غرباً باتجاه الشرق
تكلفة الحريات وفواتير الديمقراطية (1 و2)

مصطفى عبد العزيز البطل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الحلقة الاولى:
هناك حوار صحافي ساخن يدور هذه الايام على هامش الحوار السياسي الراهن، مادته وموضوعه: ماذا تفعل أحزاب وتنظيمات المعارضة بمساحات الحريات العامة التي انفسحت مؤخرا وكادت تنفتح على مصاريعها؟ وهل هذه الأحزاب والتنظيمات مستعدة ومهيئة تماماً للنقلة الديمقراطية؟ وكيف كان أداؤها في مرحلة التمرين والتسخين التي نعبر جسرها هذه الايام، وما هو المطلوب منها بالضبط حتى تثبت وجودها وفاعليتها، وقبل ذلك.. شرعيتها!
وتلك بغير ريب اسئلة مشروعة. في الولايات المتحدة واوربا برامج حكومية مكثفة يشارك فيها اخصائيون اجتماعيون وخبراء نفسيون، كما تشارك فيها الخزانة العامة الفيدرالية والولائية، الغرض منها توفير الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي للمسجونين الذين تدنو مواقيت اطلاقهم وخروجهم الى الشارع والمجتمع والحياة العريضة، بعد قضاء محكوميات الحبس المتطاولة. وهم محقون بطبيعة الحال في مثل هذا السلوك الحضاري، اذ ليس من العدل ولا من العقل ان تحبس انسانا بين اربعة جدران لعشرين أو ثلاثين عاما، ثم تفتح له الباب فجأة وتطلب منه ان يخرج هكذا الى نهارات الدنيا ولياليها المسرعة المصطخبة ويرمي نفسه تحت عجلاتها. ومثل ذلك أحزابنا وتنظيماتنا ومعارضينا البواسل الذين ينسلون هذه الايام زرافات ووحداناً من ليل الشمولية الدامس الى فجر الديمقراطية الهامس، بعد ربع قرن من الشجن الأليم ومناجاة الحبيب الغائب.
حتى الآن اقيمت ندوتان جماهيريتان للمعارضة، الاولى اقامها الحزب الشيوعي السوداني في ميدان المدرسة الاهلية بعاصمة البلاد الوطنية، وقد شهد لها المراقبون بالنجاح المقدّر. وقبلها أقام حزب المؤتمر السوداني ندوة في منطقة شمبات حضرها نفر غفير من المواطنين. أنا أعرف عيال ماركس عن ظهر قلب، واعرف حزبهم بالطبع، ونجاح الندوات الجماهيرية ليس غريباً عليهم. ولكن الأمانة  مطلوبة، وهي تقتضيني ان أعترف بأنني جاهلٌ بحزب المؤتمر السوداني هذا جهلاً تاماً، ولا اعرف شيئاً عن مبادئه وبرنامجه. كما انني لا أعرف مؤسسيه وقياداته. من هم؟ ومن أين أتوا؟ وذلك سؤال استعلامي برئ، لا علاقة له من قريب او بعيد بشبيهه الاستنكاري الذي سأله من قبل غابرييل غارثيا ماركيز السودان، الطيب صالح،  في شأن قوم آخرين.
وقد سألت ذات مرة  صديقاً، عُرف بالوسوسة والارتياب في كل ما حوله، عن هذا الحزب، فذكر لي انه يبدو له مثل (ون مان شو) او (مسرح الرجل الواحد)، وهذا الرجل الواحد كوّن ثروة مهولة ويريد ان يبني له مجداً، ولكنه في الحقيقة لا يعرفه ولا يعرف برنامجه. ثم أضاف أن هناك شئ واحد فقط يحيره، هو ان رئيس هذا الحزب وقائده كان عند قيام انقلاب الانقاذ موظفا بسيطاً في ادارة الكهرباء،  يمتطي البكاسي ويأكل الفول في الصبح والأماسي. ولكن وما أن جاءت العصبة المنقذة الى الحكم حتى ولج الرجل الى رحابها واندغم في عوالمها  وصار في زمن قياسي من أثرى اثرياء السودان. قلت لصاحبي: وكيف ذلك؟ والاسلامويون قد برعوا في تحطيم وتهشيم كل من وجدوه أمامهم من الاثرياء ورجال الاعمال الحقيقيين والمتطلعين فمحقوهم محقا، ثم خلقوا طبقة جديدة من مواليهم وصنائعهم احتكرت سماء السودان وأرضه وما بينهما، على أى أساس اذن كان الاستثناء لهذا المعارض المناضل؟ ما هو السر في كونهم احتضنوه وباركوه وفتحوا امامه مغاليق الثروات ثم تركوه يأكل من خيرات الانقاذ؟ هل على رأسه ريشة، أم أن الرجل من أشياع العصبة المنقذة؟ قال: لا أدري، الذي أعرفه فقط هو أن بني كوز وطأوا له الأكناف فأصبح المسوّق الرئيسي لسيخ شركة جياد، مفخرة الانقاذ وابنتها المدللة بين ذريتها الاقتصادية. ثم ما لبث أن تضخم وتورم فأصبح اكبر مستورد للسيخ من أوكرانيا، الزوجة الثانية للاسلامويين بعد ماليزيا. وما فتئ الرجل ينمو ويتمدد حتى اثرى كل هذا الثراء الطائش الفاحش الذي يتحدث به الركبان. بل أنه زاد فتملك مؤخراً الأسواق العامرة والمناطق التجارية الفاخرة في افضل مناطق العاصمة وفق عقد شراكي مع جامعة القرآن الكريم برعاية والي الخرطوم!


