنا لم يدخل الى غرفة رئيس الدولة دون مسوّغ منطقي وتفسير عقلى مقبول وحسب. بل انه دخل عليه بغتةً ومن غير استئذان، وفاجأه في موقف لم يكن الرئيس يحب ان يراه فيه أحد. وذلك هو العجب العجاب بعينه!

بحسب ما نفهم من الرواية فقد وصل الاستاذ حسن عبد الوهاب، وكان وقتها محرراً ومذيعاً بإدارة التلفزيون حتي الغرفة الداخلية الخاصة لرئيس الدولة. ثم ادار مفتاح الباب، هكذا، دورة كاملة فانفتح الباب، فإذا برئيس الدولة وقد أخذته المفاجأة فارتاع، كون المذيع باغتهفي غرفته الخاصة داخل القطار،  وهو في موقف غير لائق!

ثم يكتمل المشهد الاخير فنرى الرئيس، الذي كتب في شأن طغيانه وجبروته شاعر الشعب محجوب شريف المئات من طروس الأشعار، وهو يستعطف موظف التلفزيون، ويستحلفه أن يستر عليه، ولا يفضحه بإذاعة الواقعه التي استخزى منها وأراد كتمانها!

بيد ان الذي استعصى عليّ فهمه هو المكون الاخلاقي للرواية، فهناك طلب – بل لعله استجداء - من الرئيس للموظف بأن يحفظ سره ولا يذيعه، وتأكيد من الموظف بأنه انسان شريف مؤتمن، ثم عهد منه بحفظ السر. وبطبيعة الحال فإن السر الذي عناه رئيس الدولة هو واقعة ضربه لأحد وزرائه. المتعدي هنا والمستخزي من فعله هو الرئيس، لا الوزير. فلا اثم هنا على الوزير، إذ هو في مبتدأ الأمر ومنتهاه مجرد رجل مظلوم. ومع ذلك فها هو المذيع (يذيع) السر، يتحلل من عهد الشرف الذي عاهده، دون ان  يكون قد استأذن الرئيس. مثلما يفعل الممثل المصري ابراهيم نصر في برنامجه الذائع (الكاميرا الخفية)، حيث يحرص على سؤال المواطن وسط حالة من الارتباك: "لو عايز نذيع قول ذيع"!
(6)
أما أنا فشهادتي للتاريخ لا تتبدل. وها أنا أعيد ما قلته من قبل، ثم أزيده. لقد اقتربت من الرئيس السابق على مدى سنوات خمس امتدت منذ 1980 وحتي 1985. كنت خلالها اجلس على بعد مترين فقط خلف كرسيه، اثناء جلسات مجلس الوزراء الاسبوعية الراتبة. ثم خلال العديد من لقاءات العمل الاخرى للجان العليا والوزارية وغيرها، بحكم كوني عضواً في هيئة سكرتارية ديوان الرئاسة. وشهدت بعيني رأسى كيف كان يتعامل الرجل مع وزرائه ومسئوليه. ولم يحدث قط ان رأيت الرئيس السابق يسئ الى أحد من هؤلاء بكلمةٍ نابية واحدة، ناهيك عن ان يضربه بيديه وقدميه.

كان النميري الذي رأيت أحرص الناس على هيبة الدولة ومؤسساتها، وكرامة رجالها ونسائها.

وفي القرآن: (وما شهدنا الا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين).

المقال الثاني
خالد موسى: يا مؤمن يا مصدِّق

(1)
عندما فرغت من مطالعة مقال أخي الذي لم تلده امي (بل ولدته الحركة الاسلامية السودانية)، السفير الاستاذ خالد موسى، بعنوان (مصطفى البطل: غالي والطلب رخيص)،تعقيباً على مقالي الخميس الماضي الذي وسمته (كذب السفراء والمذيعون ولو صدقوا)، كان أول ما خطر ببالي العبارة المأثورة: "المؤمن صدّيق".


وخالد بغير ريب رجلٌ  صدّيق.وتلك مكرُمة ربانية، إذ أنها من علائم كمال الايمان وتمامه. كما انها من دلائل كرم الأصل وطيب الغراس.وقد أثنى الله على سيدنا ابراهيم فقال في التنزيل المجيد( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ).


