غربا باتجاه الشرق

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

ها نحن نعود لنقف معاً – مرة أخرى - على شاطئ ذكريات السفير المخضرم الدكتور أحمد محمد دياب، ونقلِّب صفحات كتابه الموسوم بذات العنوان الذى تراه على صدر المقال. وقد قرّظ الكتاب، كما أسلفنا، وقال في شأنه القول الحسن أديبنا الكبير الطيب صالح، وإذا قال الطيب فصدقوه، فإن القول ما قال الطيب. ولعلنا نقف عجلين فنشير إشارة عابرة الى الكم المقدّر من الرسائل الالكترونية التى بعث بها إلينا نفر كريم من أهل المهنة الدبلوماسية الحاضرين والسابقين. عبّر بعض هؤلاء عن ضيق بالرواية التى وردت فى الجزء الأول الأسبوع الماضي، نقلاً عن الكتاب موضوع العرض، بشأن حادثة سفارة نيروبي وبطلها الوزير والسفير السابق المغفور له محمد ميرغني. بل أن منهم من قطع بنفي الرواية في جملتها وتفصيلها، ونقل اليّ شهادة الملحق العسكري السابق بنيروبى، العميد (م) ميرغني سليمان خليل، الذي أورد الكتاب إسمه بإعتباره واحداً ممن أرغمهم السفير الراحل على الخضوع لإجراء فحص بصمات الأصابع، ونسبت إحدى الرسائل اليه قوله بأن الرواية مصنوعة وأنها من نسج خيال المؤلف. غير أنني تلقيت في ذات الوقت من سفراء ودبلوماسيين آخرين مكاتيب تعضد الرواية كما جاءت في متن الكتاب بنصّها وفصّها، وتذكر بأن خبرها توارد إليهم فى زمانها وأوانها على لسان شهود معاصرين من الثقات. وقد حرت وحار دليلى فى أمر الخلاف بين أهل الحُلل الفاخرة وربطات العنق الساحرة هؤلاء. ومهما يكن من أمر، فإننى أكاد أقطع بأنه ليس هناك من معاصرى الوزير والسفير السابق المرحوم محمد ميرغنى، من يجادل فى أن إسم الرجل إرتبط، أوثق رباط، خلال سنى عمله فى وزارة الخارجية، وقبلها فى سلك الشرطة، بالشطط والمعاسرة التى بلغت حواف اللامعقول فى إنفاذ القوانين واللوائح، وفى إلزام العاملين تحت إمرته بالخضوع لمنظومة من ضوابط وقواعد ضاقت صدور أكثرهم بها. وفى حوار مع وزير المالية الأسبق عوض عبد المجيد، نشرته صحيفة (ظلال) عام ١٩٩٤م، تطرق الرجل الى مناهضة طلاب جامعة الخرطوم للسلطات فى العهد الاستعمارى، وذكر بأن ضابط الشرطة آنذاك، محمد ميرغنى، كان شديد البأس على الطلاب المشاركين فى المواكب والمظاهرات المنددة بالإستعمار، وأنه كان يطاردهم ويضربهم ويلهب ظهورهم بالسياط. وقد جاء المانشيت الرئيسى للحوار مع وزير مالية حكومة الإنتفاضة هكذا: ( وزير خارجية نميرى ضربنى بالكرباج )!يقول المؤلف، الذى شغل وظيفة مدير عام الشئون السياسية بالوزارة فى منتصف السبعينات، أن الخارجية أصبحت فى ذلك الزمان ( مؤسسة لها وضع خاص فى هيكل الدولة لا يقل عن  رئاسة الجمهورية وجهاز الأمن القومي والقوات المسلحة ). والعاملون بتلك الوزارة مغرمون بمثل هذه المقولات، وحين إبتدعت رئاسة مجلس الوزراء فى نهاية السبعينات تقسيما قطاعياً لوحدات الجهاز التنفيذى، وأطلقت على وزارتى الخارجية والدفاع ورئاسة