غرباً باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


الحلقة الثالثة:
(1)
أثناء مطالعتي صفحات الوثيقة، وجدت نفسي للمرة الاولى هائماً على الضفة الاخرى للنهر، بعيداً عن حبيبنا المحبوب بن عبد السلام، مخالفاً رأيه ومجافياً موقفه الذي تبناه وهو يلج بوابة الاقتصاد، ويُدلي بدلائه في شأن المال ومصادره ومساراته في شرايين أحزابنا وتنظيماتنا السياسية. والمال بغير ريب هو العصب الحساس، صاحب القول الفصل في بصائر الصعود أو مصائر الخمود لكثير من أحزابنا وتنظيماتنا. ومثلما أن تحرير قواعد التأصيل والتأويل، وتقويم مناهج التفكير والتنظير، واجبةٌ ولازمةٌ وحيوية لحياة الأحزاب وبرامجها، فكذلك الحال في شأن التمويل، ومغارفه ومصارفه، ومشروعيته ومشروطيته.
(2)
بيد أن خلافي مع صاحبي لا يطال شأن حزبه، المؤتمر الشعبي، تخصيصاً، بل يستثنيه. وأنا في واقع الأمر لا أجد بأساً من قول المحبوب: "ضمن أفضل المراجعات والقرارات التي توجه نحوها الأمين العام، وحمل معه الحزب نحوها، موقفه الداعي الى تجاوز تأسيس أعمال اقتصادية خاصة بالحزب، شركات او مؤسسات استثمارية او تجارية". كما أنظر بتعاطف شديد الى زعمه: "إن عبرة التجربة السالفة في تاريخ الحركة الاسلامية أوضحت بجلاء أن الشركات والمؤسسات الاقتصادية التي يملكها الحزب في الباطن مهما سُجلت في النظم العامة القانونية بأسماء أشخاص معروفين أو مغمورين من الأعضاء الحزبيين، ومهما تحددت لهم النسب والأنصبة في رأس المال أو الأرباح، فإن حصيلة التجارب هو فشل تلك الشركات والمؤسسات وخسارتها".
والمحبوب يعالج هنا متطلبات اعادة البناء المالي والاقتصادي لحزب المؤتمر الشعبي بعد المفاصلة. والفقرة المتقدمة تؤكد على حقيقة مركزية، تُصنف ضمن ما هو معلوم من تاريخ الحركة الاسلاموية بالضرورة. وهي انه، وبصرف النظر عن الربح والخسارة، فإن الحركة تجر وراءها تاريخاً حافلاً وجسوراً في مضمار جمع وتكديس وتثمير الأموال، تحت مسميات مُستتترة ولافتات مُفتخرة. لا يشمل ذلك الأموال الخاصة المرتدة الى الحركة نفسها وحسب، بل أنها ربما امتدت فطالت، تحت ردائها، الاموال العامة التي تغلبت عليها الطائفة الاسلاموية بعد انقلابها عام 1989.
وقد كان لنا قبسٌ من ضوءٍ منير في نفق هذا المبحث الشائك في الحديث الهميس الذي أدلى به القيادي الاسلاموي الاقتصادي الدكتور موسى كرامة للدبلوماسيين الأمريكيين، من مسئولي سفارة الولايات المتحدة بالخرطوم قبل نحو عامين، والذي كشف تفصيلاته الشاب المسخوط ادوارد سنودن، ونشره الاسترالي جوليان أسانج عبر تسريبات موقعه الشهير ويكيليكس. وفي ذلك الحديث ما أزاح غلالة جزء من جبل الجليد الاستثماري الاسلاموي. وقد لفت انتباهي، بوجه الخصوص، ما أورده الدكتور موسى كرامة، العارف بالآبار الإنقاذوية وغُطيانها، عن تجاوزات العصبة المنقذة في استعمال واستغلال قانون الشركات لعام 1925 وتوظيفه لتأسيس أعمال ومناشط تجارية بأموال الدولة، وتدوير استثماراتها خارج نطاق الرقابة المحاسبية الحكومية.