تقول العرب ان الصدّيقية عندما تلحق بأحد فإنها إنما تؤشر لثبات خلة الصدق وركوزها في خويصة قلبه. بمعني انه كلما كان الانسان صدّيقا، يُصدّق كل ما يُقال له، كان ذلك عنوانا على أصالة صفة الصدق عنده، فهو لا يستسهل التصديق إلا لأنه انسانٌ صادق. ولأنه كذلك فإنه لا يخال صفة الصدق تند عن غيره ولو للحظة!
(2)
صل على النبي يا خالد يا حبيبنا، ثم اسمع مني: المرحوم الصحافي الكبير حسن ساتي، غفر الله له، وقد عاصرناه وعاصرنا رئاسته لتحرير (الايام) في عهد النميري، كانت له دعاوٍ كبيرة، بحجم جبل التوباد. ولكن الحقيقة تبقى، وهي ان الرجل لم تربطه صلة دم وقربى بالرئيس الراحل، بل ولم يكن منتمياً اصلاً الى أرومته العرقية النوبية. وليس صحيحا انه كانت له صلة خاصة - من اي نوع وبأى وجه من الوجوه - بالرئيس النميري، كما قيل لك، فآمنت وصدقت.

وليس صحيحاً أن الاذاعي الاستاذ حسن عبد الوهاب كان من المعارضين لمايو ونظامها. وكيف يكون معارضاً، وقد بذل أنضر سني حياته قائماً على ثغرة النظام الاعلامية في همةٍ وفتوةٍ وحماسة سارت بذكرها الركبان، تحتظلال الاتحاد الاشتراكي الوارفة. وبنى مجده وشخصيته الاعلامية على انه بوق لنظام مايو ومبادئها وغاياتها؟ ألم تر كيف نسب الى نفسه خصوصية الصلة بالرئيس المخلوع، ثم استأنس بتلك الخصوصية؟!

ولو صح انه كان معارضاً، فلا بد أنها من سنخ معارضة الراحل الاستاذ على أبوسن، غفر الله له، وصنف معارضة قوميسار المراكسة الاسفيريين الدكتور حسن موسى، أطال الله في عمره. كتب الاول في مذكراته، بعد ان سقطت مايو بالطبع، أنه كان من أشد معارضيها، وان الرئيس السابق كان يمقته لهذا السبب. ثم زعم أن الصحافي  الكبير الراحل محمد الخليفة طه الريفي نشر خبراً عنه مرفقاً بصورة فوتوغرافية له، وأن الصحافي الكبير كاد يفقد وظيفته بسبب تلك الجليطة. لماذا؟ لأن الرئيس السابق ما أن رأى الخبر والصورة حتي استشاط غضباً واهتاج، وتساءل: كيف يُنشراسم على ابوسن وصوره في صحف الدولة وهو معارض شرس للنظام؟ هل تعلم يا خالد يا حبيب، أين كان أبوسن وقتها؟ صدق او لا تصدق، كان موظفا في وزارة الخارجية. أى والله. كان في درجة سكرتير اول، وكان منتظماً ومداوماً في عمله!

أما الشريف الماركسي الدكتور حسن موسى فقد ملأ الأسافير بدعاويه المجلجلة انه عارض جميع الشموليات في تاريخ السودان وقاومها مقاومة عنيفة. ومن منطلق هذا الزعمنصّب نفسه مفتشاً عاماً على المثقفين السودانيين يرفعهم ويخفضهم وفقاً لمعايير صارمة في المواقف من الانظمة  الشمولية. ثم أتى بسرير بحسب مقاس جسده، مثل سرير بروكست الذي ورد ذكره في الاساطير الاغريقية.هو سرير النضال والشرف والبسالة في مقاومة الشموليات والدكتاتوريات. وطفق قوميسار المراكسة يلزم كل مثقف سوداني بأن يستلقي على سرير النضال ذاك. فإذا كان المثقف اقصر قامة مطه مطاً حتي يستقيم ويستوي. وان كان اطول قامة قطع له ما ناف من الطول. وقد هرب من سرير القوميسار مثقفون كُثر خوفاً من الهلاك!


