غرباً باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


الحلقة السادسة:
لا ريب عندي في أن تنظير المحبوب بن عبد السلام، في شأن موجبات المراجعة والتقويم ومقتضيات تسديد الخطى، متناسق في غالب أمره. بل هو آية في السلامة من زاوية البناء المنطقي، وغاية في الاستقامة من حيث الوجهة المعرفية المحضة. ومعرفياً فإنه لا يصح الا الصحيح. لولا أنني أحفظ عن مثقف سوداني رفيع الشأن عبارة مفتاحية لا تني تنقر على رأسي كلما قرأت تنظيراً مثل تنظير حبيبنا المحبوب.
طرحت على الاستاذ بدر الدين سليمان، سليل الشموليات، وأحد صناع دستور 1973 العلماني، ووزير المالية السابق ذات يوم وأنا في صالون منزله بحي الصافية رأياً اجتهدت في دعمه بمنطق يسنده. فرد الرجل بهدوء تحرسه حكمة عقود متطاولة من المدافعة السياسية والمقارعة الفكرية، رداً رسخت منه في ذهني العبارة التالية: (ما يصح ابستمولوجياً قد لا يصح بالضرورة سياسياً). والفرنجة تستخدم لفظةEpistemology  للدلالة على علم المعرفة، وهو فرع من فروع الفلسفة. ولكن المعني في حديث الاستاذ بدرالدين شديد الوضوح، وهو أن ما يؤسسه المنطق وتسنده الحقيقة المعرفية المجردة، قد لا تثبت جدواه السياسية في نهاية الأمر، فيستحيل عند التطبيق على أرض الواقع المباشر الى بزرميط. (البزرميط كلمة أصلها في الفرنسية Pizzar  وربما Bizarre الانجليزية ايضاً، ومعناها غريب وفوضوي وغير متناسق، واكثر من يستخدمها الأغاريق الذين عاشوا في البلدان العربية. وأول من ادخلها في الصحافة السودانية الصحافي الكبير الراحل محمد الخليفة طه الريفي).
ولعل هذا هو ما جعل بعض سطور وثيقة المحبوب تتمايل في بعض الأحيان يمنةً ويسرة، فلا تسير في خط مستقيم، وكأنها دلقت في جوفها لتوها ست زجاجات من مشروب الهينيكين الهولندي. أنظر الى المحبوب يقرر: " .. واذا مضت الأعراف السياسية المعاصرة لتؤكد ان من يقترف خطأً كبيراً في السياسة ويعترف به، يعمد رأساً الى الاعتزال، فإن ذلك لم يقع لأول تأسيس المؤتمر الشعبي، رغم اعتراف قادته في ندوات عامة بالأخطاء التي واكبت الحركة منذ تأسيسها الأول. ثم أنهم قادوا الانقلاب وما ترتب عليه من أخطاء تجاوزت حقوق الحركة الى حق الشعب". كلام سليم وعظيم. ولكن السؤال ينتصب هنا وعلى الفور. وهو سؤال أطرحه أنا، لا المحبوب: لو كان ذلك قد حدث بالفعل واعترف الشيخ الترابي بأخطاء قيادته، وتحمل مسئوليته فتنحّى، فهل كان سيكون هناك أساساً حزب اسمه حزب المؤتمر الشعبي؟ والاجابة عندي بالنفي، فلولا أن الشيخ صمد ولم يعتزل السياسة، وتصدر لقيادة المعارضة الاسلاموية لما وقف الحزب على سوقه ولما قامت له قائمة، فالترابي هو الحزب، والحزب هو الترابي. تلك هي الحقيقة عارية من غير ساتر، وكل ما عداها بزرميط. والمحبوب نفسه ربما لا يرى بأساً في ما نقول، فقد كتب: "الذي كان راجحاً لدى أغلب الأعضاء الذين انحازوا الى الشرعية، التي مثلها المؤتمر الشعبي، هو أن تستمر القيادة التاريخية، فالحزب الجديد في حاجة الى الرمزية، كما هو في حاجة للتعبير عن الصمود – لحظتئذٍ – أمام الطغيان السلطوي"!