الجمهورية مسمى " قطاع السيادة " استبد الفخر بأهل الخارجية وقرت أعينهم بذلك المسمى فكانوا يستخدمونه، غدواً ورواحاً، فى الأقوال والكتابات، بمناسبة وبغير مناسبة. ولأستاذنا أحمد دياب أن يقول فى شأن وزارة الخارجية ما يسر باله ويرضيه، ويسر رفقته من السفراء والدبلوماسيين ويرضيهم. ولكن الذى أعلمه يقيناً أن وزارة الخارجية لم تجاوز قط كونها سكرتارية فنية تابعة لرئاسة الجمهورية طوال العهد المايوى. وما من شك فى أن بعضاً من الوزراء فى ذلك العهد كان لهم بريق وسحر خاص، ولكنه بريق ذواتهم وسحر أسمائهم. تسطع أنجمهم فى السماء حينا من الدهر ثم تخبو بعد إلتماع. ومن هؤلاء الدكتور منصور خالد، الذى تولى مقاليد وزارة الخارجية والمغفور له الدكتور جعفر محمد على بخيت وبدر الدين سليمان وغيرهم. ولكن الوزارات التى تولوا شأنها لم تتعد قط حالة كونها وحدات تنفيذية فى الهيكل التنظيمى العام لجهاز الدولة. وزعْمْ المؤلف بأن وزارة الخارجية كان لها، عهد إشرافه على إدارتها السياسية، دور ووزن يعادل القوات المسلحة وجهاز الأمن، لا يعدو فى ظنى أن يكون تفكيراً رغائبياً بأثر رجعى. والتفكير الرغائبى من أصهار أحلام اليقظة. والثابت عند علماء النفس أنه ليس هناك ثمة ضرر من أحلام اليقظة، لو أنها مورست باعتدال. تطرق الكتاب الى مسألة التعيين السياسى فى السلك الدبلوماسى، وهو هاجس ظل يؤرق مضاجع دياب وزمرته على توالى الأزمان السياسية. والتفرقة بين الإحترافيين والخوارج فى فقه وزارة الدبلوماسية قائمة الى يوم الساعة. والخوارج هم المئات من ضباط القوات المسلحة السابقين والوزراء المقالين وغيرهم ممن حشدتهم الحكومات الشمولية فى مناصب السفارة، فأطبقوا على أنفاس المحترفين المتلمظين الى السفارات وعدّموهم السنتْ والنِكل والدايم، وهؤلاء إن لم تكن تعلم من مفردات العملة المعدنية التابعة للدولار الأمريكى الواحد. وجاءت الثورة المنقذة، بعد ذلك، ففاقمت الأمر اذ جعلت التعيين السياسى هو الأصل والإنتماء الإحترافى هو الإستثناء، ثم زادته ضغثاً على إبالة فملأت الوظائف الوسيطة والدنيا بكادرات من عضوية كيان سياسى بعينه لم يحسن بعضهم كتابة إسمه الأول باللغة الإنجليزية الا بشق الأنفس. وقد كنت أظن أن بلاء التعيين السياسى وباء يخص الأنظمة الشمولية دون غيرها، وأن الحكومات الديمقراطية مبرأة منه براءة الذئب من دم يوسف.  ولكننى استفدت من مطالعة المذكرات أن الأحزاب السياسية فى حقبة الديمقراطية الثانية، التى أعقبت ثورة إكتوبر، كانت لها بعض مساع لإختراق المهنة الدبلوماسية ومباشرة التعيين السياسى لم تكلل بنجاح. ومن أمثلة ذلك سعى الحزب الإتحادى الديمقراطى لتعيين أحد أقطابه، وهو المرحوم الدكتور أحمد الطيب عابدون سفيراً بالخارجية. وقد انتهى أمر تلك المحاولة فى حينها الى أزمة سياسية بالغة التعقيد نقلت القضية من حيز السلطة التنفيذية الى ساحة البرلمان الذى عارض المسعى وهزمه. وقد أثلج