هل تعرف يا خالد، يا صديقي، أين كان قوميسار المعارضة الماركسية الدكتور حسن موسى في السبعينات؟ صدق او لا تصدق، كان الرجل من انشط الكادرات الاعلامية لتنظيم الاتحاد الاشتراكي ومحرراً لامعاً في صحف التنظيم. كما التحق بتلفزيون مايو، في عزّ سنوات الردة عن الخط الاشتراكي الى اليمينية، وبذل في بناء آلة الدعاية المايوية بذلاناً جاوز المدى. بل ان اخلاصه في تدوير اجهزة البروغاندا الشمولية جلب له رضا الرئيس وعطفه، اذ اعجب النميري بشعار احدي برامج التعبئة السياسية التي صممها القوميسار، فأمر بمنحه مكافأة مالية، تقديراً لتفانيه وانتاجه الابداعي  في خدمة النظام!

ولو أردت – أعزك الله - قائمة مستوفية بأسماء الذين تفانوا في بناء المعبد المايوي، ومشوا في مناكب النميري، مثل القوميسار حسن موسى وأشباهه، ثم ادعوا بعد انهيار نظامه أنهم كانوا من  اشرس معارضيه فأسألني، تجد عندي ما يسرك. ولكنني سألزمك بقيمة تكلفة الماسحة الضوئية، لأن عدد الاوراق كبير!
(3)
توجهت بالسؤال، بعد قراءة المقال الخالدي، الى الدكتور عبد الله جلاب. وهو علمٌ على رأسه نار.وقد عمل هذا الحبيب بالصحافة والاعلام منذ العام 1969، ورافق الرئيس النميري في رحلاته الداخلية والخارجية، وتولي عددا كبيرا من الوظائف المؤثرة في قطاعي الصحافة والاعلام. ختمها مديرا عاماً لمصلحة الاعلام ووكيلا بالانابة للوزارة. كما عمل في الثمانينات مستشاراً اعلامياً بسفارتنا بلندن.

شهادة جلاب - وأنا مأذونٌ منه– أنه،مثلى، لم يسمع طوال سني خدمته عن(رئيس دائم للبعثات الاعلامية المرافقة للرئيس).كما لم يسمع عن مذيعين وموظفين يدخلون على الرئيس غرفته الخاصة بدون استئذان. وشهادته عن (نشرة الاحداث الدولية والمحلية)، وهي نشرة خاصة كانت تعرف باسم (النشرة السرية)،  انها كانت منذ أغسطس 1970 شغلاً حصرياً واختصاصاً فردياً لوكالة السودان للانباء، يشرف عليها مدير الوكالة بنفسه، ويتم عرضها على الرئيس وفق ضوابط ديوانية.
(4)
ولكن مقال حبيبنا السفير اشتمل على حُجج شهباء، وبينات وقرائن غاية في الوجاهة، في مواجهة مزاعمي. فمن رأى خالد أن  النميري تقلد الرئاسة لمدة ستة عشر عاما. وكوني عملت الى جواره لفترة خمس سنوات لا تجيز لي ان أعمم حكمي على كامل فترة رئاسته. كتب صاحبي: "شهادة البطل محدودة الصلاحية، اذ ان فترة نفاذها تستمر خلال الفترة 1980 الى 1985".