ثم أن هناك اشكالية أخرى بالغة الجسامة تواجه مسعى المحبوب وتطلعه - المشروع أو غير المشروع – نحو أفق اسلاموي جديد يقطع مع الماضي على بصيرة، فيأخذ بأحسن ما فيه – كما كتب – ويعترف بأخطائه، ويعتذر عنها اعتذاراً لا لبس فيه، يحيا بعده من حيا عن بينة ويهلك من هلك عن بينة. وفي ظني أن المحنة الحقيقية الكبرى التى تواجه الحركة الاسلاموية في يومها هذا لا تتمركز حول قضية امتلاك الشجاعة وروح الاقدام والرغبة في الوثوب باتجاه خطوة جريئة باتجاه النقد الذاتي والتقويم، بل أنها تدور في مدار فرضية اخرى جوهرها ان فرص مثل هذه المراجعة ربما انحسرت واقعياً، بل وكادت ان تفقد مسوغاتها ومعانيها. وتلك فرضية مرة كالعلقم ستغص بها حلوق كثير من الاسلامويين. لماذا نقول هذا الكلام؟
عاشت الحركة الاسلاموية السودانية ستين عاماً تجاهد شعبها تحت شعار خلق مجتمع مسلم دستوره القرآن وقانونه الشريعة الغراء. وقد امتحن الله هذه الحركة امتحاناً عسيراً، كونها الحركة الوحيدة في عالمنا الماثل، من حيث البنوة لتنظيم الاخوان المسلمين الذي أسسه الشيخ حسن البنا في مصر عام 1928 ، التي وجدت طريقها الى السلطة فحكمت بلداً مسلماً حكماً شاملاً كاملاً على مدي ربع قرن من الزمان. فماذا كانت النتيجة؟
النتيجة هي أن قطاعات عريضة من عضويتها - التي توالت معها وانتظمت في صفوفها عند سن اليفاعة ثم تفاقم بها العمر - تبددت قناعاتها وخمدت أشواقها أو كادت، وفقدت يقينها في (المثال) الذي دغدغ مشاعرها حيناً من الدهر، بعد ان ضاهت الأفكار بتجربة التطبيق، وحاكمت الشعار بواقع الممارسة. والخشية هنا من أن تكون الدعوة الى مراجعة تجربة التطبيق قد جاءت متأخرة بعض الشئ، لأن انسحاق اليقين وانمحاق الثقة ربما لم يقتصر على التطبيق، فتجاوزه الى أصل الفكرة وجوهر المشروع. والمدابرة هنا غير المراجعة!
وقد خطرت لى خاطرة عجيبة وانا اطالع بعض كلام المحبوب، واُسائل نفسي ما الذي حدا به لاستخدام عبارات بعينها، وهو الذي نشأ في طاعة الحركة الاسلاموية؟ وما هي الاشارات التي يُفترض تبعث بها الى القارئ مثل تلك العبارات؟ في رأيي أنا شخصياً فإنه عندما يكتب رجل ترعرع تحت لحية الشيخ الترابي وفي حجره، عبارة (قوانين سبتمبر) في وصف القوانين التي اصدرها جعفر النميري عام 1983، ثم يدون في مورد شرح العبارة: (قوانين سبتمبر التي اشتهرت اعلامياً باسم قوانين الشريعة الاسلامية)، بدلاً من العكس، فإن ذلك المنحى يؤشر الى نقطة فارقة تمس أصل الفكرة وتطال جوهر المشروع.
وهل هناك مفارقة اكثر من أن يتبني قيادي اسلاموي نفس عبارات الاستاذ محمود محمد طه، في ذم ذات التشريعات التي كان الظن انها اكبر انجازات الحركة الاسلاموية عبر ما يربو على نصف قرن من جهادها الديني والسياسي؟!

الحلقة السابعة:

(1)
هناك فكرة غريبة ظلت تخالجني دائماً كلما نظرت في تاريخ الحركة الاسلاموية السودانية وطروحاتها الفكرية ومواقفها السياسية عبر الحقب. وقد زادت هذه الفكرة رسوخاً في ذهني عندما علمت من كتابات الاسلاموي السابق، ذي النسب العريق في الحركة الترابية الحديثة، ومؤلف الكتاب الشهير (ثورة الترابي)، الدكتور عبد الوهاب الأفندي، أنه لم تكن هناك قط داخل تلك الحركة شخصية واحدة لديها القدرة على البيان والإفصاح عن فكرها وسياساتها واستراتيجياتها ومواقفها، بخلاف الشيخ حسن الترابي. وأن الترابي هو الوحيد داخل التنظيم الذي كان بوسعه ان يعرض نسقاً فقهياً وفكرياً لأى من مواقف الحركة، كونه المصدر الوحيدة للرؤية الكاملة. وكنت قد كتبت هذه الكلمات بنصها وفصها في الحلقة الثانية من هذه السلسلة، وأضفت اليها مقولة أفندينا، التي زادت الطين بلة: (وقد ظهر ذلك جلياً عندما غُيّب الترابي مؤقتاً بعد الاعتداء الذي تعرض له في كندا صيف العام 1992، حيث اكتشف الجميع ألا أحد سواه كان على علم بوجهة السفينة أو خارطة الطريق)!