وقد ضحكت حتي كدت انقلب على قفاي عندما قال لي صاحبي المرتاب الموسوس، ان قائد حزب المؤتمر السوداني المعارض، الذي يأكل المحمّر والمشمّر في مطعم الانقاذ، ثم يشرب الشاي المنعنع في صالون أبوعيسى، يذكّره بالاعلامي المصري الراحل أحمد فراج. وكان فراج هذا قد تخصص في البرامج الدعوية الدينية عند سبعينات القرن الماضي، وعُرفت عنه قدراته المتميزة في حقل الدعوة الاسلامية، ومن انجازاته الاعلامية البارزة أنه كان اول من اكتشف وقدم الشيخ محمد متولى الشعراوي للشارع المصري والعربي. ولكنه في ذات الوقت اشتهر بحب الفن، فكان يقضي لياليه غاطساً لشوشته مع فناني وفنانات المحروسة، ثم تزوج من المغنية اللبنانية الشحرورة صباح!

وأنا بطبيعة الحال لا أحفل بما قال محدثي عن رجل الاعمال المناضل ولا اقيم له وزنا. وكيف أحفل به واعيره أذني وأنا أعلم عن صاحبي هذا انه رجل مرتاب وموسوس وغارق في سماديره؟ ومن يدريني أنه ليس مدفوعاً من طرف أحبابي من البصاصين والجلاوزة ليملأ رأسي بالتخاليط والخرابيط؟ ثم أن شريعة الديمقراطية التى أظلنا زمانها لا تأخذ الا بالظاهر، أما الباطن فهو من شغل الشموليات.
قاتله الله، هذا الوسواس الخناس بائع البزرميط. أضاع علينا حلقة اليوم، وبددها في الوسوسة والنسنسة وكلام الليل الذي يمحوه النهار. ولكننا نعود بعد غد الخميس ان شاء الله  لنستأنف حديثنا عن التحول الديمقراطي وطوائفه وسوالفه وتكاليفه وفواتيره الواجبة السداد.

