غرباً باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


غادرنا الى دار البقاء في مثل هذه الأيام من ابريل 2003 الفنان التشكيلي المبدع والدبلوماسي الرفيع صالح عبده صالح مشمّون، سفير السودان الأسبق في أندونيسيا. وعلى قصر فترات اتصالي بالرجل، الذي ترافقت معه خلال رحلات عمل رسمية الى بعض الدول العربية في نهاية الثمانينات، فأنني لم اعرف من ناظره في صفاء النفس وطلاقة الروح وطيب السريرة. وفي مناسبة ذكرى وفاة هذا المبدع السوداني النوبي أنبأني الصديق الفنان التشكيلي المقيم بهولندا الاستاذ عادل السنوسي أنه شرع في اعداد ملف خاص بالراحل الكبير وأعماله الفنية المدهشة، وأنه وجد عوناً كريماً من الوزير والسفير السابق الاستاذ ابراهيم طه أيوب. ثم طلب حبيبنا السنوسي مزيداً من العون في ايجاد مصادر اخرى تكشف له جوانب جديدة من سيرة الفنان وانتاجه.

وفي هذا المسعى كاتبت بعض من توسمت فيهم الخير، فكان اول من رد على رسائلي الدبلوماسي السابق الاستاذ صلاح محمد احمد، الذي  أفادني بأن: (أفضل من يقدم معلومات تفصيلية عن الراحل العزيز هو شوقي محي الدين أبو الريش المقيم بقطر). ثم مدني برقم هاتف لم يبق في حاسوبي الا ريثما أحلته الى الصديق الفنان عادل السنوسي، ولعله هاتف الرجل وحصل منه على بعض مبتغاه.

وكان هناك في مفكرتي آخرون ممن عرفوا السفير الفنان صالح مشمّون عن قرب.  منهم صديقي، ورفيق دربي خلال أنضر سني الشباب، الوزير المفوض السابق بوزارة الخارجية، الاستاذ عادل أحمد خالد شرفي. زودني عادل ببعض الاعمال الفنية البديعة للراحل مشمّون، كما لفت نظري الى قصاصات صحفية منها مقال لحبيبنا الأكبر الدكتور منصور خالد، بعنوان (في رحاب الفن الممحون) نشرته صحيفة (أجراس الحرية) في ديسمبر 2008.  وقد نوّه منصور في هذا المقال بفن صالح مشمّون وفضله، حيث كتب:(على أن الشغف بالفن السوداني، بعيداً عن الكتابة، حملني على ترويجه وذلك أدنى ما يفعله من قُدِر له أن يكون في موقع يملك فيه صنع القرار أو تفعيل الأماني. من ذلك، توجيهي، على عهد توَّلي أمر وزارة الخارجية، لكل سفارة أن تقتني بعض النفائس للنجباء والنجيبات من تشكيليي السودان. خير عون لي في ذلك كان صالح مشمون وهو دبلوماسي فنان رحل عنا ولم يرحل، فبعض لوحاته ما فتئت تحتل مكاناً بارزاً في غرفتي الخاصة، أطل عليها كل صباح).

وقد رأيت الا أحبس رسالة صديقي الدبلوماسي عادل شرفي الخاصة داخل حاسوبي، ففيها ما يستحق الاشهار عن الراحل مشمون وصفاته وحياته، وها أنا أبذلها بكامل نصها في الذكرى الحادية عشر لغيابه: 

(أثارت رسالتك، ورسالة صديقك الفنان عادل السنوسي، في نفسي ذكريات جميلة وحزينة ايضا عن الفترة التي عملت فيها مع المرحوم صالح مشمّون في ادارة الشئون العربية برئاسة الوزارة. وكنت ما أزال عند اول خطواتي في سلم السلك الدبلوماسي عندما اقتربت منه.كان إنساناً حساساً ومرهفاً، يتحدث بهدوء وبصوت خفيض اقرب الي الهمس، وتمتزج بهذا الهدؤ روح دعابة وسخرية لاذعة تميز اهلنا النوبيين.

لم أره قط غاضبا طيلة فترة عملي معه، رغماً عن ضغوط وتوترات العمل في تلك الفترة.كانت شخصيته اقرب لشخصية الراحل عبدالهادي الصديق فكلاهما مبدع وساخر رغم اختلاف الاهتمامات.فبينما كان عبدالهادي من عاشقي منطقة الساحل والصحراء ومدينة تمبكتو القديمة ودان فوديو ومملكة وداي، كان صالح يعشق طاغور والهند القديمة وحضارة النوبة. كان هو مستشاراً وانا سكرتيراً ثالثاً، ولكنه غمرني باهتمام خاص، وحرص علي تدريبي ونقل خبراته الىّ، مع بقية طاقم الادارة الذي تراسه السفير عوض الكريم فضل الله ومن بعده السفير جلال عتباني. اضافة للراحل الوزير المفوض وقتها سليمان الدرديري وعبدالله خضر بشير وحسن بشير وجعفر كبيدة وحاج الفكي هاشم.


ورغم ان معرفتي بالرسم والفن التشكيلي تزيد قليلا عن معرفتي باللغة الصينية، الا انني شعرت من الوهلة الاولي باني امام انسان فنان.كان عليه الرحمة منظماً ومرتباً يكتب بخط جميل،  وكان عندما يعد ملفاً يحرص علي استخدام اوراق من الوان مختلفة فيخرج عمله جذابا وملفتا.ثم عندما تخف زحمة العمل ينصرف الي اوراق المسودات ويرسم عفوياً، وكنت اتفحص رسومه التي يتركها علي الطاولة فأراها تضج بطاقات ابداعية مهولة.لا اقول انه فنان ضل طريقه الى الدبلوماسية. معرفتي به تجعلني اقول ان صالح لم يضل طريقه للدبلوماسية بل مزجها بالفن والابداع فهو دبلوماسي بالفطرة. وكنت في بعض الامسيات ازوره في منزل صهره سيد محمد احمد بضاحية العمارات، حيث كان يقيم بالطابق العلوي،فكان يرحب بزياراتي ايما ترحيب. وكنت في الغالب الاعم اجده منهمكاً في رسم لوحة، وهو واقف امام الاستاند، فيشير اليّ ان افتح الثلاجة وان اكرم نفسي. وكنت أرى حوله بعض اللوحات لبيوت نوبية حيث كان مسكونا بتراث تلك المنطقة.

تواصلت صلاتي به في الخارج عبر الهاتف وكان حريصا علي متابعة مسيرتي المهنية ويعدني احد تلاميذه.  كانت آخر اتصالاتي معه في طوكيو، وكان هو وقتها سفيرا في جاكارتا. ثم هاتفته لاحقا خلال فترة مرضه بالقاهرة. وقد تألمت كثيرا عندما بلغني خبر رحيله في ابريل 2003.وقد زاد ألمي عندما علمت برحيل رفيقة حياته السيدة الفاضلة سامية سيد بعده بفترة قصيرة. رحم الله صالح عبده صالح مشمون فقد كان صالحاً بحق).


انتهت رسالة الصديق الدبلوماسي عادل أحمد خالد شرفي وعليها أشكره. كما أحيّيوأثمّن عالياً الجهد المثابر لحبيبنا التشكيلي عادل السنوسي لتوثيق فن الراحل مشمّون وإشهاره.اللهم أنزل على قبر فقيدنا الكريم الضياء والنور، واجعله من الآمنين يوم يقوم الأشهاد.

نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)