غرباً باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نشرت الحلقة الاولي من هذا المقال بصحيفة (الرأى العام) الاسبوع قبل الماضي كمادة قائمة بذاتها بعنوان (اساطير الاولين وخزعبلات الآخرين). ولكنني اضطررت، في مواجهة سيل عرمرم من رسائل الاخوة الغاضبين الذين لم يقع منهم بعض حديثي في المقال الاول موقعاً حسناً، الى كتابة مقال آخر في مقام التوضيح  نشرته الصحيفة يوم الاحد الماضي، بعنوان (عودة الى النميري والضرب بالأحذية).
المقال الاول (اساطير الاولين وخزعبلات الآخرين):
قرأت قبل فترة للدكتور مأمون فندي، المحاضر بجامعة جورج تاون الامريكية سابقاً، ومدير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن حالياً، مقالاً نوّه فيه الى ظاهرة ذيوعطائفة معينة من الأخبار او المعلومات ورسوخها في الوعي العام وكأنها من المسلمات، رغم انها في واقع الأمر لا تعدو كونها تخاليط وأوهام لا صلة بالحقيقة. من الأمثلة التي عرضها مأمون فندي (معلومة) يذكر انها كانت متداولة بكثافة في شبابه عن الممثل الواسع الشهرة آنذاك سمير صبري من أنه يجيد سبع لغات اجادة تامة.وقد اكتشف فندي بعد ان شب عن الطوق أن سمير صبري، الذي التقاه كفاحاً بعد ذلك وتعرف عليه، لا يجيد اللغات الاجنبية التي قيل انه يجيدها، ولاحظ انه يتحدث الانجليزية بصعوبة شديدة، ولا يكاد يكمل جملتين  في تلك اللغة الا بطلوع الروح!
ووجدت في احدى كتب محمد حسنين هيكل رواية مدهشة عن عبارة (إلقاء اسرائيل في البحر) الواسعة الانتشار في اوربا وامريكا وفي العالم العربي،والتي ساد الاعتقاد ان مصدرها جمال عبد الناصر وبعض القادة العرب.ذكر هيكل ان صحيفة التايمز البريطانية نشرت اعلاناً في بداية السبعينات طلبت فيه من الباحثين في المجالات الاعلامية والاكاديمية تقديم معلومات موثقة عن مصدر هذه العبارة، وعما اذا كان عبد الناصر او غيره من العرب قد قالوها فعلا. وبعد بحثٍ مُضن وتحقيق دقيق، موّلته الصحيفة، لم يتم العثور على اى مصدر يثبت ان العبارة وردت على لسان أى شخصية عربية. ولكن احد الباحثين وقع على عبارة واحدة فقط وردت في حديث ادلي به لصحيفة ايطالية أمين عام الجامعة العربية الاسبق عبد الرحمن عزام،إذ أجاب على سؤال الصحيفة (اين يذهب اليهود الذين هم حاليا في دولة اسرائيل)؟ بقوله: (يستطيعون ان يذهبوا عن طريق البحر الى البلدان التي أتوا منها). وخلصت التايمز في تقريرها الختامي الى ان آليات البروباغانداالاسرائيلية هي من روج للعبارة في الاعلام العالمي ونسبتها الى جمال عبد الناصر، فصدقها الجميع!
في عددها الصادر الاثنين الماضي نشرت صحيفة (المجهر السياسي) حواراً مع القيادي الشيوعي الدكتور الشفيع خضر وردت فيه اشارات الى ذكريات مرحلة الدراسة الجامعية. وفي ذلك الاطار جاء حديث عن القيادي الانقاذوي الطيب ابراهيم محمد خير الذي اشتهر باسم (الطيب سيخة). وكان قد استقر في الوجدان العام أن الرجل اكتسب ذلك اللقب واشتهر به ابان سنوات دراسته في جامعة الخرطوم. ولكن حديث الدكتور الشفيع أدهشني، إذ قال أنه، والدكتور الطيب، كانا زميلين لصيقين تجمعهما علاقة وطيدة، وانهما كانا يجلسان جنباً الى جنب في مقعدين متجاورين طيلة سني الدراسة بكلية الطب. ثم – وهذا هو الأهم –أكد الشفيعأنه لم يسمع بكلمة (سيخة) كلقب لزميله الطيب على الاطلاق أثناء سنوات الدراسةوحتي تخرجهما ومفارقتهما للجامعة. وعندما سُئل الشفيع عما هو رائج عن ميل الطيب للعنف المسلح بالسيخ، جاءت اجابته الحرفية هكذا: "لا.لا. لا اعتقد"!