(3)
لا خلاف مع المحبوب هناك. ولكن نزاعي معه يحتدم حول فقرة اخرى أوردها في وثيقته، يقول فيها: (ولكن في التجربة السودانية ورغم عمل متصل منذ أواخر العقد السبعين في ذات مجال المال والأعمال فإن الحركة في مجملها لم تخرج ثرية كما هو الحال مع حركة جماعة النور في تركيا أو حركة الإخوان المسلمين في مصر، أو حتى مقارنة مع الأحزاب السودانية المعارضة التي استثمر بعضها علاقاته الخارجية أو استفادت من جمّة وفرها لها النظام بعد إقرار دستور 1998 ونشطت في أدوار مشابهة لما قامت به الحركة الاسلامية نفسها في فترة الهدنة التي وفرتها لها مرحلة المصالحة الوطنية بعد العام 1977). وكأن صاحبي يريد ان يقول أن الحركة الاسلاموية ليست ثرية، وأن مواردها ومحصولها المالي قابل للمقارنة والمضاهاة مع رصيفاتها من الأحزاب الاخرى. بل يخيل الىّ أنه قال بأن الحركة الاسلاموية وإن اهتبلت فرصاً وفرها لها تحالفها مع النظام المايوي خلال الفترة 1977 -1985 لبناء ترسانتها المالية والاقتصادية، فإن الأحزاب التقليدية المناهضة لها قد نالت فرصاً موازية فنشطت في التجارة والاستثمار وتخزين الأموال بعد إقرار دستور 1998. وذلك كلام لا أشتريه أنا بنصف دولار، بل ولا بسنت واحد.
ولكن ذلك لا يمنعنا، ونحن في مقام المراجعة والتقويم والنقد الذاتي، من أن نفتح صفحة التمويل الداخلي والخارجي، وكشوف النشاط الاستثماري لأحزابنا الوطنية، بما في ذلك الحركة الاسلاموية، فنتفحصها ونتملاها، ثم يكون من أمرها وأمرنا ما يكون.  
(4)
نحن - وغيرنا - يعلم عن الحزب الاتحادي الديمقراطي العتيد أنه لا يملك ولا يدير أية استثمارات مالية حزبية. وإن كان مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، راعي الطائفة الختمية ورئيس الحزب، يملك ويدير استثمارات واسعة خاصة بالأسرة والطائفة داخل وخارج البلاد. ولا تخضع هذه الاستثمارات لأية ضوابط مؤسسية حزبية، باعتبارها من شئون الطائفة لا الحزب. وقد اعتمد الاتحادي الديمقراطي تاريخيا وفي المقام الاول على تبرعات وهبات الموسرين من رجال الاعمال والتجار الذين يحتشد بهم الحزب. وذلك فضلاً عن المساعدات والتمويل الخارجي، الذي بدأ بتمويل الحكومة المصرية لانتخابات 1953 كما هو مرصود في بطون كتب التاريخ المعاصر. ومما لا خلاف عليه أيضاً أن زعيم الحزب، السيد الميرغني، تحصل خلال حقبة الثمانينات والتسعينات على دعم وتمويل متصل من نظام الرئيس صدام حسين في العراق، والعقيد معمر القذافي في ليبيا. وذلك استطراداً لتحالفات بين الحزب وحكومتي العراق وليبيا سبق ان أسسها وشاد بنيانها الراحل الشريف حسين الهندي.
وثابتٌ أيضاً، عند عباد الله الصالحين من العلماء، أن الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الامة القومي والجبهة الاسلامية القومية، تلقت دعماً متساوياً لتمويل الانتخابات البرلمانية عام 1986 من العقيد الليبي معمر القذافي، بلغ اثنين مليون دولار لكل حزب. وقد يبدو ذلك الرقم كبيراً للبعض ممن لا علم له بتكلفة الانتخابات في بلد كالسودان. وقد يُدهش هؤلاء أن يعلموا ان حزب الامة اعتمد في تمويل الانتخابات بنسبة 85% على على المساهمات المحلية، من تبرعات عضويته الضاربة، ممثلة في السيارات والوقود وتمويل الندوات والضيافة والنثريات. ولا علم لي بأرقام الحزب الاتحادي الديمقراطي، وأتصور انها مشابهة لرصيفه. أما الجبهة الاسلامية القومية فقد صرفت على تلك الانتخابات صرف من لا يخشى الفقر، ودلقت داخل البئر أموالاً تضاهى كنوز قارون.