الفكرة التي خامرتني حيناً من الدهر، ثم اختمرت في ذهني تماماً، هي ان السودان ربما لم يعرف في الأصل حركة سياسية اسلامية ولا يحزنون. هذا وهم كبير. وانما التعريف الصحيح للكيان الحزبي الذي أنشئ في العام 1964 هو (الحركة الحسنية الترابية). والذي يطالع وثيقة النقد الذاتي والمراجعات التي سطرها المحبوب بن عبد السلام لا بد أن يتخلق ويترسخ عنده هذا الاعتقاد.
ثم أن الوثيقة تكشف بجلاء عن حقيقة مروعة اخرى، سواء صرح بها المحبوب ام لم يصرح، وهي أن هذه الحركة الحسنية الترابية، افتقرت افتقاراً كلياً الى روح المبدئية في سلوكها السياسي، بحيث أنه كانت على الدوام قادرة على التحول في مواقفها بمقدار مائة وثمانين درجة، وفقما تقرر مصالحها الظرفية وتوقعاتها المستقبلية. لنأخذ من وثيقة المحبوب نقطتين، هما قضية الجنوب وقضية دارفور، ثم لنتفحص ونتأمل مواقف الحركة الحسنية الترابية تجاههما.
(2)
يُستفاد من وثيقة النقد الذاتي أن الترابي وقيادة الحركة اجمالاً كانت في جوهرها وسطية وشمالية الهوى، والحديث هنا عن الهوى الجهوي والعرقي، وان لفظة (الهامش) وشعوبه وقضاياه لم تدخل قاموس الحركة ولم تقتحم خطابها الا عقب المفاصلة الشهيرة، في العام  1999.  وهناك عدة معالم وعلامات تتصل بسلوك الحركة العام يمكن ملاحظتها  - في مقام تعضيد هذا المقولة - منها أن اختيارات قيادة الحركة للبعثات الدراسية الى أمريكا في العام 1981 وما بعده اقتصرت تحديداً على أبناء الشمال والوسط من بين عضويتها. كما أن الحركة الحسنية الترابية تجاوزت عن عمد في انتخابات دوائر الخريجين عام 1986 كثيراً من الوجوه التي تعود جذورها الى (الهامش).
ثم يفاجئنا المحبوب مفاجأة كبرى فيقرر، وأكاد اتخيل المعاناة النفسية التي لا بد انه قد عاناها، قبل ان يتوكل على الله فيسطر بكفه أن رفض قادة الانقاذ في تسعينات القرن الماضي التوسع في مفهوم الحكم الاتحادي، بحيث يسمح لأبناء كل ولاية بانتخاب واليهم، يعود أساساً الى استشعار هؤلاء القادة لمخاطر احتمالات انتخاب شخصيات من غرب السودان (او جنوبه) لتولي مناصب الولاة في ولايات الوسط والشمال، بسبب نزوح السكان وتزايد اعداد المهاجرين من تلك الجهات.
بل أننا نجد المحبوب يقلل من شأن اجتهاد الحركة في تأسيس منظمة الدعوة الاسلامية والوكالة الافريقية للاغاثة، والذي يفترض ان يكون تعبيراً عن اهتمامها وعنايتها بالمناطق ذات الاصول الافريقية، ولكن صاحبي يعبر عن قناعته بأن ذلك الاهتمام إنما جاء فقط من حيث كون تلك المناطق محل للدعوة ومجال الانتشار السياسي. ثم أنه يثبت أيضاً – دون ان يطرف له جفن – أن المواقف عبر الحقب اكدت على عمق تلك الانحيازات وتجذرها في الوعي واللا وعي القيادي الحركي الحسني الترابي، ويتجلى ذلك – مثالاً - في نمط الوظائف والتعيينات واختيار المواقع، كما يتجلى عند الاجهزة الخاصة المكلفة باختيار الداخلين من الضباط لكليات الجيش والشرطة (فلا يسمحون إلا لأبناء الوسط والشمال بدخولها). ولعلنا نعيد الى الأذهان – لا من وثيقة المحبوب بل من المصادر الاخرى - ما انكشف في وقت مضي من ملهاة، او مأساة، اسقاط الترابي وصحبه لابن دارفور الدكتور الشفيع أحمد محمد، برغم حصوله على اغلبية الأصوات عند الاقتراع على منصب الأمين عام لحزب المؤتمر الوطني في العام 1997، لصالح الدكتور غازي صلاح الدين.
