غرباً باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


في مناسبة اجتماعية جلست مستمعاً الى شخص كان يتحدث بحماسة منقطعة النظير عن الفساد في شركة الأقطان وعن ملايين الدولارات المنهوبة من حساباتها. ثم عن ثلاث مليارات من الجنيهات قال ان المحامي الاستاذ عبد الباسط سبدرات (لهطها)، هو واثنان من القانونيين مؤخرا مقابل اتعابهم كهيئة تحكيم في نزاع بين الشركة وآخرين.  انتظرت حتي هدأ الرجل الذي كادت شرايينه تنفجر من الانفعال، وسألته بعض الأسئلة عن شركة الاقطان واختصاصاتها وتبعيتها وطبيعة نشاطها والنظم الحاكمة لأدائها. وكذلك عن نوع وطبيعة التحكيم الذي اضطلع به سبدرات وزمرته من اهل القانون. كما توقعت لم يكن بوسع الرجل تقديم اجابة واحدة مفيدة على اى من الاسئلة، بل انه لم يعرف حتي ان كانت شركة الاقطان شركة خاصة تتبع القطاع الخاص ام حكومية تتبع القطاع العام. أما عن التحكيم فقد تلعثم الرجل واضطرب قليلا، ثم تمتم ببضع كلمات كشفت عن انه لم يفهم موضوع التحكيم ومادته اصلا. الشئ الوحيد الذي (يعرفه) الرجل هو ان هناك (مأكلة حاصلة)، فهكذا كتبت الصحف!
من جانبي كنت قد بذلت جهداً كبيراً في محاولة قراءة واستيعاب ما هو متوافر للمطالعة في شأن شركة الاقطان، ولكنني كنت كلما قرأت أزددت ارتباكاً وعجزت عن الاحاطة بجوانب القضية، إذ هي في واقع الامر شديدة التعقيد. بيد ان بعض المؤشرات أقنعتني أن هناك بالفعل (مأكلة)، في تلك الشركة، كما ذكر صاحبنا. وانا لا اعتراض لي على مبدأ (الأكل)، وان كنت اعترض على واقع احتكاره وتضييق نطاقه وقصره على فئة معينة. ولكن أملي في الله كبير ان تفضي مسيرة الحوار الراهن الى اتساع آفاق الديمقراطية والمشاركة، على نحو تنداح معه (المآكل) او (المأكلات) اندياحاً فيكون بساطها أحمدياً، يسعنا جميعاً على قدم المساواة، فنتمكن كلنا عن بكرة أبينا ولا نتمسكن. ونمد أيادينا لنغرف و(نأكل)، فالبلد بلدنا والمال مال أبونا. وقديماً أنشد كورال عيال ماركس (يا شعبنا يا والداً أحبنا)، وغنى مغنيهم (الشعب الطيب والديا). ولو تطايبت النفوس وتصافت النوايا فإن أموال والدنا، الذي يحبنا، تكفينانحن الثلاثين مليوناً وتزيد.
ولا بد لي من أن اعترف بأنني في قراءاتي حول قضية شركة الاقطان تأثرت نفسياً بتفصيلات خبر التحكيم الذي نهض بأمره سبدرات وصاحبيه، واصبت ببعض الاحباط. إذ تذكرت انني كنت قد فكرت في اختيار القانون مجالاً لدراستي الجامعية، ولكنني قررت في لحظة غباء نادر ان اتوجه صوب العلوم السياسية. ما ضرّ لو كنت قد مضيت قدما الى رحاب القانون؟ وكلية الحقوق (في جامعة محمد الخامس بالرباط حيث كانت دراستي) تخرج فيها عدد من أفضل القانونيين السودانيين الذين تغطى اسماؤهم الساحة الآن. يا للخيبة ويا لسوء الحظ!
