غربا باتجاه الشرق
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
رسخت في ذاكرتي عبر عهود متعاقبة امتدت منذ ثمانينات القرن الماضي عبارة للدكتور الحبر يوسف نور الدائم وردت ضمن حوار كانت قد أجرته معه صحيفة يومية عام 1987. الموضوع: اهتمامات المتعلمين السودانيين وطبيعة الموضوعات التى تعتلي دفاتر أجندتهم. قال الدكتور الحبر: "الذي يتابع ما يدور من مجادلات بين متعلمينا تتأكد عنده قناعة بأن مشكلتنا الاساسية هي عدم وجود قضايا عليا"!
أعجبني مصطلح "قضايا عليا"، واتخذته منذ ذلك العهد معياراً لمحاكمة القضايا المطروحة في الساحة، ومقايسة أوزانها وتقدير قيمتها، فكان كلما احتدم النزاع حول أمر سألت نفسي: هل هو قضية عليا، ام هو من نوع (الدافوري) المألوف، الذي أدمنه المتعلمون السودانيون، حفظهم الله وصانهم؟!

أحتار أحيانا من كثرة المرات التي تردني فيها ضمن بريدي الراتب أسئلة متلاحقة من شاكلة: ما هو موقفك من قضية حلايب؟  ذات مرة حاصرني بعض القراء وألحوا في السؤال بحجة أنهم لم يسمعوا رأيي حول (استعمار مصر لحلايب). وعجبي لا ينقضي: أنظر من حولي الى بلد تضرب قبائلها رقاب بعض، ويُنتهك نسيجها، وتُنتقص من اطرافها، بل وتُهدد في أصل وجودها، والقوم مضطرمون: متى نحرر حلايب؟!
قلت لبعض هؤلاء في معرض الرد ان تكويني الايديولوجي والسياسي اتحادي صميم، فأنا في الاصل أنتمي وجدانياً الى التيار الوحدوي داخل المنظومة الاتحادية الديمقراطية الواسعة. وهو تيار عُرف تاريخيا بالدعوة الى وحدة وادي النيل. صحيح انه تيار حسير وعضير ومكسور الجناح، ولكن اسمه "تيار" والسلام! ومن الطبيعي ان امثالي لا يأبهون لحلايب، وقعت على هذا الجانب او ذاك من الحدود السياسية!
ثم سألت أنا هذه المرة: حلايب ليست منطقة مغلقة، بل هي مدينة مفتوحة، مثل غيرها من المدن، فأين اهلها؟  هل نما الى علم أحد أبداً أن صحافياً سودانياً ذهب الى حلايب واستفتي سكانها واستقصاهم عن رغباتهم الحقيقية؟ هل سمعنا أبداً ان بعض المنتمين لتلك المنطقة كونوا مليشيات مسلحة، او غير مسلحة، تحت اسم: حركة تحرير حلايب؟ سيّما واننا نعيش زمن المليشيات والحركات التحريرية. أنظر الى هذا الكم من التنظيمات السياسية والعسكرية في شرقي السودان؟ كيف لم يفكر أى ابن من أبناء حلايب الاصلاء في تشكيل منظمة او حزب اوحركة - على الاقل من قبيل (طق الحنك الثوري) - فيدخل مع الداخلين الى مولد المنظمات والحركات ويرفع راية تحرير حلايب؟
لست مطلعاً على الوثائق التاريخية  التي يتمحور حولها النزاع، وهي في نهاية المطاف وثائق دولة مستعمرة، استعمرت مصر والسودان معاً، وعبثت بالحدود كلها شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوبا. ولكنني أعرف ان الاستاذ محمد ابراهيم نقد، السكرتير العام السابق للحزب الشيوعي السوداني، اطلع عليها فقد سلخ الراحل العزيز سنوات عزيزة من عمره ملازماً لأرتال الوثائق المتربة في الدار القومية للوثائق السودانية. ثم خرج ذات يوم عن حذره المعتاد فقال لوفد من احدي مناطق السودان زاره في مكتبه ما مؤداه أنه ليس على يقين من أن حلايب سودانية. وعينك ما تشوف الا النور! وإيش يعني محمد ابراهيم نقد؟ وهكذا رصّع المناضلون من متعلمينا الأشاوس صدر الرجل بوسام (الخيانة) من درجة فارس، وكسوه وشاح (الخيبة) من الطبقة الاولى!
هل هو الحرص على حلايب وأهلها؟ لا أظن. بل هي غيبة (القضايا العليا) والرغبات المستكنّة الدائمة في ايجاد مادة (للنضال). وهكذا وعبر السنوات أصبح تقليد الهجوم على مصر واهلها والاساءة اليهم مرادفاً للوطنية عند بعض الباحثين عن (قضايا).
ألم تر – أعزك الله- جمهور المتعلمين الثائرين فوق ورق الصحف ومساطب الشبكة الدولية بسبب ظهور ممثل سوداني في مسلسل (سرايا عابدين) المصري مؤخراً، وهو يؤدي دوراً متواضعاً. قالوا: مصر تتعمد إذلال السودانيين وتحقيرهم، فتظهرهم في المسلسلات في ادوار البوابين والطباخين والسعاة والخدم!
السياق التاريخي الذي تدور فيه الروايات موضوع النزاع يقتضى ان يكون الباشوات والحكام واهل الحظوة من الأتراك والشركس، وان يكون البوابون والطباخون والسعاة سود البشرة، وليس العكس!
ماذا قلت؟! سياق تاريخي؟! لا سياق تاريخي ولا بطيخ بعد اليوم! هبوا يا قوم لنجعل من مسلسل (سرايا عابدين) قضية عليا. فلنقف جميعا، صفاً واحداً وراء حملة عارمة تدعو القائمين على أمر الدراما في المحروسة لإحداث تحول جذري في أداء الفن المصري. لنطالب ومن الآن فصاعداً بأن يُسند دور الخديوي والباشا والوزير الى من هو أسود البشرة، وليقتصر دور الحجاب والسعاة والطباخين والبوابين على ذوي الاصول التركية والشركسية!
بالمناسبة، مالهم البوابون والطباخون والسعاة؟ ما هو العار والشنار في ان بعض اهلنا من السوادنة هاجروا الى مصر وغيرها بحثا عن حلال الرزق، فاتخذوا من هذه المهن وشبيهاتها اعمالاً لهم؟!
هل صحيح ان المصريين يحتقروننا ويتعمدون اذلالنا، أم اننا نحن الذين نحتقر انفسنا وتملؤنا العقد النفسية؟!
يا دكتور الحبر: اخبرتنا، قبل ثمان وعشرين عاماً، عن تعلقنا بالدونكيشوتيات وافتقارنا الى (قضايا عليا). وها نحن على اعتاب العام 2015 نراوح مكاننا!
أغفر لنا يا مولانا خيبتنا، ثم أدع لنا! 
نقلاً عن صحيفة (السوداني)