غرباً باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


فيما يلي مقالين، الاول بالعنوان أعلاه، نشر في عدد الأحد من (الرأى العام). والثاني مقال آخر منفصل بعنوان (من يريد الحوار) نشر يوم الخميس الماضي:

عيال ماركس: الحوار والكوار:
من جملة أحزاب المعارضة اليسارية التي تحفظت على دعوة الحوار الوطني، وأمسكت حتى الآن عن الدخول في لججه، فإنني لا انظر بأى قدر من الجدية والاهتمام إلا الى موقف الحزب الشيوعي السوداني. ليس معنى هذا انني لا اقيم وزناً لأحزاب المعارضة اليسارية الاخرى. بالعكس فأنا احترمها كلها واقدر لها تطلعاتها المشروعة في ان تلعب دوراً مؤثراً في الحياة العامة (ولكنني استثني بطبيعة الحال حزب المسخرة، وهو حزب علاقات عامة وظيفته الاساسية توفير 'استايل' أو نمط حياة معيشية واجتماعية معينة لرئيسته السندريلا، التي أدمنت حفلات العشاء الفاخرة في دور السفارات والمنظمات وعريشة الامام الحبيب).
اهتمامي بالحزب الشيوعي يتأسس على عنصرين: الأول شخصي بحت، وهو ان السكرتير العام للحزب المهندس محمد مختار الخطيب (من أندنا)، بل هو قريبي لزم. وقد جاء الخطيب الى قيادة الحزب ووراءه تاريخ ناصع من الشرف والنضال والبسالة. وقد أزيدك في يومك هذا لوجه الله تعالى علماً، فأقول لك ان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي تضم الى جانب المهندس محمد مختار الخطيب شقيقه، قريبي الآخر، الدكتور سيد أحمد مختار الخطيب. وهذه هي المرة الاولى في تاريخ الحزب التي تضم فيها لجنته المركزية أخوين شقيقين، مناضلين باسلين. جعلهما الله ذخراً للسودان ومستقبله الديمقراطي. أما العنصر الثاني، فهو حقيقة أن لحزب بني شوعان ثقله التاريخي المرصود وإرثه العريق المركوز في ثنايا الحياة السياسية السودانية. وأنه ومهما كانت مآلات المخاض الفكري والتنظيمي الذي يجتازه حاليا، فإنه سيظل رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه والقفز من فوقه.
ولكن موقف أحبابنا من عيال ماركس تجاه قضية الحوار الوطني الراهنة ما برح يدهشني ويثير حيرتي. يقول قادة الحزب انهم يتشككون في نوايا المؤتمر الوطني وجديته. وعلى خلفية هذه الشكوك والريب فأنهم يضعون شروطاً للمشاركة في الحوار منها ايقاف الحرب واطلاق الحريات العامة. وتلك هي البنود التي رد عليها رفيق الشيوعيين في غار تحالف قوى الاجماع الوطني، الدكتور حسن الترابي، بقوله: انها ليست شروطاً ولا ينبغي لها، ولكنها لب الحوار ومادته واجندته، فإذا عادت الحريات وسادت، وحل السلام واستدام،  فعلام الحوار، وعلى أى شئ يكون التفاوض؟!

سؤالي للأحباب: ماهي المشكلة في كونكم تشككتم في صدق نوايا القائمين على نظام الانقاذ وجديتهم؟ أنا شخصيا لا أعرف أحداً تحت سماء السودان، باستثناء العصبة المنقذة نفسها، لا يتشكك في نوايا دهاقين الانقاذ. وهل كان شيوعيونا الافاضل يولون ثقتهم الكاملة لقادة النظام ويؤمنون بصدق نواياهم عندما حاوروهم وتفاوضوا معهم من خلال التجمع الوطني بعد اتفاقية نيفاشا 2005، وجالسوهم في صوالين القصر الجمهوري، ثم شاركوا في حكومة الانقاذ مشاركة مباشرة دون قيد او شرط بأن دخلوا برلمانه وتوهطوا فوق كراسيه؟ وهل كانوا يثقون قبلها في نوايا نظام الفريق ابراهيم عبود، وطغمته العسكرية عندما لانوا له واستقاموا، ودخلوا مجلسه الاستشاري؟