(5)
كان حزب الامة في طليعة القوى الوطنية التي عانت أمر المعاناة في مجال المال، حيث انتهى عهده بالاستثمار والقدرة على تمويل الأنشطة السياسية بعد انقلاب مايو 1969، حين قامت سلطة نظام القوميين والشيوعيين بمصادرة شركة دائرة المهدي وتحفظت على أموالها. إلا أن الحزب تسلم عقب ذلك وتحديداً خلال الفترة 1969 -1970 بعض المساعدات المالية المحدودة من ملك السعودية الراحل فيصل بن عبد العزيز، وذلك في اطار التحالف السياسي ضد المد الشيوعي في المنطقة. ثم تلقي - شأنه شأن الحزب الاتحادي الديمقراطي والحركة الاسلاموية - المشاركتين في تنظيم الجبهة الوطنية دعماً مالياً من نظام العقيد القذافي خلال السنوات التي اعقبت تشكيل الجبهة، وحتي فشل محاولة اسقاط النظام المايوي عن طريق الغزو المسلح في يوليو 1976. وقد استمرت الاحزاب الثلاثة بعد ذلك، كلٌ على حده، في تلقي العون المالي بأقدار متفاوتة من النظام الليبي. ثم توقف الدعم الليبي تماماً عقب انقلاب الانقاذ في 1989 الذي ايدته طرابلس، واستمر ذلك حتي العام 1998 حيث تمت المصالحة بين القذافي وحزب الامة.
استأنفت ليبيا دعمها بعد عودة الامام الصادق المهدي من المنفي الى الخرطوم في العام 2001.  غير أن العقيد القذافي عاد فقطع علاقته بالحزب في العام التالي مباشرة بعد ان رفض الامام عرضاً انقاذوياً للمشاركة في الحكم تبنته ليبيا. وفي ذات الوقت كانت علاقة حزب الامة بالمملكة العربية السعودية قد انقطعت تماماً، بعد ان غضبت الأخيرة على دعوة الامام الصادق المهدي لتشكيل لجنة دولية للتحقيق في احداث الحرم الشريف، وما تعرض له الحجاج الايرانيون هناك في ذات العام. وكانت السعودية تحس أصلاً بمرارة شديدة تجاه السيد الصادق المهدي لموقفه السابق المستقل تجاه الحرب العراقية الايرانية ورفضه إدانة إيران.
وربما حالت حياة الترحال والقلق وعدم الاستقرار، والمعارضة الدائمة والتآمر الانقاذوي المتصل ضد الحزب دون ان يتمكن الامام الصادق المهدي من انجاز هياكل اقتصادية استثمارية تعين الحزب على تنظيم شئونه المالية، حتي يكون المال عوناً له في أن يلعب الدور اللائق به في الحياة السياسية. الا ان حزب الامة برغم كل ذلك يتميز بدرجة عالية نسبياً من كفاءة الادارة المالية والشفافية تفوق بما لا يقاس غيره من الاحزاب الوطنية. ونعلم أن الراحل المغفور له السيد صلاح المهدي، شقيق الإمام، كان هو المسئول الاول عن مالية الحزب حتي وفاته في العام 1987 . تلاه القيادي المهدوي المنشق عن الحزب، السيد مبارك المهدي، الذي تولى مسئولية الحزب المالية حتي العام 1997. وقد شهد لهما قادة الحزب وكوادره عبر السنوات بالكفاءة والفاعلية والأمانة والاستقامة.
