غرباً باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لا أعرف من هو التاج الخزين ولا ماذا يفعل. أعرف فقط انه يقيم في العاصمة الكندية اوتاوا، وانه يكتاد رغيفه عبر ضرب من العمل يتطلب كثرة التسيار والتسفار بين أمريكا الشمالية وعدد من العواصم الافريقية. كما اعرف عنه أنه مثقف واسع الاطلاع يتمتع بصفاء الفكر وأصالة الرأى. وفي مرات قليلة كاتبني الرجل فكنت في كل مرة اُمعن النظر واُطيل التأمل في مكاتيبه. وعلى ذات النهج وقفت متمهلاً أمام رسالته تعقيباً على مقال لي الاسبوع الماضي بعنوان (نوبيون عنصريون).

أراد الاستاذ التاج، الذي بادرني بالقول انه (ام درماني) وليس نوبياً، أن ينبهني الى ان النوبة ليست قبيلة فكتب: (النوبة ليست قبيلة وانما اُمة، والفارق بين الاثنين مهول). وأنا هنا اترجم كلماته من الانجليزية الى العربية، حيث أضاف: (يمكنك ان تتبع جذور كل القبائل العربية الى قحطان او فزارة او جهينة او جُذام او كنانة أو ربيعة او غيرهم من البدو، ولكن النوبيين عند تتبع جذورهم فانك لا تجد الا نوبيين. ولهذا فأنت مدين لقومك بتصويب واعتذار عن استخدامك لمصطلح "قبيلة النوبة").

وتعقيبا على ما كان حبيبنا الصحافي عبد الباقي الظافر قد سطره في مقاله المثير للجدل، الذي استهجن فيه ما وصفه بظاهرة الاصطفاف العرقي النوبي، واستنكر اهتمام بعض الباحثين النوبيين بكتابة اللغة النوبية، كتب الاستاذ التاج الخزين: (أرني من هم الذين يسعون لجعل اللغة النوبية لغة كتابة، وسأجتهد في تقديم العون لهم. هذا حق النوبيين الطبيعي، فقد استولى العرب على أرضهم وتراثهم وتاريخهم. وحتي يومنا هذا فإن الأرمن يحاربون من اجل حقوقهم التاريخية، ومثلهم جميع السكان الأصليينaboriginals'' حول العالم، فليحارب النوبيون من اجل حقوقهم).  وقد دهشت كون هذا الحديث الجرئ جاءني من رجل (ام درماني)، فحدثت نفسي: "ياله من رجل بتاع مشاكل"! النوبيون انفسهم يترددون، ويتلفتون يمنة ويسرة، قبل أن يصرحوا بآراء وأفكار مثل هذه!

أنا اتفق مع الاستاذ التاج الخزين بطبيعة الحال في قوله ان النوبة شعب لا قبيلة. وكنت في واقع الأمر قد أشرت الى تلك الحقيقة في الحلقة الثانية من سلسلتي بعنوان (قبيلة عبد الباسط سبدرات) التي نشرت في ابريل ومايو من العام الماضي، حين تطرقت الى الجدل المثار وقتها حول الانتماء القبلي للاستاذ فاروق ابو عيسى الذي كان الرئيس عمر البشير قد عيّره في خطاب جماهيري مذاع بأنه (لا قبيلة له). ولكنني خالفت رئيسنا المفدى وذكرت بأن الاستاذ ابوعيسى ينتمي الى قبيلة الجعافرة، وهي من أميز القبائل السودانية. وقد كتبت في مقالي ذاك: (الذي ليست له قبيلة هو أنا. وكنت كلما سألني أحد عن قبيلتي احترت في الاجابة. فأنا نوبي. ولكن النوبة عرق وانتماء لقومية لا لقبيلة. ولم اسمع قط نوبياً يقول "انا قبيلتي نوبي". وتجدني دائماً أحسد اولئك الذين بإمكانهم الاجابة على السؤال عن القبيلة مباشرةً وبكلمة واحدة فقط، فيقولون: جعلى، رباطابي، حوازمي، كباشي، بني عامر، زغاوي. ولم أكن أعرف، حتى وقت قريب، كيف يقدم منسوبي قبيلة المجانين الكردفانية انفسهم، حتي وقعت على الاجابة في احدى كتب الدكتور منصور خالد، وهي: "مجنوني". ومن  التعريفات القبلية التي أعشقها تعريف (بديري دهمشي). وأنا أحب  نطق هذه العبارة كثيراً، إذ أجدها عند ترديدها في اللسان عذبة ولذيذة وهشة، خاصةً دهمشي ودهمشية، حتي أنه خطر لي ذات يوم أن أعرّف نفسي بصفة (حلفاوي دهمشي)!

