غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


تابعت خلال الاسبوعين الماضيين وقائع وتداعيات المعركة بين المؤيدين والمعارضين لندوة عن حياة وأدب الراحل الطيب صالح كان من المفترض ان تستضيفها مكتبة الكونغرس الامريكي بواشنطن في اغسطس الحالي. ويشارك فيها ادباء وعلماء متخصصون من السودان ومصر واوربا وامريكا واليابان. وهي الندوة التي تدخلت جهات رسمية امريكية لإلغائها في اعقاب حملة مستعرة قادها بعض الناشطين من سوادنة الولايات المتحدة.
ثم طالعت في صحيفة لندنية تصريحاً للاستاذ عثمان شنقر، الامين العام لاتحاد الكتاب السودانيين، استنكر فيه صنيع قادة الحملة واضاف: "ان إلغاء الندوة اضاع على السودان فرصة تاريخية، بالنظر الى ان الطيب صالح كان من المفترض ان يكون الشخصية الثالثة من دول العالم الثالث التي تعقد حولها ندوة في مكتبة الكونغرس بعد طه حسين ونجيب محفوظ".
أمر الطيب صالح عند سوادنة المعارضة الخارجية أمرٌ عجب. هنالك مشاعر متشاكسة، لو صح ان المشاعر تتشاكس،تحيط  بسيرة هذا الكاتب الضخم عند أحبابنا هؤلاء،فما يدرون هل يوقرونه ويرفعون ذكره، أم يحقرونه ويزدرونه ويقطعون خبره!
في احدى حلقات زاويته الراتبة في مجلة (المجلة) عند بداية التسعينات، سطر الطيب صالح عبارته المدوية، او سؤاله الاشهر، الذي اعتلى به مكاناً سامقاً في قلوب المعارضين: "من اين جاء هؤلاء"؟ ولم أصادف قط من أجاد وبلغ الغاية في وصف تلك العبارة، اكثر من الاديب الآخر الاستاذ هاشم الامام (الصحافة 10 اغسطس)، وقد كتب في وصفها: "كنت أرى أنها أمضى في أهل الإنقاذ من السيف، فهي عبارة رجلٍ عالم بمذاهب العرب في القول"!
وقتها اذكر انني سمعت الدكتور عبد الله جلاب، الاستاذ بجامعة ولاية اريزونا، يقول أنه يستغرب صدور ذلك السؤال عن الطيب صالح ذاتاً وعينا، لأن الطيب يعرف بالقطع من اين جاء هؤلاء. وأحالني الى كتاب (نشأة الحركة الاسلامية في السودان) للاستاذ محمد الخير عبد القادر، الذي ذكر فيه اسماء الثمانية المؤسسين لأول تنظيم اسلامي،يقدّر انه النواة الاولي لجماعة الاخوان المسلمين السودانية، في مارس 1949. وكان هؤلاء يعقدون جلساتهم في الميدان الغربي بكلية غردون. ومن هذه الاسماء (بابكر كرار ومحمد يوسف محمد والطيب محمد صالح). واظنك – أعزك الله – عرفت ان الاخير هو نفسه اديبنا العالمي الطيب صالح!
ولكن الاقدار لم تكتب للمعارضين هناءة طويلة تحت شجرة تلك العبارة الوارفة فقد سلط الله عليهم الخالدين: السفير الشاعر خالد فتح الرحمن والاعلامي المثابر خالد الاعيسر. زنّ الاول – ابان عمله بسفاره السودان بلندن – في اذن الطيب زنيناً، حتي اقنعه ثم ساقه سوقاً من مطار هيثرو الى مطار الخرطوم، ثم الى القصر الجمهوري. حيث التقى الرئيس البشير وصافحه وعانقه، وقبّل جبينه، وعرف منه من أين جاء؟ وفي تراثنا "سمح القول من خشم سيدو"!
أما خالد الثاني فقد ألحّ عليه إلحاحا حتي اتخذه ضيفاً على حلقة تلفزيونية خاصة قال فيها الطيب صالح: "البشير رجل طيب ومتواضع وابن حلال. وهو رئيس صالح للسودان.. يأسو الجراح، ويسعى لجمع الناس وتوحيدهم، ويتجه بالسودان نحو المستقبل وهذا حسن". فأكمل بذلك من أمر السؤال ما كان ناقصاً. وشريط الفيديو مبذول في مدن الشبكة الدولية وحواريها، فكان كلما تكثّر المعارضون وتعثروا في أمر الطيب جاء واحد من اهل الموالاة فألقى بالشريط في منتصف الدائرة، ليغيظ القوم ويفري أكبادهم، ثم مضى في طريقه وهو يغطى فمه بكم قميصه!
لا غرو أن ارتد مريدو الطيب من المعارضين على اعقابهم، وقد ساءهم منقلبه، فرموا طوبته ونحروا ناقته، وشووها بنار النضال الموقدة. حتى ان قوميسار المراكسة الاسفيريين، الدكتور حسن موسى، فقد صوابه وبلغ من الطيش والفحش غايتهما، فخاطبه في مقالٍ منشور، يعلق على حديثٍ للطيب عن عروبة السودان: "مالك وعروبة السودان وما انت الا عبد شايقية"!
أخطأت إدارة مكتبة الكونغرس وأهدرت مصداقيتها عندما استجابت للضغوط فألغت الندوة، وهي في المبتدأ والمنتهى منشط ثقافي. والفعاليات الثقافية والعلمية ليست مما يندرج تحت قوانين المقاطعة،بل ان الادارة الامريكية استثنتها تخصيصاً.وفي اطار هذا الاستثناء زار الخرطوم مؤخراً وفد اكاديمي امريكي، واجرى مباحثات مع جامعة الخرطوم تناولت اوجه التعاون الاكاديمي والثقافي (الاسبوع الماضي وسّعت واشنطن نطاق الاستثناء فرفعت الحظر عن المعاملات المالية المتعلقة بالتبادل الاكاديمي والتدريب).
وأخطأ أحبابي من مناضلي واشنطن وما جاورها إذ غشيتهم سمادير المعارضة الديماغوجية المنفلتة -  وذلك صنف من المعارضة يعوزه الحس الوطني الذي يفرق بين ما لقيصر وما للناس - فانطلقوا من غير هُدى، يخربون بيوتهم بأيديهم، ويفقأون عيونهم، وعيون السودان،بأصابعهم!
وفي القرآن: (ومن يُرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا).

نقلاً عن صحيفة (السوداني)