قبل عدة أسابيع كتبمُلهم المراكسة المغاوير في أعالى الأسافير، الماركسي الشريف فارس بني ثقيف، الدكتور حسن موسي، يعيّرني بعملي السابق في رئاسة مجلس الوزراء.وتحداني بلغة ساخرة ان أكتب عن الرئيس جعفر نميري وكيف كان يضرب الوزراء والموظفين و'يشلّتهم' ويشتمهم(جاء ذلك الطلب على خلفية مواجهتي له بعد ان ضقت ذرعاً بالاساءات التي دأب على توجيهها لعدد من المثقفين بدعوى تعاونهم مع الانظمة الشمولية.وتدخلت عندها لأذكره بتاريخه، الذي جهد في اخفائه، في العمل داخل مؤسسات الاتحاد الاشتراكي، وتفانيه مأجوراً في خدمة الإعلام المايوي، وتسلمه مكافأة مالية خاصة من الرئيس نميري شخصياً لإحسانهوابداعه في تصميم شعار احدي البرامج السياسية التعبوية، في وقت كان فيه رفاقه الماركسيون معلقين على اعواد المشانق ومكدسين في غيابات السجون).
وأنا اعلم يقيناً ان الشريف الماركسي انما يصدر عن قناعة راكزة بأن النميري كان بالفعل يضرب الوزراء والموظفين و(يشلتهم)، فالروايات في هذا الصدد وفيرة وشهيرة. وقد خطر لى أن أدعو صحيفتي (الرأى العام) الى تبني مبادرة على غرار مبادرة التايمز البريطانية التي نوه بها هيكل. ويكون من مقتضى هذه المبادرة توجيه النداء الى كل الوزراء والسياسيين والاعلاميين وموظفي الدولة، بل وكل مواطن سوداني أياً كان موقعه، يزعم انه رأى بعينه الرئيس السابق جعفر نميري يضرب مسئولا سياسياً او تنفيذياً او (يشلته)،أن يتقدم بإفادته وأن يدلي بشهادته!
في النصف الاول من الثمانينات كنت اجلس على بعد مترين فقط خلف الرئيس السابق خلال جلسات مجلس الوزراء، بحكم كوني عضواً في هيئة السكرتارية، ولم يحدث قط أن رأيت أو سمعت الرئيس السابق يسئ الى أحد من وزرائه او موظفيه بكلمة واحدة، ناهيك عن ان يضربه أو(يشلته). كان النميري أحرص الناس على هيبة الدولة ومؤسساتها، وكرامة رجالها ونسائها، شديد الغيرة عليهم، كثير الود لهم. وكان يبذل الاحترام ويظهره لكل من وقف أمامه من المسئولين بغير فرز. ولما كانت الروايات عن ضرب الرئيس السابقلرجال الدولة متواترةفقد حرصت على البحث والتقصي، فتحريت مع عدد مقدر من الوزراء وكبار المسئولين وصغارهم ممن توخيت فيهم المعرفة، بحكم اتصالهم الوثيق بمدارات ومراكز وجود الرئيس. غير أنني لم اجد من عضد هذا الزعم، بل نفاه جميع من اقترب من الرجل نفياً باتاً، واجمعوا على ان الروايات مصنوعة،نسجتها الأخيلة، وليس لها من الحق نصيب.
أما اسطورة صفع وضرب الرئيس السابق ب (البونية) لعملاق الصحافة العربية محمد حسنين هيكل أثناء رحلة جوية، والتي ما فتئ البعض يستعيدها ويستزيدها لأكثر من أربعة عقود، وكأنهم كانوا قعوداً وشهوداً يوم جرت وقائعها، فتستحق ان نفرد لها مقالاً كاملاً.
