غربا باتجاه الشرق

 

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

(1)

هذا مقطع من قصيدة جديدة ل (الشاعر الكبير) الدكتور زهير السراج، وقد اورده ضمن مادة عموده الذائع (مناظير) بتاريخ الجمعة الماضية الموافقة للثلاثين من اكتوبر والتى عنونها: ( الاخ برضو بروفيسور)! وكان زهير قد خصص مساحة عموده ليعرض على قرائه أمرا ازعجه وحيّره، وكان قد ازعج كثيرين غيره من قبل وحيّرهم ايضا. ولكن هؤلاء الآخرين تركوا الامر – بعد ذلك – من ورائهم وانفلتوا وراء مشاغل الدنيا، بينما بقى زهير فى مكانه مهموما مغموما، يردد ابيات قصيدته ( البروفيسور منو يا ناس.. البروفيسور منو)؟!

اخونا زهير منزعج من ظاهرة الانفجار البروفيسيرى فى السودان، وقد اورد فى وصفها عبارة تشخيصية اكلينيكية لم اسمع بها من قبل وهى: ( الحالة البروفيسيرية الحادة التى تعانيها البلاد)، واطلق علي الظاهرة اسما علميا طريفا وهو ( البروفيساريا). كما لاحظ فى معرض تقصيه للظاهرة ان هناك فى سودان اليوم انواعاً مختلفة من البروفيسورات: ( نوع برفسته اجهزة الدولة، ونوع ثانى برفسته الصحافة ووسائل الاعلام، ونوع ثالث هو الذى برفسته جامعات سودانية هى نفسها موضع شك، بحسب زهير. اما النوع الرابع فهو النوع الذى برفسته الصداقات). وقد اضاف صاحبنا نوعاً خامساً اذ قال (اما انجع طرق البرفسة فهى الموالاة). غير انى لم احسن استيعاب ما تفضل به فى صدد شرح هذا النوع الاخير من انواع البرفسة.

ولعل ذيوع هذا الضرب من السخرية المريرة المزرية بالالقاب والرتب العلمية هو التى حدا ببعض العلماء الحقيقيين ممن خولهم كسبهم العلمى الثابت والمعترف به دوليا حمل الالقاب الاكاديمية الرفيعة الى الازورار والتخلى عنها طواعيةً والاستخفاء بها احيانا، كما استخفى المسلمون الاوائل بدينهم فى الشعاب خارج مكة، خشية ان يختلط امرهم بغيرهم من المتعبطين والمتسربلين بالمسميات البراقة فى " ملجة " الالقاب العلمية، فيصبحون  بين الناس هزوا اذ تغنى المغنيات: ( البروفيسور منو يا ناس). ولعل فى هذا ما يفسر تطرف صديقنا البروفيسور بدرالدين حامد الهاشمى، الكاتب الراتب ب ( الاحداث )، وتشديده على ادارة الصحيفة بعدم وضع لقبه العلمى خلف اسمه عند نشر مقالاته وترجماته التى يعدها فى اوقات فراغه. وقد كلف الهاشمى دار الاحداث خسارة مالية فادحة، قبل اسابيع قليلة عندما طبعت واعدت للتوزيع كتاب ( يوميات اكتوبر ) للكاتب البريطانى كليف تومبسون، ثم اضافت على الغلاف ( ترجمة البروفيسور بدر الدين الهاشمى )، فركب الرجل رأسه وأصر على الدار ان تعيد تصميم الغلاف وان تحذف اللقب من امام اسمه. وبدر الدين، ان لم تكن تعلم، حاصل على الدكتوراه فى علم الادوية والسموم من بريطانيا، وقد بلغ رتبة البروفيسورية الكاملة فى جامعة ادنبرة باسكوتلندا قبل ربع قرن من الزمان، ويعتبر الرجل سلطة علمية دولية فى مجال الادوية والعقاقير، ويقضى حياته متنقلا بين الجامعات الامريكية والاوربية والعربية التى تستدعيه لتقييم البحوث والاطروحات والاكتشافات العلمية. ومن عجب ان بدراً جاءنى ذات يحمل هموم الدنيا على رأسه، واطلعنى على مادة نشرتها الصحف فى السودان عن اكتشاف نشره واحد من أدعياء العلم ونسبه الى نفسه عن خصائص علاجية مذهلة ل ( بول الابل ). وخاف صاحبى على شعب السودان ان تزهق روحه وهو يتتبع امثال هذه الترهات والخبالات فكتب مقالا قصيراً بلغة مبسطة اقرب الى فهم عامة القراء سعى خلاله الى التنوير بخطورة مثل هذه المزاعم وبيان افتقارها للمصداقية العلمية. ونشر المقال كالمعتاد تحت اسمه ولكن بدون لقبه العلمى. فما كان من علماء (بول الابل) الا ان عادوا غاضبين مهتاجين ليعقبوا عليه تعقيباتٍ صاخبة، وتحدوه وصرخوا فى وجهه: من انت حتى تتدخل فى امر كهذا وتفتى فيه بغير علم؟!