(3)
فإذا أخذنا في الاعتبار كل هذا وغيره، مما لم ننشر، من الأدلة والقرائن الكاشفة عن طبيعة القيادة الحركية الحسنية الترابية، ذات الهوى الوسطي والشمالي، التي لم يبد في يوم من الأيام أنها تقيم وزناً لأهل (الهامش) وقضاياهم، فماذا نقول في حقيقة ومقتضيات الموقف التالي مباشرة بعد حدوث زلزال المفاصلة؟ الموقف التالي الذي نعنيه هو توجه الترابي الفوري، غداة تمايزت الصفوف، نحو غرب السودان، بعد ان أعلمته المحنة، من حيث لم يحتسب، كيف ان غالب قيادات الحركة ورموزها وطليعتها الفكرية والتنظيمية قد انحازت الى السلطان ذي الشوكة. ثم اكتشف على حين غرة أن غالب من صمدوا الى جانبه كانوا من الصفوف الوسطي والقاعدية، وأن جل هؤلاء كما تبين بعد ذلك جاءوا من أقاليم دارفور.
الذي حدث هو ان الشيخ الترابي لم يبدد دقيقة واحدة هدراً، بل انقلب في ضحى ذات اليوم، فأعاد انتاج نفسه واتخذ لها (نيولوك)، ثم نصب ذاته الكريمة نبياً للهامش ورسولاً لحزانى الغرب المظلوم، فلطم خده وشق جيبه حزناً على أهل دارفور وما لحقهم من ضيم عبر الحقب. أما بقية المشهد من تأسيسٍ وتمويلٍ وتجييشٍ للتمرد تحت راية (العدل والمساواة)، وايقاد الفتنة واشعال النيران، ودفع البلاد الى اتون الحرب الاهلية، فذلك كله كتابٌ ملطخ بدماء مئات الآلاف من الضحايا، صفحاته مفتوحة لمن عرف القراءة.  فما قولك – أعزك الله - في أمر القوم إذ ينعتقون من حافلة الوسط والشمال في اول الليل، ويلتحقون بقطار دارفور قبل صياح الديك، ولا يبالون في سبيل الكيد للخصوم من وضع مستقبل البلاد كلها في كف عفريت؟
(2)
أكثر إثارة للحيرة من كل ذلك ما كان من أمر الترابي ونخبته الحسنية في شأن جنوبي السودان القديم واهله. يحدثنا التاريخ أن هؤلاء ظلوا في تناقض دائم مقيم مع الجنوب ومطالبه عبر نصف قرن من الزمان، ظل خلالها الجنوب يجسد العدو الاول للحركة الحسنية الترابية بغير منازع. بل أن الحركة بسبب الخشية والهلع من طروحات ومبادرات التوافق السياسي مع متمردي الحركة الشعبية عام 1989، اندفعت الى انجاز انقلابها العسكري فأطاحت بالديمقراطية تحت شعار الحفاظ على شريعة الله وصيانة هوية الامة. وفي علم الكافة ان تنظيمها بمسمّاه الجديد الذي ظهر به عقب الانتفاضة الرجبية في ابريل 1985 - الجبهة الاسلامية القومية - وخطابها الذي بسطته في الآفاق، لم يكن عند أهل الجنوب وغيرهم سوى تجسيد للشيطان الذي يدق طبول الحرب، ويمقت الهامش، ويسعى لكبت ثقافته وهويته، وهو يدعو سراً وعلناً عبر صيحات الحرب ونثير الكراهية لتثبيت الوجود والثقافة العربية الاسلامية.