الحلقة الثانية:
لم استحسن دعوة بعض كبار الكتاب الصحافيين للاحزاب والتنظيمات المعارضة لإنشاء جبهة باسم (تحالف سبتمبر)، إذ أنني أرفض من حيث المبدأ هذا المزج الغريب المريب بين التلميح الى امكانية اسقاط النظام بوسيلة العنف الجماهيري من وجه، ومقتضيات إبداء النية الحسنة تجاه دعوات الالتحاق بقطار الحوار الوطني من وجه آخر. بلادنا تعبر في يومها هذا الجسر الفارق بين خيارين أقرنين أملحين. خيار الثورة الشعبية بيّن، وخيار التحول الديمقراطي السلمي بيّن، وليست بينهما منطقة وسطى. آخر ما يحتاجه شعبنا اليوم هو شغل الحنجل والمنجل واللعب على الحبال. كما انني لم استحسن دعوة هؤلاء الكتاب لقوى المعارضة - وهم يتناولون بالتقويم النقدي اداء بعض فصائلها من خلال ندوتين اقيمتا خلال الاسابيع الماضية - لاعتماد منهج التحشيد والتحريض وإعلاء خطاب التفوير والتثوير في محافلها الجماهيرية المرتقبة. تحشد من؟ وتحرض على ماذا؟!

ومثلما نرفض الاستعراضات البهلوانية والاندفاعات الانفعالية لتسجيل المواقف في الصحافة، فكذلك نشجبها في السياسة. ومن فضل الله على السودان، وعلى حزبه الشامخ الراسخ، حزب الامة القومي، ان رجاله ونساءه نهضوا، يداً واحدة وقلباً واحدا،  وهم يمارسون الديمقراطية في الهواء الطلق، ليحسموا في اجتماع هيئته المركزية أمس الأول خيارهم في شأن أمينه العام المغرم بتسجيل المواقف النضالية العنترية وتقديم العروض الثورية الحنجورية، التى أرهقت الحزب العريق وأهدرت قواه وبعثرت طاقاته فيما لا طائل من ورائه. وكنت قد طالعت قبل أيام فوق منابر الشبكة الدولية تصريحاً على لسان الدكتور ابراهيم الأمين، الذي أقالته الهيئة المركزية للحزب بإجماع كلمتها ومطلق ارادتها، وأحلت محله الأميرة الشهباء سارة نقد الله.  جاء في ذلك التصريح: "إن خيار الحزب هو تعبئة الشارع لاسقاط النظام والعمل على ايقاف اى مشروع يدعو الى الانكسار". والمشروع الذي (يدعو الى الانكسار) كما يلمح الرجل هو بطبيعة الحال مشروع الامام الصادق المهدي، رئيس الوزراء الشرعي المنتخب في عهدين وطنيين ديمقراطيين!

وكنت كلما قرأت تصريحاً حنجورياً لاهباً مثل ذاك لحبيبنا الدكتور ابراهيم الامين حدثت نفسي: ألم يعد هناك يا ترى انسان عاقل يقول له: اتق الله ايها الفتى الجحجاح. أى شارع هذا الذي تريد ان (تعبئه) لإسقاط النظام، وانت الذي فشلت خلال تاريخك السياسي كله في الحصول على مقعد نيابي تمثيلي عبر الانتخابات الديمقراطية الحرة المباشرة؟ ألم تكن انت الذي خاض الانتخابات في دائرة رفاعة عام 1986، وسط اهلك وعشيرتك الأقربين، الذين ولدت في مرابعهم  وترعرعت بين مضاربهم، ولكنهم مع ذلك أشاحوا عنك بوجوههم وضنوا عليك بثقتهم، وأسقطوك سقوطاً مدوياً، وقدموا غيرك ممثلاً لهم في البرلمان؟ لماذا لا تجرب أيها الثائر المغوار ان تذهب الى رفاعة ف(تعبئ) شارعها أولاً، وتسقط معتمد محليتها،  فإن أفحلت كان في ذلك البرهان الساطع على صدق زعامتك وفلاحك في القيادة!