(2)

وكما ذكرنا فان زهير لم يكن نسيج وحده فى ذلك الهم، فقد طرق ذلك الامر على حساسيته كثيرون غيره، كان كاتب هذه الكلمات واحداً منهم. فقد كتبت قبل عامين مقالا كاملا تحت عنوان ( رجال حول حرف الدال )، حاولت من خلاله ان القى ببعض الضوء على ذات الظاهرة. غير اننى اضطررت لان اعود فألحقه بمقال آخر انهيت فيه الى قرائى صراحةً اننى ندمت ندامة الكسعى على كتابة ذلك المقال. فقد تكالبت على يومها القوى (الدالية) وتضافرت وأرهقتنى من امرى عسرا. بل ان سيدة سودانية فاضلة حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة سودانية جديدة، من منتجات ثورة التعليم العالى، اسمها جامعة القرآن الكريم، ثم انتقلت لتقيم بصحبة لقبها العلمى الرفيع اقامة دائمة فى المواقع الالكترونية التفاعلية، لم تغفر لى ابدا اننى كتبت ذلك المقال فأضمرت لى فى نفسها موجدةً عظيمة.  فكانت كلما وقعت على اسمى صريعاً مجندلا، وما اكثر "أحبابى" الذين يجندلون اسمى فى تلك المواقع بمناسبة وبغير مناسبة، اهتبلت الفرصة اهتبالاً، فهبت كما الدُب الجريح وانتاشتنى بكل ما فى جعبتها من سهام صدئة واتهمتنى بالخيبة والخواء، ودعت رواد المواقع ليقرأونى حتى يروا بأعينهم مقدار الجهالة والركاكة والغباء وقلة المحصول فى كتاباتى.

وقد شاءت تصاريف القدر ان يسلط الله على تلك (الدكتورة) من لا يرحم، فبرز لها من حيث لم تحتسب الشاب النابه ابوبكر صديق محمد صالح، طالب الدراسات العليا بالسويد، الذى وقع على اطروحة الدكتوراه التى (برطعت) بها السيدة الفضلى زمنا فى المواقع الالكترونية وصدّعت بها روادها من العامة، ممن ليس لهم بالتعليم فوق الجامعى نسب، تصديعاً وشقّت رؤوسهم شقّاً. وترصد الباحث بعض فصول الاطروحة ومباحثها، ثم سطر على هوامشها مادة  بعنوان ( ملاحظات نقدية حول بحث السيدة ..... )، كشفت انه من المجودين لأوابد الصنعة البحثية والمتمكنين من ناصيتها. ثم عرض صاحبنا على الناس نتاج رصده المسنود بالادلة والاسانيد المعتمدة فى ميادين الدرسات العليا، فاذا بالاطروحة المزعومة تنفرج عن وريقات صفراء فطيرة لا علاقة لها بالبحث العلمى ومناهجه من قريب او بعيد، وما عدت كونها احتيالا اكاديمياً فاضحاً وفادحاً يؤرخ لانهيار التعليم العالى، ويؤذن بتدهور الكفاءة العلمية والضوابط الاخلاقية عند بعض المشرفين على الدرسات العليا فى الجامعات السودانية الجديدة. وقد صبرت على قراءة أجزاءٍ من تلك الوريقات المزريات فذكرتنى ضحالة محتواها المعرفى ولغتها الممعنة فى الفجاجة بالمنشورات الهتافية التى تصدرها بين الفينة والاخرى بعض التنظيمات الدينية. وكان أشد ما أحزننى  وأمضّ قلبى ان الوريقات أماطت اللثام عن انه لا صاحبة الاطروحة ولا المشرفين عليها سمعوا عن شئ من بدائيات الرسائل الجامعية اسمه  اُصول الاستشهاد (Citation) ولا جدولة المراجع  !(Bibliography)

