غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بحكم اقامتي خارج السودان أجد نفسي على الدوام اكثر ارتباطاً بالحياة السياسية والثقافية لأحبابي من سوادنة المهاجر. وجل هؤلاء من معارضي نظام الانقاذ لأسباب لا تخفى على أحد.

أنا ايضا من معارضي النظام لأسباب مبدئية واخرى شخصية.   كيف لا وقد عزلتني العصبة المنقذة من وظيفتي عقب انقلابها المروّع، وجوّعتني إذ حجبت عني رغيفي وهامبيرقري وهوت دوقي، ومنحته لأتباعها. ثم نفتني الى اقاصي الأرض شريدا في براري منيسوتا.  بعد ان كنت في عزّ من أمرى، أصول في شوارع الخرطوم (راكب الهنتر وعامل عنتر) في قول شاعر الشعب محجوب شريف. وأجول بين الدول الخارجية  في حاشية رئيس الوزراء، الامام الحبيب الصادق المهدي.

نعم،  والله العظيم انا معارض. ولكن مشكلتي أن أحداً من مناضلي المهاجر لا يريد ان يصدقني!

وراء الضباب وواقع عدم الثقة الذي يكتنف حالتي المستعصية يكمن سببان.  اولاهما انني حضرت في أيام غبراء من عام 2009  مؤتمراً  دعتني له  الحكومة  مع ثُلة من الكتاب الصحافيين والاعلاميين المهاجرين. وبالرغم من انني كنت  خلال جلسات ذلك المؤتمر أقبع في الصف الاخير، بين يقظة ونوم، أرتدي سترة رخيصة وقميص بلا ربطة عنق، بينما كان حبيبنا المناضل ياسر عرمان يجلس في الصف الاول، مكتسياً بدلة ايطالية لامعة وربطة عنق فرنسية فاخرة، الا ان مناضلي المهاجر لم يروا بأساً في حضور ياسر ومشاركته. أما أنا فقد صبوا عليّ جأم غضبهم، واسقطوني من عليائي ككاتبٍ مناضلٍ مهيب، ثم اخرجوني من زمرة المعارضين قولاً واحدا!

أما السبب الثاني وقد اكتشفته، للاسف، متأخراً فهو علاقتي الوطيدة بالكوز الاسلاموي المدعو عادل الباز.  وقد ندمت على تلك العلاقة ندامة الكسعي، وتبت عنها توبةً نصوحاً. ولم اكن قد تنبهت الى الامر الا عندما قرأت في احدي مقالات حبيبنا الاخر المناضل المفكر الدكتور حيدر ابراهيم على عبارة أراد ان يشير من خلالها الى شخصي فانتاشني بقوله: (الكاتب الذي يتابع عادل الباز من صحيفة الى صحيفة ويتسم بعدم المصداقية). عندها فقط ادركت هول ما أنا فيه.  وقد صدق الرجل، فمن اين تأتيني المصداقية وأنا اتابع هذا الكوز الاسلاموي على مدي سنوات، من (الاحداث) الى (الخرطوم) الى (الرأى العام)، حتى اذا دخل جحر ضب دخلته من ورائه؟!

ولكن الحمد الله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا جزيل نعمائه.  ولعلك قد علمت – أعزك الله –  أنني فررت بديني، وأنهيت عقدي من طرف واحد مع صحيفة (الرأى العام). ثم استقر قراري واطمأن وجداني الى تعاقدٍ  جديد مع صحيفة (السوداني). ولكنني هذه المرة حرصت على التمحيص والتثبت، فالمؤمن المعارض المناضل لا يلدغ من جحر مرتين. وكما يتقصي الناس عن الاطراف التي يصاهرونها ويرتبطون معها برباط وثيق، فقد حرصت على التقصى عن سيرة رئيس تحرير صحيفتي الجديدة، والتحري عن اصله وفصله.

وقد أنبأني الثقات والعارفون من النسّابة أنه  مهني محترف لا غبار عليه. وأنه من (كار) الصحافيين لا من أوكار الكيزان. وكنت قد عزمت ان اقدم، وبكل فخر، اوراق اعتماده لمفكرنا المعارض حيدر، عسى ان يرفع ذلك من قدري في عين رأسه، فيرضى عني، ويشملني بعطفه، ويعيدني الى موقعي مناضلاً كما ولدتني امي.

ولكن و(يا فرحة ما تمت)!  يبدو ان الله كتب علىّ الشقاء والبلاء في لوحه المحفوظ، وجعل خيبة الأمل ميراثي ونبراسي.  اذ نهضت من نومي قبل يومين وانا ممتلئ بالتفاؤل والبشر، لأجد رسالة من احد خاصة اصدقائي، ممن كانوا قد عرفوا بأمر تعاقدي مع صحيفة (السوداني)،  يلفت نظري الى مقال جديد لزعيمنا المفكر حيدر، بعنوان (تحالف الضباع والثعالب). وقد ذهلت عندما طالعت كلماته عن تحالف الضباع والثعالب في السودان. ثم صعقت عندما قرأت عبارة (سودان ضياء الدين بلال وكتيبة الثعالب)!

يا سبحان الله. اذن ضياء الدين ثعلب كبير، وانا الذي حسبته موسى؟! هل يُعقل ان كل معلومات الثقات والنسابة عنه  طلعت فشنك .. ام ماذا؟!  سألت: من هم الثعالب الاخرين؟ قيل لي: الا تعرفهم؟ انهم جيرانك الجدد في أخيرة (السوداني) الدكتور عبد اللطيف البوني والاستاذ الطاهر ساتي  والمهندس حسين ملاسي. يادي النيلة والخيبة التقيلة!

في شأن أمثالي من المناكيد يقول احبابنا اهل المحروسة: "يطلع من حفرة يقع في دحديرة"!

نقلاً عن صحيفة (السوداني)