غرباً باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لفت انتباهي خبران أبرزتهما الصحافة المصرية صباح أول أمس الأحد. الخبر الاول الذي نشرته بصيغة شبه موحدة جميع الصحف - الرسمية والمستقلة والحزبية على حدٍ سواء - هو البيان الصحفي الذي خرج به على اهل المحروسة السيد عمرو موسى، والذي حمل الملامح الأساسية للبرنامج الانتخابي للمرشح الرئاسي الفريق عبد الفتاح السيسي. وقد أفادنا موسى انه ما زال عاكفاً (هو وأعضاء لجنته) على صياغة (رؤية الفريق السيسي) وبرنامجه، وسيصدرونها في صورتها النهائية عما قريب.

إذن عمرو موسي هو المطلع على (رؤية) السيسي، وهو الذي سيصوغها. تبارك الله. يا سيدي عاشت الرؤى وعاش الصاغة. إن لم تكن تذكر عمرو موسي،  أعزك الله، فهو وزير خارجية الرئيس السابق حسني مبارك لمدة عشر سنوات. وقد خاض الانتخابات الرئاسية في مصر عام 2012 ضد الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي، فحصل على 9.7% (تسعة وسبعة من عشرة بالمائة) من جملة الأصوات، بينما حصل مرسي على 52% منها. وكنت عند اطلاعي على نتائج الاقتراع قد استغربت لضآلة الأصوات التي حصل عليها عمرو موسي، مع ان هناك أغنية ذائعة في بر المحروسة يغنيها المطرب الشعبي الشهير شعبان عبد الرحيم تقول بعض كلماتها: (أنا بحب عمرو موسى وبكره اسرائيل). وهكذا فقد كانت الانتخابات في حقيقة الأمر استفتاءً شعبياً أضرت نتيجته بمصداقية شعبان عبد الرحيم!

ولأن القناعة كنز لا يفنى، فقد قنع عمرو من الرئاسة بالإياب. وبدلاً من أن يكون رئيساً للدولة انتهى به الحال (صائغاً) للرؤي وكاتباً لبرامج المرشحين الرئاسيين. ولا ضير. ففي هذه الدنيا كلٌ مُيسرٌ لما خلق له. وقد حرصت على قراءة الملامح الأساسية للرؤية والبرنامج السيسوي، كما طرحه الصائغ في بيانه المار ذكره. فوجدت ان كل ما فعله عمرو موسي هو أن سجّل في كل سطر عنوان مشكلة من المشكلات المستعصية التي تواجه مصر، ثم أضاف في مقدمة السطر كلمة نافية. كتب على سبيل المثال (الفقر)، وهو أب البلايا واُم الرزايا. ثم وضع حبيبنا صائغ الرؤى أمامها كلمة (الحد)، فأصبحت (الحد من الفقر). ثم أتى (الأمن) وهي معضلة المعضلات في مصر حالياً، فوضع أمامها كلمة (استعادة) فأصبحت (استعادة الامن). ثم انطلق وراء كل مصيبة تواجه أحبابنا في شمال الوادي فأضاف ما يؤكد ان الرئيس المبروك السيسي سيأخذ بناصيتها وينفيها نفياً ويعدمها أعداماً. خذ عندك مما جاء في بيان الخطوط العريضة للرؤية السيسوية: (استعادة الامن والأمان، الحد من الفقر، محاربة الفساد، تحقيق الرخاء، تحسين الأوضاع المعيشية، الاهتمام بالشباب ومشكلات البطالة، صيانة الحقوق والحريات، اصلاح مؤسسات الدولة، حماية المصالح الحيوية لمصر، وهلم جرا)!

حتى الآن هناك مرشحان للرئاسة: الفريق عبد الفتاح سعيد السيسي وحمدين صباحي. وهما الوحيدان الذين اعطيا اشارات كافية بأعتزامهما الترشح للرئاسة. ويعلم راعى الضأن في واحة سيوة ان فرص صباحي في الفوز تقترب من الصفر. أما الفريقان احمد شفيق وسامي عنان فقد صرّحا بوضوح - وإن على مضض - انهما قررا البقاء خارج السباق. ولا بد انهما عقلا ان وجود مرشح رسمي معتمد للقوات المسلحة يمحي ويجبُّ تلقائياً اى معنى لوجود مرشح آخر ذي خلفية عسكرية.

إذن على بركة الله. سيسي سيسي. لا يهم أن هناك رئيس آخر شرعي منتخب وحاصل على أصوات 52% من المقترعين في انتخابات ديمقراطية حرة، اسمه محمد مرسي، فهو على أية حال رئيس (منحوس) ولا يصلح للحكم. هل تعلم - أعزك الله - أن الرئيس الدكتور محمد مرسي عمل من قبل في وكالة ناسا الأمريكية، وقدم ابحاثاً متميزة في مجال معالجة أسطح المعادن وساهم في تطوير محركات المكوكات الفضائية، ولكن الحكومة الأمريكية عادت بعد ذلك فأوقفت البرنامج وقلصت ميزانية ناسا وقررت عدم صنع ماكوكات فضائية جديدة؟!  لا عجب إذن ان شعب المحروسة، بعد ان انتخبه بتلك النسبة العالية، عاد فغيّر رأيه وقرر عدم انتخاب قيادات اخوانية جديدة!

أين موقع السودان مما يجري في مصر من استعدادات للانتخابات الرئاسية؟ بحثت ووجدت السودان موجوداً في الحفظ والصون في قلب صحيفة (الأهرام) الرسمية المصرية، رابضاً بالقرب من الخبر عن اعلان الملامح الأساسية للرؤية والبرنامج الرئاسي السيسوي، حيث وجدت خبراً آخر جاء في عنوانه: (وجدي غنيم يصل الخرطوم ويلتقي قيادات سودانية). اما في المتن فقد وردت الاشارة الى أن وصول القيادي الاخواني الى الخرطوم يعتبر (تصعيداً خطيرا) من جانب الحكومة السودانية. وفي خاتمة الخبر جاءت العبارات التالية: (لوحظ تزايد النشاط الايراني حول ميناء بورتسودان، ويشمل ذلك وجود البحرية الايرانية، إضافةً الى تهريب السلاح الايراني من المحيط الهندي عبر الشرق الى الجماعات الجهادية في سيناء)!

عندما قرأت خبر (الاهرام) عن السودان والاشارات الى المهددات الأمنية المفترضة قفزت الى ذهني عبارة (حماية المصالح الحيوية لمصر) التي وردت ضمن رؤية السيسي وبرنامجه الانتخابي، كما صاغها عمرو موسى. وتخيّلت حجم الخلل والاضطراب ومسلسل الهرج والمرج وسوء الفهم الذي لا بد أن تتسبب فيه زيارة الاخواني المصري وجدي غنيم وأخبار الوجود الايراني في بورتسودان. لا سيما وأن أحبابنا في شمال الوادي لديهم قدرة لا متناهية على تهويل الأشياء وبناء سيناريوهات مُريعة من الخيالات والاوهام.
ولكنني على أية حال مطمئن تماماً الى أننا قادرون على تجاوز كل العثرات التي تقف في طريق العلائق مع مصر. إيش وجدي غنيم يعني وإيش بوارج ايرانية؟ أنظر - يا رعاك الله - الي ما فعلناه بالرئيس حسني مبارك في اثيوبيا، وهو في عزّ سطوته وصولجانه، ومع ذلك خرجنا منها كالشعرة من العجين!
قال وجدي غنيم قال!

نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)