ولكن أيهما أهم؟ الاستمساك بعروة المبدأ، واستئصال شأفة التمرد، ورفع رايات الاسلام في جنوبي الوطن، أم حسم الصراع  السياسي حول السلطة مع رفاق الامس الذين خانوا العهد، مهما كانت التكلفة؟! والاجابة لا تحتاج الى بيان. سارع الترابي وفي هدوء شديد الى إضافة نص ضمّنه برنامج حزبه الجديد، يدعو الى اتخاذ سبيل التفاوض مع الحركة الشعبية لتحرير السودان سعياً الى السلام. ثم عمد الى إرسال مندوبيه للاجتماع بممثلي الحركة الشعبية لتحرير السودان والدخول معهم في حوار مفتوح. هو نفسه الحسن الترابي الذي وصم الميرغني والمهدي ذات يوم بالخيانة العظمى لأنهما اختارا الحوار بالحسنى مع العقيد جون قرنق. ثم انقلب على حكومتهما حتى يتسني له تجييش الشعب ومواصلة الحرب. وهكذا تم التوقيع على مذكرة التفاهم بين المؤتمر الشعبي وحركة التمرد في فبراير 2001.
ثم تصدى الترابي بكل نفوذه المعنوي والسياسي للدفاع عن مذكرة التفاهم مع الحركة التي كانت (عدواً لدوداً) للمشروع الاسلاموي قبلها بأسابيع قليلة، ضد منسوبي حزبه الذين هالهم الأمر. يقول المحبوب في شأن الجدل بشأن الاتفاق مع قرنق وصحبه أن رؤوساً في قيادة المؤتمر الشعبي (سعت للتبرؤ من المذكرة والتخلي عن الموقعين وتحميلهم مسئوليتها، لولا تصدي حاسم من الامين العام، فالمذكرة ربما ساعدته للوصول الى تمام المباينة والمفاصلة مع النظام المتسلط وهيأت الرأى العام للأطروحات الجديدة التي ثاب اليها). والأمر عندي لا يتعدى واقع وطبيعة الشخصية البراغماتية للشيخ الترابي.  الرجل الذي يلبس لكل حال لبوسه، فهو يجيّش الاتباع للحرب عندما  تكون الحرب مغنماً ومطية فيحاربون، ثم (يتصدى لهم بالحسم) ليفرض عليهم الحوار والمصالحة مع العدو، عندما تدور الدوائر وتتداعى دواعي الكيد للخصوم، فيحاورون ويصالحون. ثم ماذا نقول بعد هذا؟
(3)
من أقوال المغفور له، السياسي المايوي العتيد الراحل الاستاذ أحمد عبد الحليم، في تعريف الفرق بين المسار والمسيرة: "المسار ثابت أما المسيرة فمتحركة"، ودعوة حبيبنا المحبوب لأهل حزبه لممارسة فضيلة النقد الذاتي واعادة تقويم مسيرتهم القاصدة، التي لم يعد أحد يعرف أين مقصدها، دعوة حق، لا نشك في أنه أراد بها حقا. ولكننا نميل الى الظن ان مسيرة الحركة الحسنية الترابية اهترجت واضطربت لا بفعل أخطاء شابت المسيرة، ولكن بسبب طبيعة المسار الذي اختاره الحادي، ماسك خطام الابل. 
لقد شهد من أبناء الحركة الحسنية الترابية الشهود العدول، فكشفوا النقاب عن ان التفكير والتنظير، وبناء الاستراتيجيات ورسم الخطط والبرامج داخل ذلك التنظيم الحديدي، كان حكراً على رجل واحد فقط. وأن جميع اعضاء التنظيم (بما فيهم الحشد الحاشد من حملة الدكتوراه والماجستير والبكالوريوس الذين كان التنظيم يفاخر بهم ويباهي) كانوا تُبّعاً يتبعون، لا اكثر ولا أقل. وقد رأينا مرأى العين، منذ المفاصلة، وعلى مدي السنوات الخمسة عشر التي انقضت بعدها، كيف – بين أيام ولياليها -  تتحور المعاني والمبادئ من الحرف الى الحرف، وتتحول المعارف والمواقف من الطرف الى الطرف. وكيف أن الغايات الساميات الكبرى - التي تُسال تحت بنودها الدماء مِدرارا وتُبذل الارواح مِكثارا – تخبو وتذوى ثم تغيب في لجج الأطماع وصراعات السلطة، لتفسح المجال أمام أغراض النفوس الصغيرة وأهواء القلوب الغريرة.