ولكننا مع ذلك نحمد الله ونشكر فضله ان التردى فى حقل التعليم العالى والبحث العلمى عندنا لم يصل الى المستوى الذى وصلته العراق تحت حكم صدام حسين. كتب د. علاء بشير، مدير مستشفى الواسطى ببغداد والطبيب الخاص لطاغية الرافدين فى كتابه الشهير (كنت طبيبا لصدام)، ان اغلب اعضاء الطبقة الحاكمة من قيادات البعث المقربين لصدام كانوا من الحاصلين على شهادات اتمام التعليم الابتدائى او الثانوى على افضل تقدير، وقد ظهرت على عدد كبير من هؤلاء عقد الاحساس بالنقص بالنظر الى المناصب الرفيعة التى كانوا يتقلدونها. ولمعالجة هذا النقص تم ترتيب شروط خاصة فى كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد حيث انخرط جُل هؤلاء، حيث كان الاعلان عن نتائج الامتحانات يتم قبل عقدها. ويضيف د. علاء بشير: ( اما الاساتذة الجامعيون الذين يحاولون الاعتذار عن الاشتراك فى هذه العملية التعليمية الخاصة فكانوا يطردون من وظائفهم، وفى بعض الاحيان يوضعون فى السجن). وحكى المؤلف روايات تضحك وتبكى فى آن معا عن ملابسات حصول عدى صدام حسين على درجة الدكتوراه بمرتبة الامتياز فى علم الاقتصاد السياسى. كما حكى عن توزيع شهادات الدكتوراه من جامعة بغداد خلال اسبوع واحد على كل من سبعاوى الاخ غير الشقيق لصدام حسين وابناؤه الثلاثة، وجمال مصطفى زوج حلا ابنة صدام الصغرى، ثم ضابط الصف عبد الحميد حمود الحارس الخاص لصدام الذى اصبح سكرتيرا له فى اخريات ايامه. ولكن العجب العجاب كان هو حال كلية الطب الذى كان المؤلف استاذا فيها، فعندما فشل ابن سكرتير صدام، عبد الحميد حمود، فى اجتياز الامتحان قام السكرتير بعزل عميد الكلية ثم نقل مساعد طبيب فى مقتبل العمر من اقربائه اسمه عمر الجنابى، نقله من احدى المستشفيات ليكون عميدا لكلية الطب بجامعة بغداد!

(3)