ألا ما أكثر الأساطير والخزعبلات في حياة الشعوب!
المقال الثاني (عودة الى النميري والضرب بالأحذية):

(1)
فوجئت بردود فعل غاضبة لم أتوقعها لمقالى الأحد الماضي بعنوان (أساطير الاولين وخزعبلات الآخرين). والحق أن ردة الفعل لم تلحق بالمقال كله، بل طالت تخصيصاً  الجانب المتصل بالرئيس السابق جعفر نميري والذائعات عن اسلوب تعامله مع وزرائه وموظفيه. كان مدار الاطروحة الرئيسية هو (ظاهرة شيوع طائفة معينة من الأخبار او المعلومات ورسوخها في الوعي العام وكأنها من المسلمات، مع انها في واقع الامر لا تعدو كونها تخاليط واوهام لا صلة لها بالحقيقة). من الأمثلة التي سقتها تلك الرواية العرجاء، الواسعة التداول، ومحورها أن الرئيس السابق دأب خلال سني رئاسته للدولة على شتم وزرائه وموظفيه، وضربهم بيده وحذائه، و(تشليتهم) بقدميه. وهو ما نفيت أنا حدوثه نفياً تاماً بناء على حيثيات محددة طرحتها أمام القارئ. بل أنني عرضت على صحيفة (الرأى العام) ان تتبني مبادرة للتحقيق والتحري حول حقيقة هذا الادعاء، يكون من مقتضاها توجيه النداء لكل من يزعم انه رأى بعينه الرئيس السابق يضرب مسئولاً تنفيذياً أو (يشلته) ان يتقدم ليدلي بشهادته!
ويبدو أن لى أن حالة العداء التاريخي المستحكمة، والمشاعر والانفعالات النفسية المحتدمة ضد الرجل، قد تلبست أقلام بعض الذين أظهروا الاستياء فاستنكروا قولي واستبشعوه، وركبوا في ذلك مراكب الشطط. بيد أن آخرين من الأحباب التمسوا الى مجادلتي مداخل لينة، واستحضروا حججاً بيّنة. مثل أحد أشياخي الذي اقترح علىّ ان أعود الى قراءة كتاب الدكتور منصور خالد (السودان والنفق المظلم). كتب الشيخ: "وددت لو تأملت في كتاب الدكتور منصور عن النميري وهو من افضل ما كتب، لأنه اقترب من شقائه الخاص بملكاته المعروفة فأحسن، في حين ارتجل شقاء غيره من الناس في كتبه الاخرى. ومنصور شاهد عيان مضغن بالطبع. غير أنه كشف عن وزراء وقفوا في حلق ذلك الرئيس بالحق، ولكنه خلافاً لقولك عن دماثة النميري فإنه أوضح كيف أساء الرجل أبلغ إساءة لمن خدموه خالصاً لوجه الوطن، وفيهم منصور نفسه. وهي إساءة لا ننظر فيها للضرب او التجريح. بل العزل المهين، تأميناً لوجوه فساد أطنب منصور في عرضها. وتلك شهادة لا مهرب منها لتقويم أمثل للنميري).
وأنا بطبيعة الحال أذكر تماما الحالات التي أعفى فيها النميري بعض وزرائه من خلال المذياع، دون اخطار مسبق، كما تقضي الاصول. ولكن تلك حقيقة لا يمكن النظر اليها بمعزل عن الحقيقة الاخرى، وهي ان هؤلاء الوزراء كان قد تم تعيينهم ايضا من خلال المذياع، دون اخطار مسبق!
كتبت في مقالي الأول الذي أوردني هذا المورد الزلق: (في النصف الاول من الثمانينات كنت اجلس على بعد مترين فقط خلف الرئيس السابق خلال جلسات مجلس الوزراء، بحكم كوني عضواً في هيئة السكرتارية، ولم يحدث قط أن رأيت أو سمعت الرئيس السابق يسئ الى أحد من وزرائه او موظفيه بكلمة واحدة، ناهيك عن ان يضربه أو"يشلته"). والحق عندي أن الرئيس السابق كان شديد العناية بأمر "الهيبة". أعني هيبة الدولة، وهيبته هو شخصيا،ً وهيبة وزرائه. يملؤه يقين مضطرم بأن الوزراء هم صور مصغرة للرئيس، وأن أية اساءة تلحق بهم تلحق به ضمناً. وتلك كلمات لم يكن الرئيس السابق يمل تكرارها، وقد سمعتها، كما سمعها منه اخرون ممن عملوا الى جانبه حتي ملوا السماع.