وأنظر الى مطلب ايقاف الحرب كشرط للحوار فأجدني أقول: غالي ولكن الطلب ليس رخيصاً يا بني شوعان. هل تذكرون يوم حاور الميرغني العقيد جون قرنق وفاوضه، ثم عاد اليكم باتفاقه الشهير عام 1988 فاستقبلتموه بالدفوف والمعازف؟ هل يا ترى تذكرون نصوص تلك الاتفاقية، أم انكم ممن ينسون التاريخ؟ إذن يا ويلكم. يقول ارنولد توينبي: "الذين ينسون التاريخ محكوم عليهم بأن يستعيدوه ويعيشوه مرة اخرى". حسناً، فإذا نسيتم الاتفاقية ونصوصها فهل نسيتم (توضيحاتها)؟ تلك (التوضيحات) التي انقلبتم بسببها على رئيس الوزراء الشرعي المنتخب، ودلقتم عليه – انتم وغيركم – من الاتهامات الباطلة  ما تنوء بحمله الجبال الراسيات.
تضمنت تلك الاتفاقية نصاً يلزم حكومة السودان باعلان رفع حالة الطوارئ في جنوبي السودان فوراً. وكان هذا البند في طليعة البنود التي اعترض عليها رئيس الوزراء، بناء على حوارات مع بعض اهل الذكر والنهى من كبار ضباط القوات المسلحة المتقاعدين. وكانت حصيلة موقفه بعد شوراه مع اولئك النفر من الغيورين على سلامة الوطن وكرامته، هو ما ورد ضمن المذكرة التي اشتهرت في المصطلح السياسي آنذاك باسم (توضيحاتها). وجوهر ما ورد فيها انه ليست هناك حكومة مسئولة تحترم نفسها تبادر برفع حالة الطوارئ وتعيد جنودها الى ثكناتهم، بينما يحمل المتمردون عليها السلاح ويجوسون خلال الديار. وكان مطلب الامام يومها هو ان تُعاد صياغة الاتفاقية بحيث توافق الحركة على اعلان وقف العمليات الحربية من جانبها أولاً، ثم تلتزم الحكومة بعد ذلك باعلان رفع حالة الطوارئ.
ولكن من يسمع ومن يعي؟ فقد كانت الفتنة بجون قرنق والافتتان بالحركة الشعبية يومذاك قد أذهبت عن العيون ابصارها. ثم ها هو التاريخ يعيد نفسه، ويا سبحان الله! ترى هل علم الأحباب في حزب الطبقة العاملة ،وهم يشترطون على القوات المسلحة أن توقف العمليات ضد المتمردين، ان هناك مناطق في جبال النوبة تسيطر عليها الحركة الشعبية، يُحظر فيها انتقال الاسر الى المناطق التي تقع داخل سيطرة الحكومة حتي في حالات الضرورات القصوى كالعزاء في الموتى من الأقارب الا وفق شروط مشددة. الحركة الشعبية – صدق او لا تصدق - لا تسمح للزوجة بحق الانتقال الا بعد تسليم الزوج نفسه كرهينة ريثما تعود الزوجة من مكان العزاء. وهنا تؤخذ الزوجة نفسها، هي واطفالها كرهائن، ثم يُسمح للزوج هذه المرة بالانتقال فيذهب ليؤدي واجب العزاء ثم يصد عائداً على عجل ليحرر زوجته واطفاله من قيد الرهن!
ذلكم هو جيش الجبهة الثورية الذي يسترهب مواطنيه ويسترهنهم، من حيث أراد ان يحررهم من (التهميش)، فلا تفتتنوا به، هداكم الله، كما افتتنتم بجون قرنق وجيشه التحريري من قبل فباعكم بالثمن البخس.
يا عيال ماركس: من شهد منكم مؤذن الحوار يؤذن، فليدخل مع الداخلين.