(6)
أما جماعة الاخوان المسلمين، ثم الجبهة الاسلامية القومية، التي انداحت عقب انقلاب الانقاذ في كيان المؤتمرين الوطني والشعبي، فإننا نعرف عنها انها كانت حزباً فقيراً معدماً حتي العام 1977. حين تمكن قادته وعلى رأسهم الدكتور حسن الترابي من اقناع الرئيس السابق جعفر نميري بأن يسمح لهم بإنشاء المصارف الاسلاموية، وفي طليعتها بنك فيصل الاسلامي السوداني وبنك التضامن الاسلامي وبنك البركة، ثم ما تلاها من المصارف. فضلاً عن الهيئات المدرة للبترودولار، مثل منظمة الدعوة الاسلامية، التي هيأت للحزب استثمار وتوظيف التمويل الخليجي، باسم الدعوة، لمصلحتها الذاتية. وقد تمكنت الحركة عبر هذه المؤسسات من تمويل كوادرها واستقطاب غيرهم، وتوسيع قاعدتها الصفوية الى قاعدة شعبية أوسع نفوذاً وأكثر تأثيراً وانتشاراً وفاعلية.
معلوم ان الحركة الاسلامية اعتمدت اعتماداً شبه كامل حتي العام 1977 على التمويل الليبي عبر الجبهة الوطنية. وكانت حتى ذلك العهد تعاني من ظاهرة مفارقة كوادرها من الشباب والطلاب للتنظيم بعد دخولهم الحياة العملية. وهو الحال الذي تهيأ لها ان تتغلب عليه بعد دخولها عصر البترودولار والصيرفة الاسلاموية والاستثمارات (من شاكلة دان فوديو) كما سبقت الاشارة. وتعتبر الحركة الاسلاموية السودانية من اكثر التنظيمات في العالم نجاحاً في استخدام المال وتوظيفه لمصلحة ربط العضوية بالتنظيم. وقد ذكر لى سياسي سوداني مخضرم، واسع المعارف، أن الدكتور حسن الترابي اقتبس فكرة استخدام وتوظيف الاستثمارات المالية لتثبيت العضوية وتمكينها وتفعيلها، من الامام عبد الرحمن المهدي. ويُعرف عن الإمام السيد عبد الرحمن أنه أسس دائرة المهدي وادارها وكأنها (بيت تمويل)، يقوم بتمويل وتنمية العضوية والقيادات في طول السودان وعرضه، الى جانب دورها كمؤسسة منتجة توفر الأموال عبر الانتاج.
ولعلني - في مورد إلقاء مزيد من الضوء على هذه الفكرة - أنقل ما جاء ضمن مذكرات لم تنشر بعد لشخصية سودانية بارزة وثيقة الصلة بحزب الامة، من أشارة تفصيلية الى حديث منسوب الى الحاج عمسيب، احد قيادات حزب الامة بمدينة كوستي (متعه الله بالصحة وأطال عمره، وهو يقترب الآن من عامة المئوي). تقول الرواية: (ذهبت مع والدي للامام عبد الرحمن حيث اشتكى له الوالد من أن السيد الصديق المهدي اشترط تمويل مشروعه الزراعي مقابل نصف الأرباح، بينما عرض هو الربع. فاستدعى الامام عبد الرحمن ابنه الصديق ووجهه قائلاً: "يا الصديق يا ابني. عمسيب ده زولنا في كوستي. يا تموله بشروطه، والا بموّله أنا مجانا).
