غرباً باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

كتبت قبل سنوات داعياً أحبابنا في شمال الوادي الذين كانوا قد اعتزموا الثورة على الرئيس السابق حسني مبارك الى التمهّل، وعرضت وجهة نظري في أمر التغيير المرتجى في مصر. قلت وقتها أن نظام حسني مبارك الاوتوقراطي ربما في طريقه الى شئ من التغيير الايجابي من الممكن ان يحققه صعود الابن جمال مبارك الى السلطة. صحيح ان نظام مبارك – الذي هو امتداد لحقبة 23 يوليو – اعترته سلبيات لا اول لها ولا آخر، ولكن الحقيقة تظل انه كان الأقدر من غيره على حراسة المبادئ العلمانية التي تأسست عليها الدولة المصرية وفي مقدمتها فصل الدين عن السياسة في اطار الدولة المدنية الراسخة. وهو رأى كان قد سبقني اليه مفكرنا القومي عبد العزيز حسين الصاوي.

وقلت يومها أن البديل الوحيد المتاح سياسياً لقيادة جمال مبارك هو حكم الاخوان المسلمين. ذلك انه برغم ضجيج الليبراليين واليساريين في بعض المدن  المصرية، وبرغم سيطرة النخبة على الاعلام المصري فإن الحقيقة النجلاء تظل هي أن الشارع في مستوياته الأوسع يسيطر عليه الاسلام السياسي والاسلام الصوفي والاسلام السلفي. ولذلك فإن أى انتخابات حرة لن تحمل أحدا الى الرئاسة والبرلمان بخلاف القوى الاسلامية.

وعندما قامت ثورة 25 يناير واجريت الانتخابات حصل الاسلاميون من خلال التصويت الحر المباشر على اكثر من 72% من مقاعد مجلس النواب و83% من مقاعد مجلس الشورى، و52% في الانتخابات الرئاسية، ثم نسبة 64% في الاستفتاء على الدستور. وهنا راحت السكرة وجاءت الفكرة، وعرفت القوى الليبرالية واليسارية حجمها الحقيقي وادركت متأخراً جدا ان المحروسة اكبر بكثير من شوارع ومقاهي ومنتديات (وسط البلد) بالقاهرة ومصر الجديدة وحي المهندسين، حيث يتجمع هؤلاء ليستمعوا ويصفقوا للشاعر جمال بخيت عندما يقرأ لهم قصيدة (دين أبوهم ..). أدرك هؤلاء متأخراً  أن السواد الاعظم من الشعب المصري يعيش خارج القاهرة في المحافظات مثل سوهاج واسيوط وسيناء، حيث صوّت ما يقرب من 80% الى جانب الاسلاميين. وهؤلاء لا يملكون قنوات تلفزيونية مشفرة، ولا يشاهدون النجوم الليبراليين الصفويين أمثال عمرو اديب وزوجته هالة الحديدي، بل ولم يسمعوا بهم أصلاً. وأن الملايين من الفقراء والغلابي في مصر يتحلقون مساءً حول اطباق الفول، ثم يصلون العشاء ويذهبون الى النوم.

هذا ما كان من أمر الديمقراطية، التي تقوم على مبدأ (رجل واحد صوت واحد)، والذي ثبت بما لا يدع مجالاً لشك أن فرص تطبيقها ونجاحها في مصر تقترب من الصفر. وهكذا جاءتنا ديمقراطية الحراك الصفوي الليبرالي اليساري المحوّرة وراثياً، المسنودة بالقوات المسلحة، والمدعومة بأموال نجيب ساويرس وخزائن المخابرات السعودية والأماراتية.