من يريد الديمقراطية؟
في مورد التحليل السياسي أحرص دائماً على قراءة ما  يكتبه الناشطون السياسيون الذين تحولوا في مدار الزمان الى صحافيين مهنيين محترفين. اذ يتميز هؤلاء على غيرهم بأنهم خاضوا تجربة العمل السياسي التطبيقي قبل ان ترسو سفنهم في بر الصحافة. من هؤلاء الاستاذ أمير بابكر، احد كادرات حزب التحالف الوطني السوداني، الذي تدرج في صفوفه حتى وصل الى موقع رئيس المكتب التنفيذي للحزب. ومنهم الاستاذ قرشي عوض، أحد العناصر القيادية في حركة القوى الحديثة (حق)، التي أسسها عام 1995 الراحل الخاتم عدلان وآخرون، وكانت عهدذاك سنبلة واعدة بالحداثة والنهضة، قبل ان يتهاوى الحلم ويصبح بزرميط، ويتحول التنظيم الى سيرك هزلي.

استوقفني ما كتبه الاستاذ قرشي عوض في صحيفة (الخرطوم) اول أمس الأحد، حول مسار عملية الحوار الوطني وتداعياته، ومن ذلك عبارة من أربعة عشر كلمة جاء فيها: "إن البعض يخشى أن تفى الحكومة بمطلوبات الحوار الوطني، لأنهم يخشون تبدل المناخ الحالي". وبصرف النظر عن منطلقات قرشى ومراميه في التفكير والتقرير، فإن العبارة تشي بمعرفة وثيقة وادراك حقيقي لطبيعة المسرح السياسي الراهن. ولا غرو، فصاحبنا يتفحص ويتأمل ما حوله، فيري الحزن وقد ران في بعض العيون، ويستشعر إحساس الوجل والقلق والرهبة التي سكنت قلوباً كثيرة. ولا ريب في أنه ومع وجود قطاعات واسعة تتطلع الى تصاعد وتائر الحوار الوطني وبلوغه غاياته الكبرى، فإن هناك من يرى في عودة الديمقراطية بكافة استحقاقاتها ما يهدد أمتيازاته ومكتسباته، بل وأصل وجوده في الحياة العامة.
واهم من يظن ان المذعورين واصحاب القلوب الواجفة الكارهين لسيرة الحوار والديمقراطية هم فقط صقور المؤتمر الوطني، وتنابلته من القطط السمان وأصحاب الكروش الكبيرة، الذين استناموا الى نعيم السلطة فعزّ عليهم ان يفارقوا ريش طنافسها، أو ان يجالدهم عليها آخرون. والحقيقة أن المذعورين الذين ترتجف فرائصهم عندما يسمعون كلمة الديمقراطية كثر، ومن بينهم جموع من أدعياء المعارضة.
من عبارات أدونيس الباهرة (الماء جهنم النار). والحوار المفضى الى عودة الحياة الديمقراطية والحريات الكاملة هو جهنم اولئك النفر الذين جعلوا من (النضال) المزعوم ضد نظام الانقاذ سبيلاً لكسب العيش. وقد ارتزق بعض هؤلاء من دعاوى وادعاءات المعارضة، عبر السنوات، بأضعاف ما ارتزق تنابلة الاسلاموية وسماسرتها.
لو عادت بلادنا الى مناخ الديمقراطية وسادت بيئة الحريات العامة، فأصبحنا مثل الهند وسويسرا، فمن أين سيأكل أحبابنا الذين عاشوا لربع قرن لا يعرفون وظيفة يكتادون بها خبزهم، وخبز ابنائهم، سوى تحرير ملفات طلب التمويل بالعملات الصعبة، وتقديمها للممولين في الغرب الامريكي والاوربي، بزعم اضطلاعهم بمناشط ذات صلة بإشاعة الوعي وبناء المجتمع المدني وتعزيز النضال الوطني لاستعادة الديمقراطية؟ ماذا سيفعل – مثلاً – حبيبنا المناضل المعارض، ذاك المقيم اقامة دائمة في في ولاية تينيسي الأمريكية، الذي ظل اسمه يظهر كل سنة في تقارير المنظمة الامريكية الشهيرة المعروفة باسم (الوقف الوطني للديمقراطية)، التي ظلت تنشر على موقعها الالكتروني بانتظام اسماء المتقدمين للتمويل والمبالغ التي تسلموها. وقد انهمرت على اخينا المعارض المناضل خلال العقدين الماضيين من أموال الفرنجة مبالغ تند عن الحصر. ولما سأله حبيبنا فتحي الضو ذات يوم في مقال منشور أن يبيّن لجماهير المعارضة طبيعة المناشط النضالية التي ينفق عليها أموال الفرنجة المتواترة تلك، أجاب في بيانٍ منشور ايضاً: "لا استطيع ان افصل في هذه الامور خوفاً على سلامة النشطاء الذين يعملون لتعزيز الديمقراطية داخل الوطن"!
الذين يكاد يقتلهم الرعب من الديمقراطية القادمة هم الذين يهابون حكم الاعدام السياسي والاعلامي، إذ يدركون ان الديمقراطية ستعريهم وتكشف هشاشة ادعاءاتهم. إذ لن يكون بوسعهم مواصلة الزعم بأن حشود عضويتهم تملأ الشارع، فهم يعلمون انهم سيكونون يوم العرض أمام الناخبين من أبناء وبنات هذا الشعب عراة كما ولدتهم امهاتهم (واحد من هؤلاء، وهو ممثل الحزب العقائدي، جناح كازاخستان، يملأ الفيسبوك زعيقاً هذه الايام مدعياً ان على عثمان محمد طه اتصل به ليفاوضه، لكنه رفض واغلق الهاتف في وجهه)!
الذين يهابون الحوار ويستبد بهم القلق من وثبات التغيير والانفتاح الديمقراطي، يدركون أن التغيير يبشر بنقص أكيد في الأموال والثمرات، وتضعضع المواقع القيادية في المعارضة وفقدان امتيازاتها وملذاتها (من قال ان المعارضة ليست بها ملذات)؟ أكثرهم توجساً هم المهددون بكابوس فقدان صورهم الاعلامية واوضاعهم في الحياة العامة كقادة معارضين ذوى اسماء لامعة، بعد ان استمرأوا الأضواء و(عاشوا الدور) عهداً طويلاً. يذكرني هؤلاء بأولئك الذين أقاموا الاحزاب والتنظيمات الورقية عقب انتفاضة ابريل 1985 وتسيدوا الساحات كلها، فإذا هم ملء السمع والبصر. وعندما جاءت الانتخابات في 1986 وفحص الشعب تلك الحشود، ومحّصها وحصحصها، إذا بها تذوب كما يذوب البسكويت في شاي الديمقراطية الساخن!
وتجدني في يومي هذا - أعزك الله – اكثر الناس حزناً على مصير صاحبتي السندريلا، رئيسة حزب المسخرة، التي ستبكى في اليوم الأسود، يوم الحصحصة، يوم يخرج الشعب لكل (مناضل) كتاباً يلقاه منشورا. عندها سيعرف كل انسان قدره.
ومن ضمن من سيعرف – ويا للهول - المنظمات الاجنبية المانحة، التي طالما غرفت ومنحت، على ظنٍ من الوهم انها تقدم العون لشعب السودان. وما درى البلهاء انهم انما كانوا يمولون متطلبات واحتياجات الحياة اليومية الشخصية والاسرية لرجال ونساء عاديين استسهلوا واستمرأوا حدوتة (النضال) وعاشوا على اكذوبة تمثيل قوى السودان الحديثة.
وستعرف الحقيقة السفارات الاجنبية أيضاً، ويا للكارثة! وستغيب عندها دعوات الريسيبشنات وحفلات العشاء الخلابة، حيث بوفيهات "الخروف بالمايونيز". وستذهب مباهج الحياة الاجتماعية المخملية. كما لن يكون هناك اعلام واخبار وتصريحات وحوارات وصور في الصحافة.
يا للبؤس. يا للشقاء الذي يحمله صبح الديمقراطية المنكود لبعضنا!

نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)