(7)
لا يمكننا ان نغادر قضية تمويل الاحزاب الوطنية السودانية دون ان نتطرق الى قضية الدعم الامريكي المعلن للتجمع الوطني المعارض الذي ذاع خبره وملأ الدنيا خلال عامي 2001 و2002. وكانت أولى بشاراته، حتى لا نقول نذاراته، قد جاءت  من داخل الادارة الأمريكية نفسها، حيث أعلنت رسمياً في العام 2001 أنها رصدت، كمرحلة اولى، مبلغ ثلاثة مليون دولار دعماً للتجمع المعارض بقيادة السيد الميرغني، في مواجهة حكومة الخرطوم. وبحسب بعض المصادر فقد وصلت مدفوعات الدعم الامريكي الدولاري في مرحلة لاحقة الى عشرة ملايين بالتمام والكمال. وفي غياب معلومات كافية حول آلية تسلم مثل هذه المبالغ المليونية بواسطة المعارضين لحكم الانقاذ، والكيفية التي تم بها التصرف فيها، فإنني لا أملك الا ان اتوجه بنداء مفتوح عبر زاويتي هذه الى الشخصيتين اللتين دلتني عليهما بعض المصادر التي توخيت فيها المعرفة، والتمست منها ان تبصرني بما غاب عني واستشكل على وعيي.
وكانت مصادري قد اجتمعت على ان الدعم الامريكي جري تسليمه فعلاً الى ممثلين للتجمع الوطني المعارض آنذاك عبر شركة خاصة تعاقدت معها وزارة الخارجية الامريكية. وقد نصحتني ذات المصادر ان التمس المزيد من المعلومات من السيدين الاستاذ عادل سيد احمد عبد الهادي، الذي يمتلك شركة حراسة خاصة في مدينة لندن، والاستاذ معتز الفحل المسئول السابق    في جيش الفتح، والذي يقيم حاليا بدولة جنوب السودان. ثقتي عظيمة في أن هذين الشخصين الكريمين سيوافياني وقرائي بالخبر المفصل اليقين،حال صحّ ما أفادت به مصادري، من أنهما من أشرفا على تسلم وادارة هذه الاموال، وفقا لتوجيهات قيادة التجمع الوطني الديمقراطي. والله ثم رسوله أعلم.
(8)
من أطرف ما قرأت في حياتي كلها معلومة وردت متطابقة، في بعض كتب المذكرات التي نشرها سياسيون وعملاء سابقون في جهاز المخابرات ومكتب التحقيقات الفيدرالية الامريكية، عرف منها العالم ان جهاز السي آي ايه كان يمول الحزب الشيوعي الامريكي في ستينات وبعض سبعينات القرن الغابر، لأسباب ليس هذا أوان شرحها. وقد ضحكت كثيراً، حتي كدت انقلب على قفاي، عندما ذكر لى أحد الاخوة المحامين أن حزب المسخرة، الذي ترأسه السندريلا، يموله ويرعاه حبيبنا كبير البصاصين والجلاوزة الفريق محمد عطا، فعاجلتني لفوري تلك المعلومة الخنفشارية عن الحزب الشيوعي الامريكي!
ولكنني عدت فلذت بساحل السكينة، وركنت الى برّ التأمل، عندما قرأت مقالاً للدكتور صدقي كبلو، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، نشره أول أمس الأحد، يتهم فيه السندريلا بتملق الغوغاء والجنوح الى هجص الاثارة الشعبوية. ويعبر فيه عن حيرته الشديدة، كون أن اسهام السندريلا داخل منظومة تحالف قوى الاجماع الوطني المعارض خلال السنوات الخمس الأخيرة، لم يتعد توزيع وتكريس الاتهامات الفاحشة الغليظة لكيان المعارضة ورموزها. حيث دأبت على نعتها بالعجز والفشل، ودمغها بالضلال والخبل، وفقدان البصيرة وقلة الحيلة. ثم اعادة تدوير وترويج ذات العبارات، وتكرارها بإلحاحٍ مريب وصبر عجيب. وكان الدكتور صدقي كبلو يشير الى ندوة، حضرها نحواً من عشرين فرداً، اقامتها السيدة قبل أيام قلائل، ورددت فيها ذات الاتهامات العشوائية المحفوظة، التي كانت قد تقيأتها بحذافيرها في اوقات ومناسبات سابقة.
من موقع اعجابي الدائم بالسندريلا وحزبها، حزب المسخرة، أعلن تبرعي له بمبلغ مائة دولار. واقترح ان يتبنى حزب القردين وحابس شعاراً له المقولة الشعبية المأثورة "المعايش جبارة"!

