غرباً باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الحلقة الاولى:
وقفت كثيراً عند وثيقة الإفصاح عن رغائب الاصلاح، تلك التي اهتاجت في وجدان حبيبنا القيادي الاسلاموي الاستاذ المحبوب عبد السلام، فخطها بنانه بإملاءٍ من عقلٍ راجحٍ جامح، مفتون بشئون الوطن ومسكون بشجون العقيدة.  ضغطت على زر الطباعة، فجاءتني الوثيقة في طروسٍ من الورق بلغت من الحساب خمسين صفحة. وقد عجبت إذ رأيت المحبوب، بعد كل هذه الشجيرات التي قتلناها حتي نقرأ على لحاها بيانه، يضع عنواناً لوثيقته من كلمة واحدة فقط لا غير، وهي: "المقدمات"، وكأن العناوين شحّت وغلا ثمنها!

بيد أنني لما سدرت في برية الأشواق المحبوبية الاصلاحية فطلعت المطلع ثم بلغت المبلغ، دهمتني في خاتمة الصفحات الخمسين العبارة التالية: (انتهت المقدمات، وتليها المراجعات، ثم تليها المناهج والموضوعات والمنظومات). فما لبثت أن حمدت الله، الذي لا يُحمد على طول وثيقةٍ، ثم الوعيدٌ بما هو أطول منها، سواه. ودعوته أن يهيئ لي ولصاحبي هذا، ولسائر المؤمنين الذين كُتب عليهم أن يقرأوا أسفار المحبوب الاصلاحية من أمرهم رشدا.


ولا غرو، فالوثيقة لا تطرق أمر مراجعة فكرية عجلى لموقفٍ او قرار، او حدث معلوم التاريخ، محدود النطاق، ومرصود الأثر. بل أنها تتسع وتتمدد، لكأنها كرش الجمل، لتلتهم في بطنها تاريخ الحركة الاسلاموية الحديثة، منذ حل الحزب الشيوعي في 1968، ومرحلة الجبهة الوطنية (1969-1977)، ودور ومسئولية الحركة عن قوانين سبتمبر واعدام الاستاذ محمود محمد طه، والانقلاب على الديمقراطية الثالثة، وتأسيس المؤتمر الوطني، والعشرية الاولى، وصولاً الى حزب المؤتمر الشعبي تأسيساً ونشاطاً وتاريخاً. والمراجعة هنا تطال الافكار والبرامج والمواقف، حيث يقرر المحبوب أنه (من الأوجب على حركة او حزب يزعم انه مؤسس على الأفكار، وقائم على الدعوة لها في شمول الحياة ووجوهها كافة، أن يكون للبرنامج وقع كبير عنده). يريد صاحبنا إذن ان يعرف أين أصاب أصحابه، فأوفوا بعهودهم ومبادئهم وأفكارهم وبرامجهم المعلنة، وأين تنكبوا الطريق فأخفقوا في التعبير عنها. وفي الحساب أمام الشعوب، كما في الحساب أمام الله، كل نفسٍ بما كسبت رهينة.

لعلني أبادر، قبل أن أخوض وأغوص، فأتوجه بالنصح الى صديقي المحبوب – والصداقة من الصدق كما جرى القول عند شيخه الترابي – أن يتوكل على الباقي الحي فيبذل الوثيقة، بتمامها وكمالها، ويدفع بها الى الفضاء العام. رغم ادراكي أنها انما كتبت أصلاً في مورد التفاكر والمراجعة وتقويم المسار داخل منظومة حزبه السياسي، المؤتمر الشعبي، إسماً وذاتاً وعيناً. غير أنني أرى أن الورقة برغم تلك الحقيقة، تصلح في خطتها ومضمونها أساساً لتحرير أجندة حوار وطني جهير حول تقويم الأداء والاصلاح المرتجى في كل الأحزاب السياسية السودانية بغير استثناء.

ولا يُخالجني ريب في ان العلل التي ناءت بكلكلها، وقعدت بالهياكل التنظيمية للحركة الاسلاموية السودانية بمسمياتها المختلفة عبر نصف القرن المنصرم - وأورثتها ما أورثتها من أمراض تصلب الشرايين، وضمور الأعصاب، والشلل الرعاش، والانيميا الفكرية - على نحو ما ألمح المحبوب وصرّح، لا تكاد تختلف في التشخيص الاكلينيكي عن تلك التي ضربت غيرها من الفعاليات السياسية السودانية، التقليدية والحديثة، على حدٍ سواء. ولا أظن ان بين ظهرانينا من تحدثه نفسه أن يجادل في أن الحاجة الى المراجعة السياسية والفكرية الشاملة تتعاظم اليوم اكثر من أى وقت مضى. لا سيما والابصار ترنو باتجاه مرتقىً جديد من مراقي تطورنا السياسي، تترسخ عند عتبته بيئة ممارسة الحريات العامة، وتتكرس الحقوق الديمقراطية.