وجدت نفسى وقد اصابنى شئ من التشويش والارتباك الذهنى عندما دعانى أحد اصدقائى، كان قد بدأ حياته العملية بداية الثمانينات باحثا فى المجلس القومى للبحوث، ثم استقال وهاجر الى الولايات المتحدة حيث حصل على درجة الدكتوراه وانخرط فى مضامير الاكاديميا و البحث العلمى، دعانى ذلك الصديق لوقفة فاحصة ومتأملة أمام موقع وزارة العلوم والتكنولوجيا السودانية على الشبكة الدولية، واوصانى بإنعام النظر فى الوثيقة المسماه (رسالة الوزارة) او (مهمة الوزارة) ويقابلها فى الانجليزية مصطلح  (Mission Statement)، وما ان فعلت حتى وجدت تفسيرا للهم المتراكم الذى رأيته فوق رأس صاحبى. ادهشنى ان وزارة العلوم والتكنولوجيا، فى معرض التنويه بالمهام المسندة اليها فى موقعها الالكترونى اندلقت الى حديث مستفيض عن مفهوم التوجيه الالهى للمسلمين باتخاذ الاهبة لملاقاة اعدائهم، وعن كوننا خير امة اخرجت للناس كما اراد لنا الله، وعن دورنا الريادى بين الامم وعن كون الله استخلفنا فى الارض، وكلفنا بالتصدى لقوى الشر والعدوان، وعهد الينا بالتفكر فى القرآن، والتماس صبغة الله فى الكون، واتباع هدى رسوله الكريم فى طلب العلم كسبيل لمعرفة الخالق. هالتنى كثافة التعبيرات الدينية وضمور المصطلحات العلمية، حتى خلت اننى اطالع الموقع الالكترونى لوزارة الشئون الاسلامية بالمملكة السعودية، او جماعة انصار السنة المحمدية او الرابطة الشرعية للعلماء المسلمين. ثم هالنى، بعد ذلك، تواضع مستوى اللغة الانجليزية وانا اقرأ ذات النصوص العربية مترجمة الى الافرنجية ترجمةً متهالكة شديدة التواضع، وهو امر يتضاعف وقعه عندما نتذكر بأن وزارة (العلوم) والتكنولوجيا هى الواجهة التنفيذية القومية التى انيط بها حمل راية ( العلم ) ورسم سياسات البحث العلمى ورعاية التكنولوجيا وتطويعها لوضع البلاد فى مصاف الدول المتقدمة! ثم ماذا نقول بعد ذلك؟! روى الصديق العالم الذى بدأ حياته باحثا فى ذلك الكيان التنفيذى العلمى، روايات تشيب لها الولدان عن التدهور الذى حاق بتلك المؤسسة وبصنعة البحث العلمى فى السودان اجمالا، منسوبةً الى مصادرها، وهم بعض زملائه السابقين المرابطين داخل الوطن ممن ابتلوا بمحنة معايشة التدهور والانحسار البطئ للمستويات والمعايير العلمية يوما بعد يوم وعاما اثر عام. من ضمن ما ذكر لى ان هيئة بحثية علمية اعلنت عن وظائف لحملة الدكتوراه فتقدم اليها نفر من حاملى اللقب الرفيع وشهاداتهم من الجامعات السودانية بين ايديهم. ولما فوجئ المشرف على المعاينات بضعف المستوى العام للمتقدمين وساءه جهل بعضهم بأساسيات مناهج  البحث العلمى، خطر له ان يتوجه بسؤال غريب لواحد من المتقدمين. وكان السؤال: ما هو المعنى اللفظى التفصيلى للمصطلح الذى تعبر عنه الاحرف الثلاث: بى اتش دى (PhD)  فى اللغة الانجليزية؟ و لدهشته اجاب المتقدم على الفور ودون ان يطرف له جفن ان الاحرف تعنى فى الانجليزية:

 (Baccalaureate of Higher Degree)

ومعلوم ان مختصر الاحرف الثلاث يشير الى العبارة اللاتينية (philosophiæ doctor) المعدلة  إلى الانجليزية  (Philosophy Doctor)

(4)

كان اعلان بعض المجالس المهنية والهيئات العلمية الدولية مؤخرا سحب اعترافها بالشهادات الصادرة عن بعض الجامعات السودانية واللغط الذى صاحب ذلك الاعلان أسوأ الاثر على سمعة السودان ومكانته بين بلدان المعمورة. وبصرف النظر عن نتائج الجهود التى تبذلها فى هذا الصدد الجهات المتخصصة المعنية بهذه التطورات المؤسفة فى السودان، فانه يتعين علينا ان نقف وقفة فاحصة متأملة نتبين فيها مواقع اقدامنا فى عالم تخطو شعوبه بقوة وعزم فى مسارات التنمية والتحديث المستند على العلم والتقنية. ثم علينا بعد ذلك ان نسأل انفسنا الاسئلة الصحيحة ونبحث لها عن الاجابات الصادقة الامينة التى ربما اعانتنا على التماس المخارج. ولكن الاهم من ذلك كله ان نعترف بالواقع، كما يشخص أمامنا على الارض المنبسطة، دون حجاج او مماراة او تمحك للمعاذير والمبررات.

الذى نعلمه جميعا هو ان الاحصائيات الدولية المقارنة الصادرة عن جهات متخصصة محايدة تظهر السودان، بعد ما يقرب من عقدين من " ثورة التعليم العالى"  فى أسوأ حال. التقرير الدولى لبرنامج الامم المتحدة الانمائى، وهو التقرير الذى يرصد ويحلل مستوى الابحاث العلمية ويتقصى مدى انتشار تكنولوجيا المعلومات ويضبط معايير تنمية المهارات البشرية، بالاضافة الى عناصر اخرى مثل نسبة الامية وسط سكان اى دولة فى العالم، يضع السودان فى المرتبة رقم مائة وتسعة وعشرون من مجموع مائة واثنان وستون دولة. وبملاحظة ان نسبة مقدرة من الاقطار التى تجئ تاليةً للسودان فى نهاية القائمة هى فى الواقع بلدان وهمية ليست فيها حكومات حقيقية، فان ترتيب السودان فى هذا السجل لا بد ان يبعث على القلق والانزعاج، حتى لا نقول الهم والغم والحزن المقيم.