الحلقة الرابعة:

لعله من نافلة القول أن القوى السياسية العقيدية الحداثية السودانية على اطلاقها، يميناً ويساراً، ما انفكت تعلك في زماننا الحاضر ثمرات أخبث خياراتها، وتجر خطاها في طرقات أردأ مساراتها.
عبر العقود الأربع الماضيات ظل الحزب الشيوعي السوداني ضيفاً دائماً على المقولة الشهيرة المنسوبة  للحسن البصري "كل عامٍ ترذلون". فمنذ ضربهم النميري ضربته الفولاذية في العام 1971 وحال الشيوعيين السودانيين يكاد يطابق حال اولئك الذين قال بلسانهم الزبير بن عُدى (أتينا أنس بن مالك فشكونا اليه ما نلقى من الحجاج فقال: اصبروا؛ فإنه لا يأتي عليكم زمانٌ إلا الذي بعده شرٌّ منه حتى تلقوا ربكم)!
وقد لقى بعض قادة ورموز الحزب ربهم وهم يحملون بيمناهم كتاب (شرفٌ لا ندعيه وتهمة لا ننكرها)، ثم ابتلى الزمان عيال ماركس بربع قرن من حكم العصبة المنقذة، حتى عرفوا ان الله حق. رحم الله الذاهبين منهم، وأثاب القائمين بين ظهرانينا أجر الصابرين. وقد قيل أن الصابرين لا يحاسبهم الله يوم القيامة، ولا يُوزن لهم ولا يُكال، وانما يُغرف لهم غرفا، لقوله تعالي (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ).
ثم ها هم الاسلامويون السودانيون يضربون في تيه الانحسار السياسي والمسغبة الفكرية، فباءوا بخسرانٍ مبين، وقد انقلبوا من بعد انقلابهم تتاراً، يضرب بعضهم رقاب بعض. وهان أمرهم على الناس، حتى رقّ لهم قلب حبيبنا القيادي الجمهوري الدكتور النور حمد، فرسم لهم مخرجاً من دلجة الفكر وعماهة البصر التي غشيتهم سماديرها، وكان مخرجه لهم هو أن دعاهم للانضمام الى جماعة الاخوان الجمهوريين!
أظلنا إذن عهد كساد المذهبيات الدينية اليمينية، وبوار العقائد الايديولوجية اليسارية، وأتى الزمان الذي ليس بعده إلا ما هو شرٌّ منه، الذي يرذل فيه اصحاب المذهبيات والعقائد هؤلاء عاماً بعد عام، فلا حول ولا قوة الا بالله!
ولكن حبيبنا المحبوب لا يشاطرنا رأينا الكئيب المُريب، بل أن أمله في الله كبير أن ينهض قومه الاسلامويون الى جادة النقد الذاتي، ويرتدوا أردية المكاشفة والمصارحة، فيراجعوا ويسددوا، ويقوّموا ويجددوا، عسى أن يلهمهم الله من بعض الضلال بصراً حديدا، ويكتب لهم من بعد الكلال فكراً مجيدا.
قرر المحبوب أن الحركة الاسلاموية، تحت قيادة الترابي، أخطأت إبتداءً عندما تبنت منطق قيادة الناس الى الجنة بالعصا وأخذت على عاتقها مهمة حمل الناس على الحق حملاً. ثم قرر أن حزب المؤتمر الشعبي، بعد المفاصلة، أخطأ أيضاً عندما نكص قادته عن مشروع المراجعة الشاملة لسائر كسب الحركة الاسلامية السودانية منذ التأسيس الى الانقلاب، واختار استئناف اصول الخطاب القديم، وتمسك بشرعية الانقلاب على النظام المنتخب ديمقراطياً، والتي كانت الحركة جزءاً منه، تستحوذ على ربع مقاعد برلمانه.