والحق أنني ذكرت الفترة التي عاصرت فيها الرئيس، وحصرتها حصراً زمنيا، ثم ختمت شهادتي بالآية الكريمة من سورة يوسف (وما شهدنا الا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين). بيد انني لم أكن في الاصل قد أسست قناعتي العامة - بأن الروايات عن ضرب الرئيس السابق لوزرائه يشوبها التزيّد وتغلب عليها الصنعة - على مشاهداتي خلال فترة زمنية بعينها. بل انني قدمت بينات وقرائن اخرى متضافرة. فضلاً عن ملاحظات ومشاهدات مؤداها أن اعادة تخليق الوقائع، وتلفيق الأحداث،بل وتصنيعها جملة واحدة، ثم روايتها ونشرها على اوسع نطاق رياضة فاشية في مجتمعاتنا. ولا شك أن الوقائع والاحداث المصنوعة، المنسوبةالى القيادت السياسية، هي الادني الى الانتشار السريع والثبات في الوعى العام، اكثر من غيرها.ولا يقتصر الأمر هنا على الرئيس النميري وعهده بطبيعة الحال، بل يطال كل العهود والقادة.
وقد ذكرت ضمن حلقات سلسلتي (قبيلة عبد الباسط سبدرات)، التي نشرتها صحيفة (الخرطوم) قبل عدة أشهر، نماذجاً من الروايات التي انتشرت وسيطرت على العقول عن رئيس الوزراء السابق الامام الصادق المهدي ابان عهد الديمقراطية البرلمانية الثالثة، ولم يكن لأى منها بالحقيقة صلة. ولكن تلك الروايات بلغت من القوة والفتوة والثبات في اذهان الناس، بحيث ان صحافياً مُهاباً كالراحل الاستاذ الكبير بشير محمد سعيد، أحد عمالة الصحافة السودانية، وقع ضحية لها. وقد كتب بشير في زاويته الشهيرة بصحيفة (الايام) عام 1988 يلوم رئيس الوزراء ويقرعه تأسيساً على احدي تلك الروايات المصطنعة الفاشية. فاضطر رئيس الوزراء الى عقد مؤتمر صحفي يكشف فيه الحقائق ويُبطل تلك الرواية المخترعة!

ثم أن تلك سمة واسعة وعامة، تغلب على حياتنا الاجتماعية السياسية، بل والثقافية. ولا تمر فترة من الوقت الا وينكشف النقاب عن بطلان بعض الوقائع والروايات الراسخة التي تقع منا موقع اليقين المطلق لكثرة ما يرددها الناس في دارج حيواتهم،على ظنٍ من الوهم انها تعبر عن الحقيقة. وقد دهشت قبل فترة عندما خرج علينا رمز ثقافي كبير وجابهنا بأن عبارة (القاهرة تكتب وبيروت تطبع والخرطوم تقرأ)، التي ظللنا نفخر بها منذ يفاعتنا، وعلى مدي عقود من الزمان،ونؤمن بأن أحد النمور الثقافية العربية قد اطلقها، عبارة مزورة ومكذوبة. وان العبارة في نصها الأصل تقول: (القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ)!

كم عدد المتعلمين السودانيين الذين توافدوا على بريطانيا خلال نصف القرن الماضى، وقد استقر في يقينهم أن مبنى رتلاند غيت الشهير في لندن، اشتراه السيد عبد الرحمن المهدي واهداه لحكومة السودان، حتي يكون سكناً وملتقى للمبعوثين السودانيين في بريطانيا بعد ان رأى معاناتهم؟ كم عدد المرات التي رددنا كلنا فيها – وفي معيتنا كبراءنا وقادتنا ومسئولينا - تلك الرواية، بثقة المطلع الراسخ في العلم؟ ثم أنظر كيف كان الحال عندما خرج على الناس قبل أشهر قلائل احد سفراء السودان السابقين في لندن، واعلن أنه شك في الامر وحقق فيه إبان توليه السفارة، ثم اكتشف ان الرواية مصنوعة، وان السيد عبد الرحمن لم يشتر ذلك المبني ولم يهده الى الحكومة. وان المبني اشترته حكومة السودان واقتنته قبل نحو ستين عاما، مثلما تقتني اى سفارة العقارات في العواصم الاجنبية!
(5)
خلال السنوات العشر التي سبقت إكمالي مرحلة الدراسة الجامعة والتحاقي بخدمة الحكومة، طارت في السماء وتوطنت في الارض روايات شتى عن وزراء ضربهم الرئيس السابق. وقد ناقشت هذه الروايات مع عدد كبير ممن عاصروا تلك السنوات، سواء من الوزراء انفسهم، او السياسيين وقادة الخدمة العامة والموظفين التنفيذيين، او من رجال المراسم والامن والحرس وغيرهم.