في ذات الوقت الذي كنت اطالع فيه رسالة الاستاذ التاج الخزين المطولة، طفت الى السطح أخبار نشرتها الصحف، وقد حملت إحداها صورة لنموذج استمارة حصر العضوية لتنظيم الحركة الاسلامية السودانية، وقد جاءت في الاعلى عبارة (سري للغاية). وتظهر في الاستمارة ضمن مطلوبات المعلومات التي يتعين على المتقدم تعبئتها كلمة (القبيلة)، كما ان هناك سؤال آخر عن الوضع المالي لطالب العضوية. وقد أثار السؤال الاول عن القبيلة حفيظة البعض فاشتعل فتيل الجدل على نطاق واسع. وقد حمدت الله حمداً كثيراً أنه لا رغبة عندي في الانضمام لتنظيم الحركة الاسلامية، والا لكان حماري قد وقف امام عقبة القبيلة في تلك الاستمارة، فإذا كتبت (نوبي) ترصدني التاج الخزين وذكّرني أن النوبة ليست قبيلة، واذا كتبت (حلفاوي دهمشي) فقد تُرفض عضويتي بتهمة العبث وانتحال الأنساب.

ولكنني توقفت متفكراً ومتأملاً أمام السؤال عن الوضع المالي للمتقدم،اذ ما هي علاقة الوضع المالي للفرد بأمر اكتساب العضوية في تنظيم جماهيري؟ وانتهى بي التفكير المستفيض والتأمل المكثف الى نتيجة مذهلة، مؤداها أن قادة الحركة الاسلامية وأساطينها ربما لم يكونوا في واقع الامر يبحثون عن أعضاء جدد للانضواء تحت لواء التنظيم. ولو كان ذلك  بالفعل هو الهدف الحقيقي لما كان هناك مسوّغ للسؤال عن الوضع المالي للمتقدم.في واقعنا الثقافي والاجتماعي السوداني فإن السؤال عن النسب القبلي والوضع المالي لا يأتيان مجتمعين ومتلاحقين الا في حالة واحدة فقط، تلك هي حالة تمحيص الآباء للعرسان الذين يتقدمون للزواج من البنات. والآباء يحبون دوماً ان يطمئنوا أولاً الى ان العريس ينتسب الى قبيلة معروفة، وثانياً الى ان وضعه المالي ثابت ومستقر.

إذن استمارة التقديم التي طرحها دهاقين الحركة الاسلامية ووضعوها بين يدي الشباب انما هي في حقيقة أمرها حيلة من حيل بني كوز. الغرض الحقيقي من ورائها التعرف على الواعدين من العرسان الاسلامويين، الذين يملأون العين ويشرحون القلب من أولاد القبائل الموسرين، الذين يصلحون أزواجاً للعذارى من بنات التنظيم الحركي الاسلاموي الموسرات. وفي دستور هؤلاء: (الطيبون الموسرون للطيبات الموسرات).

صدقني - أعزك الله - تلك هي الحقيقة وإن بدا لك تحليلي شاطحاً واستنتاجي جامحاً.  وتذكر دائماً أن دماغي (دماغ متكلفة) وقادرة على النفاذ الى جوهر الأشياء، وأنني نوبي أعرف الكفتة فيها كم رزة!

نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)