من أخطر الأخطار على مسيرة التنمية السياسية في واقع بلادنا الراهن ظاهرة طلب العزوة الجماهيرية عن طريق إدعاء الثورية وانتحال المواقف المتشددة، بهدف اطالة أمد الأزمة، وتعويق مسيرة التحول الديمقراطي. وتلك ظاهرة تسود بوجه اكثر إبانة بين صفوف القوى السياسية الصفرية، حيث ركوب حصان التشدد هو الخيار الوحيد بين البدائل المتاحة. أنظر حولك، أعزك الله، وتأمل: ماذا سيفعل حزب البعث العربي الاشتراكي مثلا اذا استيقطت قياداته من النوم ووجدتنا وقد أظلتنا سماء الديمقراطية  وانحسرت قضية النضال لاستعادتها؟ في بيئة كتلك سيكون من السهل على المواطن العادي ان يسأل ثوار البعث: ماهي مبادئكم واهدافكم؟ ما هو برنامج حزبكم؟ في هذه الحالة هل سيملك هؤلاء الشجاعة لأن يقولوا للسائلين: مبدؤنا وعقيدتنا العروبة، وغايتنا استعادة مجدها، وهدفنا بناء أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة من المحيط الى الخليج، واننا نؤمن بأننا نحن في السودان عرب وشعارنا: (نحن أمة اصلها للعرب / دينها خير دين يحب)؟! وكيف يكون الحال لو ان هؤلاء السائلين كانوا من حلفائهم في الجبهة الثورية من الزغاوة والفور والبرتا والوطاويط؟ ألم أقل لكم ان الأمر اكثر تعقيداً مما تظنون، وان غطاء التشدد والنضال و(الثورية) يستر تحته من الفضائح ما تُدق له الصفائح؟

عندما وقع الزعيم الاتحادي الكبير المغفور له الشريف حسين الهندي في احدى قاعات مدينة لندن عام 1978، والى جانبه عضو القيادة التاريخية لانقلاب مايو المرحوم الرائد ابوالقاسم هاشم، اتفاقه المبدئي الحوار والصلح مع نظام مايو، كان اول سؤال وجه له في المؤتمر الصحفي الذي اعقب حفل التوقيع: "ما الذي دفعكم للدخول في حوار وتوقيع اتفاقية مع نظام جعفر نميري"؟ أجاب الزعيم الكبير: "لأنه ليس هناك سياسي وطني تُعرض عليه تسوية قضايا بلاده بالحوار والسلم فيصر على حلها بالخصام والعنف. ونحن نثمن الحوار وخطة المصالحة وندعو الى استكشاف دروبها".

نريد من أحزابنا وتنظيماتنا السياسية المعارضة ان تدخل الى ساحة الحوار بقلب سليم فتستكشف دروبه وتختبر أهواله وخطوبه، ثم يكون ما يكون. وسيقتضيها ذلك ان تقلع عن لغة الوعيد والتحشيد، وان تبحث عن خطاب نوعي جديد تتوجه به الى جماهيرها، بعد أن خلّت السلطة بينها وبينهم. لن يفيد تنظيمات المعارضة بشئ أن يقف قادتها في الندوات السياسية ليشنفوا آذان الناس بقصص الف ليلة وليلة عن أخطاء الانقاذ وخطاياها وخبال مواليها وفساد طواياها. شعبنا يعرف ذلك كله، وهو ليس بحاجة لمن يصدعه تصديعاً بروايات يحفظها عن ظهر قلب. المطلوب من قوى المعارضة ان تواجه التحدي الرابض امامها، وأن تسمو فتخاطب العقول، لا أن تتبذل فتدغدغ العواطف وتطلق الصواريخ النارية في الهواء.

عليها، عندما تصعد الى المنابر، ان تقدم نفسها هي، فتعرض كسبها وتبسط غزلها لعامة الجماهير، وان تقنعهم بمتانة نسيجها وجودة بضاعتها، بدلاً من ان يكون شغلها الشاغل وأكبر همها التحذير من الآخرين ومن رداءة صناعاتهم كما تفعل الآن. مطلوب منها أن تقول للناس: من هي وما هي غاياتها وما هي برامجها وخططها الاستراتيجية للخروج بالسودان من وهدته؟
الحرية مسئولية، والديمقراطية بالقطع ليست نزهة نيلية. وشعب السودان من أذكى الشعوب، فأحترموا عقله وأحذروا مُكره!

نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)
//////////