ومن عجب ان الوزير السابق الاستاذ على شمو، الذي سعى حبيبنا خالد للاستنصار به في مقاله، كان واحداً من الذين ناقشت معهم هذه الروايات بتفصيل واستفاضة. وذلك في اطار بحثي المتصل آنذاك عن الحقائق. ويمر أمامي في هذه اللحيظات شريط ذلك اللقاء عام 1984 بإحدى قصور السلطان قابوس في العاصمة العمانية مسقط، أظن اسمه (قصر الغبرة). كان من شهود اللقاء، بل والمشاركين  فيه من الأحياء،العميد حسن صالح بيومي مدير الاستخبارات الخارجية في جهاز أمن  الدولة آنذاك، والسفير جلال عتباني. ومن الراحلين المغفور له السفير ومدير جهاز الامن القومي السابق على نميري. وقد خلص البحث ليلتذاك الى ان جميع تلك الروايات من نسج البشر، أنشأتها خيالات خصيبة في رؤوسٍ ادمنت مثل هذا النوع من الحواديت واستعذبته!

من بين من ناقشتهم في اطار بحثي الاستقصائي من أبدى لي ملاحظات غاية في الوسامة. قال لي سياسي مخضرم عاصر حقبة مايو وما قبلها، انه تنبه الى ان بعض الروايات يتم تعديلها بعد اطلاقها، بحيث يتم تلافي جوانب الخلل والضعف المنطقي فيها. على سبيل المثال، سرت الرواية عن ضرب الرئيس السابق لوزير النقل والاتصالات الدكتور بشير عبادي لبعض الوقت. غير انها لم تجد حماسة كافية في الشارع والمجتمع، حيث ان الدكتور بشير عبادي – حفظه الله - يتمتع ببسطة في الجسم، طولاً وعرضاً، بحيث يمتنع عقلاً ويصعب، بل ويستحيل عملياً ان يتمكن الرئيس السابق (وهو قصير القامة نسبيا) من ضربه. وهنا جرى تحوير مسار الواقعة المفترضة، بحيث اصبحت الرواية الجديدة، بعد التعديل، تقول ان الرئيس رفع يده يريد ان يضربه، ولكن الدكتور بشير عبادي أمسك بيد الرئيس وقال له: "يا ريس، انت الله ما ليك ولا شنو"؟!
(6)
ويميل السفير خالد الى الظن ان النميري كان في بدايات حكمه اى (في نسخته الباكرة)بحسب تعبيره، أكثر ميلاٌ الى العنف. ويفترض بالضرورة انه تعقل واعتدل في الفترات اللاحقة. وربما كان ذلك السبب في كوني – بحسب صاحبي - لم اشهد أياً مما قيل عن ضرب الرئيس لوزرائه، باعتبار ان اغلب الضرب قد حدث في النصف الاول من سنوات مايو. وهو تحليل قد يسنده المنطق العام وطبيعة الأشياء، ولكن نتيجته في حقيقة الأمر لا تصف الواقع.
الراصدون لتاريخ مايو يعرفون ان حكومات النميري ضمت وزراء عقائديين واخرين من الشخصيات الوازنة في سنواتها الممتدة منذ 1969 وحتى منتصف السبعينات. والواقع ان النميري– وانا ادرك تماماً ان حديثي هذا مما يصعب على البعض تصديقه - كان يهاب كثيرا من وزرائه خلال  السنوات الاولى لحكمه، لا العكس، كما يظن الناس. بل ان النميري ضاق بهؤلاء الوزراء ذرعاً وتمنى ذهابهم. وليس أدل على ذلك من خطابه الشهير عام 1975، الذي كتبه مستشاره الاعلامي الراحل العقيد محمد محجوب سليمان، والذي وجه فيه نقداً حاداً لعدد من اعضاء مجلس الوزراء، وعزل بعضهم واحال آخرين الى  مناصب بديلة.

والذي يطلع على ذلك الخطاب ويتمعن فيه يدرك تماما ان النميري كان قد ضاق بأولئك الوزراء، لا لشئ الا لقوة شخصياتهم وجبروتهم وسلطتهم المعنوية الطاغية، التي كادت تلقي بظلالها على سلطته. ولا غرو ان الخطاب اشتمل على فقرة جاء فيها ان بعض هؤلاء الوزراء كانوا يتصرفون في امور الدولة وكأنهم اصحاب الحل والعقد في كل شئ. كما وردت اشارات الى ان بعضهم لم يكونوا يقيمون لرأس الدولة ما يستحق من وزن، او يبذلون له ما هو اهل  له من احترام.