هل طالعت – أعزك الله – حديث الاستاذ عادل عبد الغني، محامي المتهمين في قضية الاقطان،ضمن الحوار الذي اجرته معه محررة (السوداني) اللامعة لينا يعقوب؟ قال المحامي عن الرسوم المستحقة لزملائه من جماعة التحكيم: "هيئة التحكيم دفعوا لها ثلاثة مليار. وبالاطلاع على قواعد التحكيم دولياً، فإن الرسوم هي 5% من قيمة المطالبة. وحتى هنا في المركز الدولي للتحكيم بالخرطوم أيضاً الأتعاب 5%. السمسار يتحصل على 5% عمولة، فما بالك بأشخاص ذوو تأهيل عالي وضمير راقي عملوا لمدة ستة أشهر. ورغم ذلك أتعاب المحكمين كانت أقل من 1%). وقيمة المطالبة، ان لم تكن تعلم، ثلاثمائة مليون. والنسبة (الضعيفة) المشار اليها ترجمتها المالية الفعلية ثلاثة مليار جنيه تسلمها اعضاء هيئة التحكيم، بواقع مليار لكل واحد. وبحسب المحامي عادل عبد الغني، فإنه وفقاً للاصول المرعية في مثل هذا النوع من التحكيم فقد كان من المفترض ان يكون نصيب الفرد خمسة مليارات من الجنيهات، لولا التواضع والقناعة التي هي كنزٌ لا يفنى.
والحق ان مسألة الرسوم التي يتقاضاها المحامون كأتعاب عن بعض النشاطات الذهنية والاجرائية ظلت دائما مثار اهتمامي. أذكر أنني سمعت في مجلس بعض الاخوة من اهل القانون عن الرسوم التي تقاضاها حبيبنا المحامي الكبير الشهير (هو في الاصل حبيب عادل الباز ومحمد لطيف، فهما اللذان عرفاني به فصار حبيبا لي أنا ايضاً)، مقابل انجاز مهمة توثيق عقد بيع شركات الملياردير محمد فتحي ابراهيمقبل عدة سنوات، والتي قبض الملياردير مقابلها أربعة مليارات من الدولارات عداً نقداً. تخيل، يا رعاك الله، خمسة في المائة– يا سيدي قل واحد في المائة - من الأربعة مليار دولار وقداستقرت،  كرسوم توثيق، في حساب المحامي الكبير لدى بنك لويدز بلندن. يطلعوا كم دول يا ربي؟!
ولكن دعني أسألك: هل تنبهت الى عبارة (اشخاص ذوو تأهيل عالي وضمير راقي)؟ التي جاءت ضمن حديث المحامي عادل عبد الغني في وصف المحكمين الثلاثة؟ مؤكد أن هذه العبارة كانت ستنطبق علىّ أنا أيضا لو انني كنت قد درست القانون ومارسته. صدقني –أعزك الله – أنا أعرف نفسي. يا إلهي! ما الذي دهاني وجعلني أضل طريقي؟ ليتني التحقت بكلية القانون، وقضيت فيها أربع سنوات من البهجة، اقرض الشعر واقرؤه للمعجبين والمعجبات، واكتب القصائد الغنائية واقدمها للبلابل، ثم تخرجت بعد ذلكمحامياً فالحاً ناجحاًأقبض المليارات؟
لا اقصد ان (ألقح) الكلام على سبدرات. ولماذا افعل وهو حبيبنا؟ بل هو عندي (ولداًقدل فوق عزة). ولكنني عجزت عن مغالبة إغراء تلك  الفقرة التي وردت في الحلقة الاخيرة من سلسلتي (قبيلة عبد الباسط سبدرات) قبل عدة اشهر. وهي عبارة عن مجتزأ من رسالة خاصة كانت قد وردتني من رجل مفضال (يقبض هو نفسه بالمليارات)، وقد زامل سبدرات في جامعة الخرطوم. جاء في تلك الفقرة: ((وفي رسالة من شخصية اخرى زاملت سبدرات ايضا، جاء ان الرجل – أي سبدرات نفسه – كان خلال سني دراسته الجامعية محباً للحياة، غاطساً في مباهج الدنيا حتي اذنيه. وأنه كان معجباً بكلمة (قبيلة) منذ ذلك الزمن، الى درجة انه أنشأ جماعة من الطلاب والطالبات أسماها (قبيلة الفرح). وكان هو واعضاء قبيلته يلتقون في ميدان كرة السلة يتذاكرون الشعر والفن والغناء والسوالف))!
وأنا، علم الله، أغبطه، وأغبط كل المحامين الناجحين ولا احسدهم. ربنا يزيد ويبارك!

نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)