ثم ان الدراسات التى قامت بها جهات اخرى متعددة فى العالم المتقدم حول التعليم العالى فى السودان، وبين يدى تقرير عرضته مؤسسة بحثية امريكية رفيعة وتمت مناقشته امام المؤتمر السنوى لرابطة الدراسات الدولية بجامعة شيكاغو فى مارس من العام الماضى، تتضافر جميعها لترسم صورة قاتمة للواقع الذى نسعى لاستكشافه والتعامل معه. يقول التقرير انه فى وقت شهد هجرةً مكثفة للكوادر العلمية المقتدرة وتبعثرها فى بلدان الشتات، فان عدد الجامعات السودانية ارتفع من سبعة عشرة الى سبعٍ وسبعين جامعة. وان الرصد لحركة اساتذة الجامعات يشير الى انه خلال فترة قصيرة جدا لا تتجاوز العامين ترك الخدمة فى جامعة الخرطوم، اكبر واعرق الجامعات السودانية، مائة واثنى عشر استاذا جامعيا، تم استبدالهم بطلاب دراسات عليا وكادرات اخرى غير مكتملة التأهيل.

ويشير التقرير الى انه ازاء ضعف فرص التوظيف وانتشار البطالة فان كثيراً من الطلاب اتجه نحو الدراسات العليا، غير ان ضعف المقدرات فى مجال اللغات الاجنبية لمباشرة الدرسات العليا، فضلا عن قلة كفاءة المشرفين، وتدنى المعايير الاكاديمية اجمالا تضافرت لتخلق واقعا اصبحت معه الشهادات العليا تُهدى للمتقدمين كيفما اتفق، بحيث ان كثيرا من شهادات الدكتوراه والماجستير تتم اجازتها برغم عدم استيفائها لبعض العناصر الجوهرية فى صناعة البحث العلمى. واشار التقرير الى حالة تم فيها اكتشاف رسالتين مُجازتين مقدمتين من طالبين مختلفين لدرجة فوق الجامعية،  فى نفس الجامعة السودانية، وكلا الرسالتين تحملان نفس العنوان، بحيث تطابق نص العنوانين تطابقا كاملا، وقد اشرف على الرسالتين نفس الاستاذ! وعن التدنى فى مستوى اللغة الانجليزية حدث ولا حرج، اذ تبين النتائج المعلنة كيف ان امتحانات التويفل  الامريكية (TOEFL) وامتحانات  (IELTS) البريطانية تقف حجر عثرة امام اعداد غفيرة من المبعوثين وطلاب الدراسات العليا السودانيين المتطلعين لاكمال دراساتهم فى دول الغرب. كما يتطرق التقرير الى خصخصة التعليم العالى واحالة بعض قطاعاته الى مشروعات استثمارية ذات مردودات ربحية متفاحشة للمستثمرين من اصحاب الرساميل، دون ان ينعكس ذلك على التنمية العلمية والتعليمية. غير ان الطرفة الرئيسية التى يبرزها التقرير – ان كان هناك ثمة شئ يمكن ان يوصف بالطرافة فى حال بئيس كهذا – هو الاحصائيات التى تبرز ارتفاعا يفوق الخيال فى أعداد الذين منحتهم الجامعات السودانية شهادات الدكتوراه والماجستير فى اوقات بلغت فيها معدلات النقص فى اعداد الاساتذة المؤهلين كل مبلغ، وشهدت فيه المبانى والاجهزة والمراجع والمعينات العلمية انهيارا مريعا، واصبح التهرؤ فى المعايير الاكاديمية سمة ثابته ومضطردة. اى انه كلما ازداد التدهور فى بنيات التعليم العالى وهياكله تضاعفت اعداد (الدكاترة) وحملة صكوك الاستاذية الذين تنتجهم ذات البنيات والهياكل المتردية.