(4)
كانت الحركة الوطنية للتغيير، التي ولدت مؤخراً، فدخلت بخيلها ورجلها من المثقفين الوطنيين الى الساحة، قد بادرت فدعت كل أصحاب تجربة لنقد تجربتهم وتقويمها واستخلاص عبرتها. فهذا اذن موسم النقد والتقويم واستخلاص عِبرات المسير. والنقد الذاتي وكشف الحساب مبدأ جليل وسنة حسنة، تخرج بأحزابنا وتنظيماتنا من نفق الدفاع والتبرير وتصدير المسئوليات الى الأغيار، الى سعة الديمقراطية بمفهومها الأشمل. وها هو حبيبنا المحبوب على رأس المبادرين بالاستجابة، رغم علمي أنه كان قد اكمل مقدمته قبل صدور بيان جماعة المثقفين بعدة أشهر. وأظن ان جهده هذا أول جهد نقدي تقويمي جاد تعرفه الحركة الاسلاموية الحسنية الترابية في تاريخها كله. وقد رأيت قبلاً من شكا وبكى من بين مثقفي الحركة، كون هذا الضرب من العمل الفكري مضطهد ومرجوح في اُطرها وبين صفوفها، ينظرون اليه على أنه من شغل (المنظراتية).
هذا مع أن بعض الحركات الاقليمية مثل حركة الاسلاميين التقدميين في تونس اهتمت بالتأسيس الفكري وأنزلته بين أجندتها منزلاً لائقاً.  ولأن الاسلامويون جميعاً يعيشون على المستوى الاقليمي والعالمي في حالة تراجع وانحسار فإن أمر المراجعة، لا سيما بعد تجارب تركيا وتونس ومصر، يصبح من الضرورات، لا الكماليات.
مهما يكن فإننا ننتظر من المحبوب وأضرابه مزيداً من شغل التقويم والنقد الذاتي، فنحن وغيرنا ما زلنا في حاجة لفض مغاليق كثيرة حول اداء الحركة وحكم الانقاذ. نريد ان نعرف الاسس التي بنى عليها الترابي خطة التغيير الكبرى بعد الانقلاب، وتلك التي شيد على ضوئها نظريته في اعادة صياغة الخارطة السياسية في السودان عبر صيغة المؤتمر الوطني بنية الانفراد بالسلطة. والدفوع الفكرية والسياسية وراء اصراره العنيد على رفض دعوات التفاوض مع القوى السياسية المعارضة، وتجاهل مقترحات اقامة فترة انتقالية مدتها خمس سنوات بأمل أن تؤدي في نهايتها الى توافق سياسي بين كافة القوى السياسية الفاعلة، وهي الفكرة التي طرحت عدة مرات ووجدت تأييدا واسعاً داخل بعض دوائر النظام. وقد ثبت أنها جميعها مواقف استعلائية خاسرة دفعت الحركة، كما دفع السودان كله ثمناً غالياً لها. كما ننتظر من المحبوب نقداً أعمق بعداً واكثر شمولية، يتجاوز دور الترابي كقائد سياسي، ليطال دوره كمفكر وفقيه، ويتناول نظريته في اصول الحكم واصول الفقه وتفسيره التوحيدي للقرآن.
بيد ان الحاجة تظل قائمة الى فتح وتصعيد وتقعيد دور الشباب من الأجيال الجديدة، الأقدر والأولى بحمل راية التغيير ورسالته، وتمكينه من التصدي لمهمة التجديد عبر أفكارٍ عارفة ومستنيرة وجسورة، لا في مضامير تنظيمات الاسلام السياسي فحسب، بل وعلى مستوى الأحزاب والتنظيمات والفاعليات السياسية والمدنية كافة. وتلك هي حكمة التاريخ وسُنة الله الماضية.
أما حبيبنا المحبوب فحسبه ان سفر التاريخ السياسي لهذا الوطن الغالي سيكتب له بغير ريب فضل الإقدام، واحتياز إرادة السبق والمبادرة، فهو من المستبقين الى الخيرات. وفي الأثر أنه لا يزال لطف الله بعباده المستبقين الى الخيرات، يصرف عنهم البلاء، ويوسع عليهم الأرزاق، ويُحظون بتوفيق الله ونعمته.
نقلاً عن  صحيفة (الرأى العام)