ولم يتردد أحد الوزراء المعنيين، وهو المغفور له الدكتور جعفر محمد على بخيت، فسطر مقالاً ألزم جريدة (الصحافة) الرسمية بنشره، يرد فيه على الرئيس نفسه، ويسخر من مستشاره الصحفي الذي كتب خطاب الرئيس. ومن آيات سخريته واستهزائه بالمستشار انه عنون مقاله: (القصير بلاع الطوال). أما الطوال فهم الوزراء الذين عناهم الرئيس، وواضح لكل ذي عينين ان القصير هو المرحوم المستشار العقيد محمد محجوب سليمان، وكان قصير القامة!

وهذا الصنف من الوزراء الذين ظلت تتشكل منهم حكومات مايو حتي النصف الاخير من السبعينات، من شاكلة الراحل الدكتور جعفر محمد على بخيت والدكتور منصور خالد والمرحوم عمر الحاج موسىومن هم  في وزنهم، لم يكن الرئيس  ليجروء على الاساءة اليهم، ناهيك ان يمد يده ليضربهم، كما تزعم الروايات المخبولة.

المتفق عليه بين من مؤرخي  الحقبة المايوية، ان مستوي التوزير كان على درجة عالية من الرفعة الشخصية والمتانة الخلقية والكفاءة المهنية في النصف الاول من ذلك العهد. ثم اخذ ينخفض تدريجيا في المراحل التالية. وحتي ذلك الانخفاض لم يعد ان يكون انخفاضا نسبياً، لأن هناك عدد كبير من وزراء الحقب الاخيرة كانوا على مستوى متقدم من السمو الاخلاقي وقوة الشخصية والاعتداد بالنفس. ومن يظن ان قيادياً سودانياً في وزن وقامة ابراهيم منعم منصور يمكن ان يقف امام الرئيس، ويتلقى صفعة على وجهه، ثم ينصرف عائدا الى مكتبه ذليلا محقوراً ليواصل عمله– كما سرت الذائعة - من يظن ذلك فإنه بالقطع لا يعرف السودان، ولا يعرف شعبه، ولا يعرف قبائله، ولا يعرف رجاله!
(7)
لا بأس. لسنا  وحدنا. في مصر المحروسة، هناك رواية عتيدة عن ضرب الرئيس جمال عبد الناصر للرئيس أنور السادات. يقول أحبابنا في شمال الوادي في تعليل غرة الصلاة الضخمة التى كانت تشخص على جبينه، ان السادات لم يكن يصلي حتي تنشأ للصلاة غرة على جبينه.وان حقيقة الامر هي انه كان كلما أراد ان يتكلم في حضرة عبد الناصر خلال سنوات حكمه،كان عبد الناصر يخبطه خبطةً شديدة على جبهته، ثم يقول له: "يا شيخ اتلهي"! وبمرور الزمن، ونتيجة لكثرة الضرب، تشكلت تلك الغرة على وجه الرجل!
(8)
ومثلما ان حبيبنا خالد مؤمن وصديق. آمن وصدق كل كلمة سمعها من صاحبه الاستاذ حسن عبد الوهاب،فكذلك أنا مؤمن وصديق. آمنت وصدقت ما حصلت عليه من نتائج الاستقصاء والتحري، ومن شهادات نخبة  عزيزة  من كرام السودانيين الذين اقتربوا من النميري في مراحل كنت فيها بعيدا عن دوائر النميري ودواوينه. كما أنني تأملت في تجربتي الشخصية الى جانب الرئيس السابق، واستخلصت عبرتها، ثم آمنت بنفسي وصدقتها، حين كذبني الناس!

رحم الله النميري، وغفر له، ولنا جميعاً.

وللحبيب خالد الثناء أجزله، والمودة كلها.

نقلاً عن صحيفة (السوداني)
////////