(5)

غير انّ قضية فوضى الالقاب العلمية وانحطاط المعايير والمستويات الاكاديمية وتدهور بيئة التعليم فى مستوييه العالى والعام أكبر وأجلّ من ان يصبح مادة للسخرية والمطارحات الغنائية بينى وبين زهير، وبين عامة القراء. بل انها تظل قضيةً حيوية ذات اولوية عليا ينبغى ان تتقدم اجندتنا الوطنية وتأخذ منها مكاناً صدرياً، فى وقت يتداعى فيه أبناء السودان الى طاولات الحوار الوطنى الشامل، بهدف استدعاء كل القضايا والاستئناس بكل الرؤى، واختبار كل طروحات الحلول و التماس كل المخارج.

وأول دعوانا فى هذا الصدد هو ان نتواضع على تجليس الازمة التى بين ايدينا فى مواعينها الواقعية، وان نوظف فى استنطاق خصائصها وتوصيف معالمها القوالب التعبيرية الصحيحة. فلا نتخذ من  عللها محاضن للتنابز واللجاج وتصفية الحسابات بين خصوم الامس واليوم، تستهلك اولئك وهؤلاء على قدم المساواة، وتبدد طاقاتهم تبديدا لا يقضى وطراً ولا يردُّ خطراً.  فالازمة أغور عمقاً واشد بلاءً على وطننا من ان نتخذها مطية للدعاوة والهتر السياسى. ان تواتر الاشارات من تلقاء كثير من المشتغلين بالعلوم والاكاديميا والتعليم، وتسليط الضوء على بعض جوانب الحال الراهن بين الفينة والاخرى فوق صفحات الصحف ومنابر الشبكة الدولية ربما ساهم بقدر من الاقدار فى تبصير الرأى العام واشاعة الوعى بواقع الازمة ومآلاتها. غير ان ذلك وحده لا يكفى. لا بد من طفرات كبار تخترق عمق الازمة وتفتح الطريق نحو نهاية النفق. ولا بد دون ذلك الهدف الغالى من جهد قومى جماعى يتوافق حوله ويقف على ثغرته اهل الهمّ المشترك فى مشارق الوطن ومغارب الشتات، سواءً بسواء.

نصوص داخل السياق

( من أمثلة العَمْد إلى إضعاف المُثاقف المختلف وإقصائه، الهجمة المايوية الشيوعية على الأكاديميا السودانية، خاصة جامعة الخرطوم، في بداية سبعينات القرن الماضي. صحبت تلك الهجمة شعارات من شاكلة: " لن تكون الجامعة جزيرة رجعية في محيط ثوري هادر"! في تلك الهجمة تم تشريد خيرة أساتذة جامعة الخرطوم، فيمموا شطر جامعات الخارج، خاصة الجامعات الإفريقية، التي احتضنتهم بشغف ولهفة. فهل تعلم إديولوجيونا من تلك الحادثة؟ لا، ولا كرامة! تكرر نفس المشهد بعد عشرين عاما، حين أمسكت الجبهة الإسلامية القومية بالحكم في يونيو 1989، فقضت على بقايا القبس المعرفي الذي تبقي من هجمة الشيوعيين المايوية في بداية السبعينات. بل إن الضربة التي وجهتها الجبهة الإسلامية لجامعة الخرطوم، وللتعليم العالي في السودان، في التسعينات، مثَّلت قاصمة الظهر، من حيث القضاء على الكفاءات، ومن حيث تخريب المناهج، وإضعاف اللغة الإنجليزية، والإخراج من دائرة الإعتراف الدولي، والقضاء على الإستقلالية.)

 

الدكتور النور حمد

صحيفة (الاحداث) الاثنين 02 نوفمبر09

رسائل

رسائلى للشمس تعودُ دون ان تُمس

رسائلى للأرض تُردُّ دون ان تُفض

يميل ظلى فى الغروب دون ان أميل

 

أمل دنقل

 

 عن صحيفة ( الأحداث )

 

مقالات سابقة:

http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=%E3%D5%D8%DD%EC%20%DA%C8%CF%C7%E1%DA%D2%ED%D2%20%C7%E1%C8%D8%E1&sacdoid=mustafa.batal