غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نسب الرواة الى مُناضل بن ثائر بن أبي مُنتفِضة قوله لحوارييه: "أنواع العذاب ثلاث: عذاب الهُدهد، وعذاب الانقاذ، وعذاب القبر". ولكن الثقات من العلماء ثبّتوا عذابى الهدهد والقبر، ونفوا عذاب الانقاذ، ونسبوه الى الاسرائيليات، وتزيّدات المتزيّدين الوضّاعين من امثال ابن أبي مُنتفضة. لعنهم الله أينما ثقفوا!

أما عذاب الهدهد فقد جاء خبره في الآية الكريمة من سورة النمل (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ / لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ). وقد قيل ان الهدهد غاب عن طابور العرض وكان غيابه ملحوظاً، لأن مكان الهدهد يحجب الشمس عن سيدنا سليمان، فلما بدت الشمس لعينه أدرك غياب الهدهد، فتوعّده بالعذاب الشديد.

ولكن العذاب الذي تعرض له مؤخراً الصحافي والاعلامي المصري اللامع ابراهيم عيسى، على يد جمهرة من المنتسبين للتيارات الدينية المختلفة، كان عذاباً أليماً، دونه عذاب الهدهد. وقد فتح عيسى على نفسه أبواب جهنم عندما ادعى من، خلال برنامجه التلفزيوني، انه لا يوجد شئ اسمه عذاب القبر، وساق على ذلك بعضاً من الأدلة القرآنية والعقلية.

تذكرت - وانا اتابع انباء الحملة العارمة ضد الصحافي المُنكر لعذاب القبر - فقرات من كتاب (في حياتنا العقلية) للمفكر الفيلسوف الدكتور زكي نجيب محمود، الذي قال في وصف حالة الإدراك العربي: "كهفٌ قعد فيه ساكنه بحيث أدار ظهره لفتحة الخروج واتجه ببصره نحو الجدار الداخلي"!

واضاف بأنه أراد ذات يوم ان يتعرف على قراءات الشباب الجديد، فخرج الى حدائق جامعة القاهرة، وكان استاذاً بها، فرأى طالباً في سن التاسعة عشر يقرأ كتاباً تحت شجرة، فمضى اليه وطلب من ان يريه الكتاب الذي يطالعه. قال زكي نجيب انه صُعق عندما رأى عنوان الكتاب وهو: (عذاب القبر). ثم تساءل: "هل هناك ثمة أمل في ان تنهض اُمتنا وشبابها الغض، الذي نعقد عليه آمالنا في بناء دولة العلم الحديثة، منشغلٌ عن الدنيا من حوله بعذاب القبر وهوله"؟!

وقفت كثيرا عند الحجة العقلية التي تخندق عندها ابراهيم عيسى في مواجهة الثائرين، وقد بدت لي حجةً غرّاء ذات قدر من الوسامة. قال الرجل: الزعم بوجود عذاب في القبر يناقض فكرة يوم الحساب المعلومة بصريح نصوص القرآن. كيف يكون هناك يوم واحد لحساب العالمين من لدن آدم الى قيام الساعة، وسؤال وجدال وصحائف تُعطى باليمين واخرى بالشمال، وميزان ووزن للاعمال، وفي ذات الوقت يكون هناك عذاب آخر في القبر قبل يوم الحساب؟!

الزعم اذن بوجود عذاب في القبر يناقض العدالة الالهية، ويهزم فكرة الحساب من اصلها، إذ يمتنع عقلاً ان يكون هناك (حساب قبل يوم الحساب). تعالى الله سبحانه عن ذلك علوا كبيرا.

الدليل العقلي عند ابراهيم عيسى مثير للانتباه حقاً، ولكن حجته الدينية متهافتة. إذ يقول الرجل انه لا توجد أدلة قرآنية صريحة بشأن عذاب القبر، وأن تجريم من يقول بعدم وجود عذاب القبر يدل على ان المتزمتين الدينيين يقدمون كتب البخاري ومسلم على القرآن. ونحن نعلم يقيناً أن السنة مكملة للقرآن، وان كثيراً من أساسيات الدين أجملتها السنة دون ان يرد لها ذكر في الكتاب المُبين.

الهجوم الضاري الذي تعرض له ابراهيم عيسى من علماء المحروسة، صورة مصرية لحالة مشابهة عندنا في السودان. فقد تعرض الشيخ حسن الترابي لهجمة مرتدة مماثلة عندما أطلق في اكتوبر 2006 فتواه الشهيرة التي جاء فيها: "هناك من يقول بمنكر ونكير وعذاب داخل القبر، وهذا غير صحيح، فالإنسان حينما يموت تصعد روحه لله سبحانه وتعالى، أما الجسد فيتآكل وينتهي ولا يبعث مرة أخرى. وإنما يقوم الله سبحانه وتعالى بخلق جسد جديد من الطين، الذي خُلق منه الإنسان للروح نفسه".

عموما فإن جميع الحجج التي يطرحها القوم وخصومهم تظل حُججاً ظنية، لا قطعية. أما أنا فأجدني في خويصة أمري أميل الى زعم هؤلاء بأن الله سبحانه وتعالى لن يعذّب أحداً الا بعد نصب الكتاب والميزان، والإتيان بالنبيين والشهداء، فمن اسمائه جل ثناؤه "العدل".

ولعل المنافق ابن أبي مُنتفضة عندما قال ما قاله لحوارييه، كان في ظنه انه ليس من عدل السماء - على الاقل في حالتنا السودانية - أن نعيش ما عشناه، ونرى ما رأيناه، ونجتاز ما اجتزناه، ثم نموت فيكون الحساب والعقاب والعذاب اول ما نلقاه في قبورنا، فمن عذابٍ الى عذاب، دون براحةٍ من  تؤدة، أو فسَحة من سكينة!

تنزّه الله عما يؤفكون.

نقلاً عن صحيفة (السوداني)