بل أنني لا أبالي ان أقول ان الداعين الى التثبّت المنهجي ومراجعة البرامج والمسارات الفكرية، والمنادين بإعادة تقويم الكُسوب السياسية، من أمثال حبيبنا المحبوب، هم الأولى والأجدر بتصدر الصفوف في كافة تنظيماتنا السياسية اليوم. وذلك في مواجهة واقعٍ مخاتلٍ أسيف يتصدر فيه قيادة الأحزاب والتنظيمات، وينطق باسمها، رجال ونساء تسأل الواحد منهم عن برنامج تنظيمه السياسي، ومبادئه ومنطلقاته الفكرية، ثم ما عسى ان يكون تقويمه لحصيلة أداء تنظيمه عبر السنوات، فلا تسمع في مورد الجواب حسّاً ولا ركزا.

الممارسة السياسية عند كثير من ناشطي الكيانات القائمة لا تعدو ان تكون سبيلاً من سبل كسب العيش، او تشريفاً اُسرياً او جهوياً. والغاية والهدف عند هؤلاء هو الوصول الى السلطة، او التحلق من حولها، بما يخدم الأغراض ويصون المصالح. وقد خاطب السياسي البريطاني الشهير ديفيد ستيل، الذي ترأس الحزب الليبرالي الاشتراكي في سبعينات القرن الماضي، هذا القبيل من السياسيين، فقال: "المبادئ والبرامج والأفكار لا معنى لها من غير سلطة تنقلها من حيز المثال الى نطاق الواقع. ولكن السلطة دون مبادئ وبرامج وأفكار تلهمها وتلجمها لا معنى لها ايضاً، اذ لا تعدو ان تكون مجرد ساحة للانتهازية والوصولية السياسية"!

ثم أنني أنطلق، أيضاً، في دعوتي للحوار الجهير في الهواء الطلق، من منصة الحاجة الملحة لتلافي المحاذير التي تحيط بمسعى التداول الصفوي لمثل هذه المبادرات. خاصة وأن صاحبي قد لدغ من جراء التسريب القصدي والنشر الكيدي، الذي يقف من ورائه أصحاب الأغراض، وأهل السعاية والإرجاف والأجندة الخفية. ولكن مالي أنا أحشر نفسي بين الرجل والسلاحف من رفاقه. وقديماً قيل: "أبو القدح بيعرف محل بيعضي رفيقه"!


الحلقة الثانية:



في مقال بعنوان (العبرة من فشل المؤتمر الشعبي للمنشقين الجدد عن الحزب الحاكم)، نشر في ديسمبر من العام الماضي، وقفت حائراً - بل قل مذهولاً - عند توصيف المثقف الاسلاموي السلطوي الدكتور عبد الوهاب الأفندي لحالة التبعية الكاملة والانقياد الأعمى التي كانت تحياها الحركة الاسلاموية السودانية الموحدة تحت قيادة الدكتور حسن الترابي. (المثقف السلطوي غير مثقف السلطة. ونعني به من أكسبه وجوده وفعله الثقافي سلطة بلغت بتأثيره ونفوذه في المشهد العام شأواً بعيدا).

وبحسب الأفندي فإنه لم تكن هناك شخصية واحدة داخل الحركة - بخلاف الترابي - لديها القدرة على البيان والافصاح عن أية حيثيات تُجلي أو تلقي بضوءٍ كاشفٍ منير، سياسيا وفقهياً وفكرياً، على أيٍّ من استراتيجياتها او مواقفها، بما في ذلك اختياراتها وانعطافاتها التاريخية الكبرى، مثل التحالف مع مايو والانقلاب على الديمقراطية الثالثة وما أعقبته من ممارسات.  ثم قرر الأفندي، بثبات وثقة مطلقة لا يُحسد عليها، أن الشيخ الترابي كان هو الوحيد الذي بوسعه ان يعرض نسقاً فقهياً، أو ينشر حبلاً فكرياً يمكن ان تعلق عليه الحركة فعائلها، كونه المصدر الوحيد للرؤية الكاملة. كتب صاحبنا يعرض حجته على هذه المزاعم المروّعة: "وقد ظهر هذا جلياً عندما غُيّب الترابي مؤقتاً بعد الاعتداء الذي تعرض له في كندا صيف العام 1992، حيث اكتشف الجميع ألا أحد سواه كان على علم بوجهة السفينة او خارطة الطريق"!

ولو صحّ ما أذاعه أفندينا، فإن حبيبنا المحبوب بن عبد السلام يصبح أهلاً لوسامٍ رفيع كونه خرق عين الشيطان، ثم ركله في بطنه، عندما خرج على أهل حزبه شاهراً وثيقته النقدية الذاتية ذات الصفحات الخمسين، منادياً بالمراجعة والمدافعة (لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ..). صحيح أن المحبوب خرج متأخراً، بعد أن احترقت روما واختربت مالطا، ولكنه ما يزال في خير حال، إذ ان له مندوحة في قول الفرنجة (أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي)!