وعندي فإن عبارة (قيادة الناس الى الجنة بالعصا) تعتبر ملمحاً محورياً فارقاً عند النظر الى أداء الحركات الاسلاموية وكسوبها اقليمياً وعالمياً. وهذه العبارة بعينها تحمل في تضاعيفها التفسير الكامل للتباين المشهود في التوجهات الاستراتيجية الفكرية بين الحركات الاسلاموية المشرقية ونظيراتها في المغرب العربي، على الرغم من التشابه والتشابك في اصولها التأسيسية المشتركة.
ولا بد ان الذين يراقبون أداء الحركات المغاربية يلاحظون ان حزب النهضة التونسي مثلاً، وهو اكثر التنظيمات الاسلاموية نضوجاً في المغرب العربي، ظل على الدوام وفياً لمبدئه المعلن الذي يرفض الوصاية على المجتمع. وقد بح صوت الرجل الأول في حركة النهضة، راشد الغنوشي، منذ ثمانينات القرن الماضي وهو يردد ذات العبارات المبدئية حول العلاقة بين الحركة والشارع. وجوهرها هو أن الحركة ليست وصية على المجتمع، فإذا أفلحت في التبشير بأفكارها وأنقاد المجتمع لنداءاتها فبها ونعمت، وعلى الله قصد السبيل. أما إذا استعصى على الحركة النفاذ الى عقل المجتمع ووجدانه، فلا ولاية لها عليه. وإنما يكون سبيلها في هذه الحال هو السعي الدؤوب للتعرف على مواضع الخلل في مناهجها، ومراجعة وتجديد أفكارها، واعادة تقويم طروحاتها ومسالكها الدعوية. والفارق هنا مهول بين الفكر الغنوشي، الذي يعلي من أقدار المجتمع والارادة الشعبية من ناحية، والفكر الترابي الفرعوني الاستعلائي الوصائي، الذي يحتكر الرشاد ويمتن به على العباد، من ناحية اخرى.
وإذا كان مرشد الحركة الاسلاموية، الشيخ حسن الترابي، قد اكثر خلال سني الانكسار والازورار الاخيرة من إظهار الندم على تبني فكرة الانقلاب، فإن ذلك الندم لم يكن في واقع الأمر إقراراً بخللٍ في الفقه وعوارٍ في الفكر، ولّدته صدقية المراجعة وأنتجته حمية النقد الذاتي. ومن الحق أن الدكتور الترابي، حتي يوم الناس هذا، لم يعتذر عن مبدأ الانقلاب على الديمقراطية، وانما أظهر الحسرة على المآلات. ومن هنا فإن حبيبنا المحبوب يأخذ عليه - مُصيباً - أنه بدد الفرصة التي قدمتها المفاصلة في نهاية العشرية الاولى للتطهر من بلاء الانقلاب وأوزاره عبر بوابة النقد المسئول.
كتب المحبوب: (ولكن ذلك التأسيس لقرار الانقلاب وضع تلقائياً على كاهل المؤتمر الشعبي الجديد مسئولية الدفاع عن كل ميراث الانقاذ في مدى السنوات العشر التي كان فيها مشاركاً أصيلاً في النظام، بدلاً من القطيعة مع ذلك الميراث، والعمد مباشرة لتحديد الأخطاء التي اقترفت، لا سيما المتعلقة بحقوق الانسان من بيوت الأشباح الى مذابح جبال النوبة وحرب الجنوب. ثم ادخال مقولة الجهاد وأدبه ضمن أطر موصولة بالضرورة والتمام بممارسات المؤسسة العسكرية منذ الاستقلال. وغير ذلك من قرارت الاحالة للصالح العام، ووضع حجر الاساس لدولة الحزب والجماعة بديلاً لدولة السودان. وعلى النقيض من ذلك تماماً ظلت القيادة تبحث في مبررات للعشرية الاولى عبر تعديد المنجزات من الطرق الى بسط اللغة العربية الى ثورة التعليم العالي).
صدق المحبوب، فلا بد لاجتياز امتحان الهمم والمروءات من التقويم، وإلَّا كان التجريم. ولا بد من النقد العفيف، وإلّا كان القود العنيف!  

وما زال ليلنا مع وثيقة المحبوب طفلا يحبو!

نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)