من مظاهر ذلك وتجلياته أنه قرأ ذات يوم في التقرير السري لجهاز الأمن عن إلقاء الشرطة القبض على وكيل احدى الوزارات الهامة متلبساً أثناء حملة على احدى الأماكن المشبوهة، فهرع الرئيس الى الهاتف على الفور وأمر باطلاق سراحه ووجه باتخاذ ما يلزم من إجراء لضمان عدم تسرب الخبر ونشره في اى من الصحف.  كما وجه بأن يستمر الوكيل في عمله، ثم أقاله بعد شهر واحد من ذلك التاريخ. وفي مورد الإبانة قال الرئيس أنه فعل ذلك خوفاً من ان يؤدي نشر الخبر الى ذهاب هيبة الدولة ورجالها في نفوس الناس. وقد غضب النميري ذات يوم غضبة مضرية، عندما علم بأن احدى لجان البرلمان طلبت من الوزير فاروق المقبول، بصورة غير لائقة، المثول امامها لاستجوابه. فأمر وزيره – خلال جلسة لمجلس الوزراء – بتجاهل طلب البرلمان وعدم الاستجابة له. وشبيه ذلك من الشواهد والامثلة كثير ووفير. وهي بالقطع لا تدل على حكمة مطلقة في كل الاحوال، ولكنها تؤشر الى طبيعة الرئيس السابق وحرصه الشديد على صورة نظامه وحقوق وزرائه وهيبة رجال الدولة بوجه العموم.
(3)
لم يكن في وسع أي ممن كاتبوني مشككين أن يقدم مطعناً في قولي ان مزاعم الضرب و(التشليت) لوزراء الدولة ومسئوليها مختلقة ولا نصيب لها من الحقيقة. وأنا لم أقل غير ذلك، ولم أزد عليه حرفاً واحداً. ولذلك فقد استغربت غاية الاستغراب حين فاض بريدي برسائل تتحدث عن سلوكيات الرئيس نميري في مضامير اخرى لم أتطرق اليها. مثال ذلك المحاكمات الجائرة لخصومه، وايداعه معارضيه في بطون السجون، وضرب الجزيرة أبا، واعدام الاستاذ محمود محمد طه. واحد ممن أثاروا نقاطاً كهذه وهو اعلامي مرموق سألني: " كيف كان النميري حريصاً على هيبة الدولة وهو الذي أقام المشانق للمدنيين وتم في عهده تعذيب الشرفاء من الجنسين بلا رحمة. وكيف كان لا يسيء إلى أحد؟ وهو الذي أساء إلى الأمة بأسرها بأفعاله، والسؤال مشروع ماهي نوعيةهذه الإساءة في تقديرك"؟
وأنا لا اعرف من قال ان النميري لم يكن مسيئاً، فليس هناك ثمة شك في أنه أساء في كثير من أمره، بل أنه تجاوز وأتى من منكرات الامور ومستبدعاتها ما روّع الناس واذهل العقول، وصحائف التاريخ مشرعة. ولم يكن هناك في حديثي ما يغسل الواغش من وجه الرجل أو يميط القذي عن عينيه. الذي أبيته ونفيته، حصراً وقصراً، هو الذائعات الكواذب عن انه كان يضرب وزراءه وغيرهم من مسئولي الدولة بيديه ورجليه وحذائه، الى غير ذلك من ترهات الحكائيات التي تلبد سماء السياسة والتاريخ في بلادنا، والتي أدمن البعض ترديدها كالببغاوات.
نعم، أنا مع التقويم العادل والأمثل للنميري ولحقبته، لا ألوي على شئ. وليست لي إربة في ان ادفع عنه بالباطل، فلا أنا من أصحابه الغاوين ولا من أهله الأقربين. والحق أحق أن يتبع، ولكن أين الحق؟!

نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)