ذلك القرار بلا ريب صدور قوم مؤمنين فى وزارة الخارجية آنذاك. كنت قد أشرت فى الجزء الأول من هذا العرض الى ما ذكره أستاذنا الطيب صالح فى كون المذكرات جاءت (سجلاً أميناً) لحياة صاحبنا وللوقائع ومجرياتها. يبدو لى أن أمانة المؤلف لم تقتصر على ما يتعلق بشخصه وحده، بل شملت أيضاً ما نقله عن الآخرين، فقد نقل عن المرحوم السفير يوسف مختار قوله (الشيوعيين هُبل). ونعتْ الشيوعيين بالهبالة، مما قد لا يُسر له الشيوعيون السودانيون، وربما يفسد عليهم بهجة أيامهم الحاضرة ووهجها، وبهاء المؤتمر الخامس وألقه. وقد عرفت أنا فى حياتى عدداً كبيراً من الشيوعيين، إبتداء من عبد الله القطي وصلاح حسن ( رب إرحمهما كما ربياني شيوعياً صغيراً فى مدرسة عطبرة الثانوية الحكومية منتصف السبعينات). وأغلب الشيوعيين الذين عرفتهم كانوا من خيار الناس وأفضلهم، وأكثرهم فطنة ونباهة. قليل جداً ممن صادفت من الشيوعيين تنطبق عليهم صفة "هبيل". ويعقد الأمر تعقيداً أن صاحبنا نقل أيضاً عن السفير الدكتور بشير البكرى أنه استهجن وصفه بأنه شيوعى ولو على سبيل الدعابة، فقال: ( أنا زعلان لأنك وصفتنى بأننى شيوعى، وهذه تهمة لا تليق بى إطلاقاً). غير أن الذى يخفف من وطأة الأمر على شيوعيينا الأفاضل فى السودان، هو علمهم بأن الشيوعيين الموصوفين بالهبالة هم شيوعيو بلغاريا، لا السودان. فقد ساء صاحبنا وصحبه سوء المعاملة وطول الإنتظار فى إحدى مطاعم صوفيا، حيث  قصدوا وجبة الغولاش البلغارية الشهيرة وموسيقى السيموفونيات الكلاسيكية مثل "الدانوب الأزرق"، التى يعشقها السفير الدكتور بشير البكرى، وطمعوا فى الحصول على خدمة أفضل، فنهض السفير يوسف مختار وطلب مقابلة مدير المطعم فجيئ له به، فأخذ السفير يتحدث اليه بلغة فرنسية رفيعة لفترة قصيرة جداً، تغيرت بعدها ملامح المدير وبدأ ينظر الى الدكتور بشير البكرى نظرة تجمع بين الدهشة والإحترام الفائق. وأنطلق مدير المطعم ومعاونوه بعد ذلك فى سعى محموم لتجهير طاولة طعام خاصة للجماعة وعليها كل أنواع الأزهار والورود والشراب والمقبلات، وحولها النادلون والنادلات رهن الإشارة. سأل الدكتور بشير البكرى عن تفسير لما يجرى، وعما قال السفير يوسف للمدير فأجاب: ( إنت عارف الشيوعيين ديل ناس هبل. أنا قلت ليه إنت سكرتير عام الحزب الشيوعى السودانى وجاى فى زيارة رسمية لبلغاريا. بس تانى ما قلت حاجة. و انت شايف المعاملة إتغيرت كيف؟ ). أترى أن هذا السفير كان يمثل النسخة السودانية من شخصية (منسي) التى نسج حولها الطيب صالح فصول كتابه الشهير الحامل لنفس الإسم؟ لا يهم، فها أنا قد نقلت بأمانة مطلقة، ما نقله صاحب المذكرات بأمانة أكثر إطلاقاً. والكرة الآن فى ملعب السكرتير العام المنتخب للحزب الشيوعى السودانى، ولا شأن لى بالأمر بعد ذلك إذ لا ناقة لى فيه ولا جمل. فلست أنا من انتحلت شخصيته ووُصم أصحابه بعد ذلك بالهبالة! للمؤلف الدكتور أحمد محمد دياب علائق قديمة، سابقة لقيام إنقلاب مايو ١٩٦٩م، ببعض قادتها ورموزها. أبرز هؤلاء هو الرائد مأمون عوض أبوزيد، عضو مجلس قيادة الثورة الذى تولى رئاسة جهاز الامن القومى ووزارة الداخلية فى مراحل مختلفة من العهد المايوى. والصلة  بمأمون تعود الى عهد الصبا فى أم درمان وما تلاه من الشباب الباكر فى مدرسة وادى سيدنا الثانوية، ثم ترسخت وتوطدت تلك العلاقة فى معترك الحياة العريض.  وبحسب صاحبنا فإن من أبرز صفات مأمون أنه (خجول وبسيط ووفى). ووصف مأمون بالوفاء يتفق فيه مع صاحبنا دياب الإمام الصادق المهدى شخصياً، فقد سمعت منه إبان رئاسته لمجلس الوزراء، فى النصف الثانى من الثمانينات، قوله عن الرجل أنه كان أكثر رجال الثورة فى مايو وفاء لعهوده مع قادة المعارضة. ويبدو لى أن مأمون فى شبابه الباكر كان بسيطاً أكثر مما يتوقع المرء، فقد سأله سائل ــ بحسب دياب ــ فى محل للساندويتشات، بعد أن صرح بأنه لا يرغب فى أى نوع من اللحوم، عما إذا كان يفضل ساندويتش زيتون، فأجاب مأمون بأنه " لا يحب الحاجات الحلوة "! واكتشف صاحبنا عندها أن مأمون لا يعرف الزيتون! وقد شاءت أقدار الله الغالبة لهذا الفتى الخجول، الذى لم يعرف الفرق بين التين والزيتون، أن يلعب أدواراً محورية ساهمت بقدر كبير فى صياغة تاريخ السودان السياسى. ومما لفت نظرى فى المذكرات حوار معين دار فى الأيام الاولى لانقلاب ٢٥ مايو ١٩٦٩م، فقد  عرض مأمون - عضو مجلس قيادة الثورة - على المؤلف، الذى كانت له تجربة قصيرة كمساعد للسكرتير الأكاديمى للجامعة، منصب مدير جامعة الخرطوم، فسأله دياب الذى كان يظن الأمر هزلاً: " وكيف يكون ذلك؟". أجاب مأمون: " يكون بقرار من مجلس قيادة الثورة "، " إن حدث ذلك يكون الأمر فوضى! ". " لماذا يكون فوضى؟ عندما قام كاسترو بالثورة فى كوبا عين رئيس إتحاد الطلاب مديرا للجامعة "، " أولاً أنت لست كاسترو والسودان ليس كوبا"، " والله يا المثقفين الواحد ما عارف انتو عايزين شنو بالضبط "! ولا أعرف مادة أفضل من مادة هذا الحوار القصير يمكن أن يخضعها مؤرخ حصيف للدراسة والتحليل، لو أنه ابتغى صورة نابضة ومعبرة عن هشاشة الذهنية السياسية ورخاوة الأرضية الفكرية التى كان يقف على صعيدها صغار الضباط من ثوار مايو هؤلاء غداة انطلاقتهم الكبرى! كما أن المؤلف كان على صلة شخصية بقائد الإنقلاب جعفر نميرى، وهى صلة بدأت فى العام ١٩٦١م، أى قبل الانقلاب بثمانية أعوام، وترد فى عدة مناطق من المذكرات روايات عن الرئيس السابق. وقد وجدت أكثرها ثراء وجاذبية ذلك اللقاء الذى جرى بينهما فى القاهرة، بعد سقوط النظام ولجوء الرئيس المخلوع للإقامة فى عاصمة الكنانة. فقد أحسن النميرى إستقباله فى منزله بمصر الجديدة، ثم سأله فجأة إن كان قد التقى الدكتور منصور خالد مؤخراً، ثم عاجله بسؤال عما إذا كان قرأ كتاب منصور الأخير ( ذى قوفرنمنت ذى ديسيرف ) باللغه الإنجليزية فكان الإيجاب هو الإجابة. وهنا اندفع جعفر نميرى  بصوت عال: ( لماذا يستخدم منصور كلمات إنجليزية صعبة فى هذا الكتاب؟ لقد فتشت فى عدد من القواميس عن معانى بعض الكلمات ولم أجدها )! وكانت لصاحبنا هنا إجابة مطولة أنقلها بحرفها: ( ذكرت له أن منصور يستعين بعدد من المحررين خاصة عندما يكتب بالإنجليزية، وهو يمتلك ثروة هائلة من الوثائق والمقتطفات تساعده فى إعداد كتاباته، وإنه يضع الأفكار الرئيسية والخطوط العريضة للكتاب، ثم يقوم بمراجعته بعد أن يعد فى صورته النهائية بواسطة المحررين ). ولو صح فهمى لهذه الفقرة فإن منصور يكتب أفكاره بلغة عادية، ثم يعهد بما كتب الى محررين متخصصين يتولون صياغتها بلغة عالية. وواضح أن هذا ينطبق فقط على الكتابات باللغة الإنجليزية، أما العربية فلا أظن أن وراءها محرراً غير منصور نفسه. ولكن لنميرى مع الكتاب المشار اليه بقية من قصة. فقد قام الرئيس السابق من مكانه وأتى بالكتاب نفسه ووضع يده على غلافه الذى يحتوى على صور لشخصيات سودانية لعبت  أدوارا محورية فى الحركة السياسية الوطنية، مثل السيد عبد الرحمن المهدى والسيد على الميرغنى والأزهرى والمحجوب وزروق و جون قرنق. ثم التفت نميرى الى صاحبنا قائلاً: ( لماذا لم يضع منصور صورة عبد الخالق محجوب مع هؤلاء؟). ولما رأى الدهشة على وجه المؤلف استطرد الرئيس المخلوع: ( نعم أنا اختلفت مع عبد الخالق سياسياً، ولكنى لا أنكر دوره ودور الحزب الشيوعى فى الحركة الوطنية السودانية)! ولما كان الفقير الى ربه قد عمل طيلة العام الإنتقالى، بعيد إنتفاضة إبريل، الى جانب الدكتور الجزولى دفع الله رئيس الحكومة الإنتقالية، فقد كان طبيعياً أن يشتد انتباهه لما ذكره المؤلف عن تجربته مع الدكتور الجزولى عند زيارته لباريس لمخاطبة الجمعية العامة لليونسكو. وقد وصف صاحبنا  رئيس وزراء الإنتفاضة بأوصاف ثقيلة بعض الشئ. ولا جناح عليه. فإذا لجأ كاتب المذكرات الى تغبيش المشاعر وتلوينها، وتذويق الإنطباعات وتحسينها، فقدت المذكرات قيمتها وأصبحت من مزجاة بضائع العلاقات العامة. وبحسب كلماته فأن دياب أخذ على شخصية الجزولى (الصرامة والتقوقع والتزمت). ومن بين ما قاده الى هذا الإنطباع، ذى القوة الثلاثية، واقعة تدقيق الجزولى فى مسودة الخطاب الذى أعده  له السفراء ليلقيه على الجمعية العامة، ثم اعتراضه على ما جاء فى مستهله من مخاطبة للأمين العام لليونسكو أنذاك بعبارة: (أخى مختار أمبو..)، متسائلاً: ( كيف أخاطب الرجل بأخى وأنا لا أعرفه ولم ألتقِ به فى حياتى )! وذهبت سدى محاولات السفراء لإقناع رئيس الوزراء بأن صفة (أخى) جدُّ ملائمة لمخاطبة صديق للسودان، مثل أمبو، توطدت علائقه بحكوماته وشعبه عبر السنوات. ولم  تفلح لغة الدبلوماسية فى التغلب على عقلية العالم الذى يرى الأشياء كما هى.  