وهكذا عادت ريمة لقديمها. وفي الحكمة الشعبية (من نسى قديمه تاه). ما هي الا اسابيع إذن وينعقد مولد الانتخابات على النظام التقليدي الاصيل الذي عرفته مصر الشموليات التاريخية. حيث الدولة بقضها وقضيضها، وهيلها وهيلمانها، وراء مرشح القوات المسلحة. وكذلك جماعات الحراك الصفوي الليبرالي واليساري وقد جيّشت خلفها قطاعات من سكان المدن. عظيم. ما الجديد اذن؟ وما هو الفرق بين مصر ما قبل 25 يناير وما بعدها؟ الفرق الوحيد الذي اعرفه انا هو ان اوتوقراطية الشمولية المباركية كانت في طريقها لمغادرة المسرح، وأن نسخة شابة جديدة منفتحة نحو المستقبل ومدركة لمتطلبات التغيير كانت تتهيأ لقيادة المرحلة التالية. بينما الصورة الحالية تقول بوضوح لا يقبل الجدل ان مصر تدخل بخطى سريعة ومنتظمة الى نفق نظام شمولي جديد يأخذ فيه الجيش برقبة المحروسة مبتدئاً من نقطة صفر جديدة، لا تختلف في شئ عن نقطة الصفر الاولى عام 1952. صحيح ان النظام السيسوي الجديد سيحافظ على راية العلمانية ويؤمنها بنفس القدر، ولكن التكلفة هنا باهظة، وهي تعرية النخبة وفضح خوائها ولامبدئيتها، وتعهير الديمقراطية، وتلطيخ شرفها في الوحل.

وإنما أردّ هنا على بعض المقالات المنشورة، وكثير من الرسائل التي تقاطرت على بريدي الالكتروني  تتهمني بأنني اُناصر الاخوان المسلمين في مصر. وأنا بطبيعة الحال لا أناصر اخوان المحروسة، فليس بيني وبينهم غير خلاف فكري مبدئي عريض حول نظرية الحكم وموقع الدين من الدولة. ولذلك فعندما أقول أنا – وغيري -  ان قرار قضاء عصر السيسي، بإعدام 559 شخصاً في القاهرة مقابل اتهامات معممة بالمشاركة في احداث شغب وقعت الشارع العام، وقرار الحكم بالسجن سبعة عشر سنة في الاسكندرية على طالبات جامعيات بتهمة التظاهر داخل الحرم الجامعي، حتى وان ثبت ان جميع هؤلاء اعضاء في جماعة الاخوان المسلمين، لا يعدو ان يكون عبثاً صبيانياً لا يليق بدولة تحترم نفسها، فأن ذلك لا يعني أنني وغيري نناصر الاخوان. ولا بد لي هنا من تحية وانحناءة لصديقي الكاتب اليساري فيصل محمد صالح الذي وصف في مقاله، الأربعاء الماضية، بصحيفة (الخرطوم)، أحكام الاعدام الاخيرة الصادرة بحق الاخوان المسلمين المصريين بأنها "شغل جنان"!

طيب واحنا مالنا؟ لماذا نكدر انفسنا ونملؤها هماً وغما؟ هو إحنا ناقصين؟ تعال معي يا هداك الله بعيداً عن هذه الابتلاءات، لنرى طرائف ولطائف ما يجري على ارض المحروسة. فقد نشرت الغارديان البريطانية في عددها بتاريخ 28 مارس وقائع ما دار في محاكمة بعض الصحافيين الاجانب العاملين بقناة الجزيرة المتهمين بالانتماء او التعاون مع جماعة الاخوان المسلمين. نشرت الغارديان نص مرافعة صحافي كندي عمل سابقاً في قناة سي ان ان الامريكية، ويعمل حاليا مع الجزيرة الانجليزية، وهو في الاصل قبطي مصري. وقد خاطب المحكمة مطالباً باطلاق سراحه قائلا: (سيدي القاضي: أنا ليبرالي، واشرب الخمر، وقد قدمت للنيابة كل الادلة على ليبراليتي وشربي للخمر. هل رأيتم، سيادتكم، أو سمعتم عن أخ مسلم يشرب الخمر)؟!

وأنا ككاتب صحافي سوداني امريكي اعلن تضامني مع هذا الصحافي المصري الكندي واطالب القاضي باطلاق سراحه، فهو برئ، والدليل ألولو!

نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)