أما شيخنا الترابي فإن حيرتنا من أمره لا تكاد تدانيها حيرة، نحن الذين سلخنا أنضر سني عمرنا مبهورين منظورين، نعبُّ ونتملّى عذيب لوذعياته الأخّاذة، المنقوعة في نبيذ السخرية الشنعاء، وهو يفري (أحزاب الأسياد)، ويقلي حشود تابعيها بإحسان وبغير احسان. كان الشيخ عهدذاك يدغدغ مسامعنا بعباراته المنتقاة، المحلاّة بمنغّم الضحكات، من شاكلة: (ما هذه الأحزاب التقليدية؟ المال في جيب رئيس الحزب، والفكر في رأس رئيس الحزب)؟ وما لبث الشيخ سادراً في غيّه ذاك، حتي ثار عليه حواريوه فأنزلوه من صياصيه، وأخذوا المال من جيبه، وتركوا الفكر في رأسه. ثم ها هو حبيبنا المحبوب ينشب أظفاره في فرو رأسه ويسائله عن فكره سؤال الملكين!

وصاحب الوثيقة كما سنرى لا يكتف بتوجيه النقد الحازم والصارم الى شيخه ويطالبه بالتوفر على نقد الذات، ثم التنحي والاعتزال وإفساح المجال للأجيال الجديدة، كما هي سنة الله الماضية. بل أنه يؤسس ويؤطر لمراجعة شاملة تطال المشكل من القضايا في سكك العمل العام، وعلى رأسها جمود التنظيم وتكلسه، وتمحور الحزب حول شخصية القائد، وعوار الأعلام، واقتصاديات التمويل، والعلاقات الخارجية، والثقافة والأفكار. وبرغم أنه آثر ان يبقي داخل كيانه السياسي المبتلى بهذه العلل المستوطنة، شأن نظائره من الكيانات السياسية الاخرى التقليدية والحديثة، وأن يباشر تكليف المدافعة الاصلاحية من داخله، برغم الداء والأنواء، إلا أنني أراه أكثر جرأة وبسالة وصدقية من أضرابه الاسلامويين  الناهضين في دروب الاصلاح.

ومن هؤلاء رجالٌ ذوي بأس وعزم، نعرف لهم أقدارهم، ونثمّن دعواهم لأصحاب كل تجربة أن يشرعوا في نقد تجربتهم. ولكننا - في الحق - لم نر من حصائد غلّتهم الا الأوراق والمشروعات السياسية المبهمة، تلك لا تكاد تستبين نسبتها الى أبٍ وأم معروفين، ولا أثر فيها للتأسيس الفكري ومراجعة المسارات والخطى، ولا ذكر لمسئوليات الديون الفكرية والاخلاقية المتراكمة على كواهلهم في حسابات المصارف الاسلاموية. من هؤلاء من شارك الترابي ووقف بحذائه، وآزره في التنظير والتدبير خلال اكثر سني العشرية الاولى جموحاً وجنوحاً وافتئاتاً على الحريات والحقوق.

نقول بأن رؤي المحبوب وأداته في المراجعة والنقد الذاتي تبدو لنا ثاقبة، تسير وفق منهج قويم. وسنعود عبر حلقات قادمة من هذه السلسلة لنبدأ من خط البداية نتابع المسار منذ ستينات القرن الماضي، كما فصلتها الوثيقة تفصيلا.  بيد أننا نود أن نؤکد هنا على حقيقة مركزية وهي أن كل تقويم راشد لأداء الحركة الاسلاموية، خلال الحقبة الانقاذوية ربع القرنية، لا بد له من ان يطال الرؤية النظرية والخطة العملية التي حكمت العشرية الاولى كما طرحها وتبناها فيلسوف الحركة وعرابها وقائدها التنفيذي الشيخ الترابي. والثابت في تاريخنا المرصود أن الشيخ هو من روج لنظرية اعادة صياغة الخارطة السياسية السودانية، واعادة هيكلة الأبنية الطبقية فوق ركام الأنساق الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها السودان حتى العام 1989.

وقد كان الترابي، وليس غيره، هو من أتى بفكرة وصيغة ومسمى المؤتمر الوطني،  التنظيم الفرد، وطرحه كبديل يُعاد في ضوئه وعلى هداه تأسيس الحياة السياسية في السودان. وكان هو، وليس غيره، من زعم أن عجلة التاريخ الدائرى الذي عرفته بلادنا قد توقفت الى الأبد، بعد ان آبت الامة الى سبيل الرشاد الاسلاموي من بعد ضلال. ولم يكن قد جاراه في زعم كهذا الا فرانسيس فوكوياما الذي قال بأن حركة تطور التاريخ قد آذنت بانتهاء بعد ان ثاب العالم الى يقين الرأسمالية!
وما زال ليلنا مع وثيقة المحبوب طفلاً يحبو!

نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)