والذين عرفوا الدكتور الجزولى فى أول عهده برئاسة الوزارة – وكاتب هذه الكلمات من بينهم - رأوا فيه شيئاً من هذا التشدد. وهو تشدد لا ينقص – بحسب كلمات دياب نفسه – شيئاً من شخصية الرجل أو ينال من صفاته الأيجابية المتعددة. وكنت قد لاحظت فى الشهرين الاولين لرئاسته للوزارة شيئاً من ذلك التوقف الملحاح عند بعض الجزئيات والتفاصيل، وأذكر أنه وجّه إنتقادات الى  مسودة  بيان كان يفترض أن توجهه الحكومة الانتقالية الى الراحل العقيد جون قرنق، أعده وزير الأشغال العامة د. أمين مكى مدنى، وطلب رئيس الوزراء إدخال تعديلات عدة عليه أو إعادة صياغته، فرفض أمين طلب الرئيس وقد ضاق ذرعاً بملاحظاته التى لا تنتهى، وردَّ عليه باللغة الإنجليزية: ( آيام نوت أ درافت رايتر )، يعنى أنه ليس كاتب مسودات، وتلك ترجمة حرفية للمعنى الأصلى الرابض فى جوف العبارة وهو: ( أنا مش سكرتير )! كما كان الدكتور الجزولى شديد الحساسية تجاه بعض البيانات التى يعدها ويصدرها وزير الخارجية الأستاذ أبراهيم طه أيوب دون تمريرها على رئيس الوزراء، قد غضب غضبة مضرية حين صدر بيان سياسى مشترك عقب زيارة قام بها للسودان الرئيس حسنى مبارك دون إستشارة رئيس الوزراء أو علمه. ولعل أيوب كان يخشى ( عكلتة ) رئيس الوزراء، فيتجاوزه غير هياب ولا وجل. وذات الشئ  ينطبق على وزير إعلام الإنتفاضة البروفيسور محمد بشير حامد الذى لم يرض رئيس الوزراء عن مبادرته، دون التشاور معه، بتسمية المغفور له الاستاذ على حامد والاستاذ محجوب محمد صالح رئيسين لدارى الصحافة والأيام على التوالى. ولكن الدكتور الجزولى دفع الله كان أكثر وداعة ومرونة  فى النصف الثانى من حقبة رئاسته للوزارة، فقد قمت بصياغه معظم البيانات التى ألقاها على الشعب من خلال جهازى الإذاعة والتلفاز، فلم يدخل عليها إلا تعديلات عادية طفيفة، كما قمت - وفق خطوط عريضة حددها هو - بصياغة الخطاب الذى ألقاه فى السادس والعشرين من مارس ١٩٨٦م بقاعة الصداقة، فى نهاية فترة رئاسته، متضمناً مجمل إنجازات حكومته خلال العام الإنتقالى، دون أى تعديل منه فى نص الخطاب، اللهم إلا طلبه تغيير الآية القرآنية فى المقدمة. ولعله أدرك عند خواتيم تجربته أن البيانات والخطب السياسية ليست على ذلك القدر من الخطر، وأن الناس قلما يحفلون بها أو يحسنون الإستماع اليها. ولو أنك قرأت كتاب السفير الدكتور دياب بكامله، لأمتعتك الذكريات المتداعية والخواطر الثرة عن فترات خصيبة شديدة الحيوية، عاشها المؤلف فى دول عدة من إفريقيا وأوربا والشرق الأوسط، وعن الصلات الحميمة مع عدد من الشخصيات الدولية الفاعلة فى حقول السياسة والثقافة. ولعل الآخرين من رفاق دياب ممن خدم بلاده فى سلك الدبلوماسية، وأحسنوا خدمتها، يجدون فى مبادرة صاحبنا بتسجيل مذكراته ونشرها حافزاً لهم على ترسُّم خطاه  فى الإنفاق من عصارات تجاربهم وركام معارفهم، فتكون صدقة جارية وعلما يُنتفع به، عسى الله أن يُثقل بها ميزان حسناتهم يوم المبعث. عن صحيفة ( الأحداث ) مقالات سابقة:http://sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=مصطفى%20عبدالعزيز%20البطل&sacdoid=mustafa.batal