غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

من الآن فصاعداً سيرتبط اسم القيادي الاسلاموي الدكتور محمد محي الدين الجميعابي في ذهني بعبارة (تسليم وتسلم). وذلك مع ان هناك أشياء اخرى صرت أعرفها عن الرجل، ربما جاز ان أربط بها اسمه في ذهني أيضا. من ذلك ما قرأته لرصيفه الاسلاموي الآخر، الاستاذ عبد المحمود نور الدائم الكرنكي، في سلسلة نشرها قبل عامين عن ذكريات الطلب بجامعة الخرطوم في سبعينات القرن الماضي. إذ قال عن الجميعابي أنه كان عهدذاك فتىً بهي الطلعة شديد الوسامة،وأن بعض الطالبات من فتيات المعسكر الاسلاموي افتتنّ به الى درجة أن احدي الطالبات الاسلامويات مدت يدها وسرقت صورته الفوتوغرافية من قلب احدي ملصقات الدعاية الانتخابية لمرشحي اتحاد الطلاب،ثم اودعت الصورة في حقيبة يدها الخاصة!
ولكنني بعد ان رأيت صورة صاحبنا الفوتوغرافية الراهنة، منشورة في صحيفة (اليوم التالي) التي أجرت معه حوارا قبيل أيام قلائل، أدركت أن الزمان قد صال صولته ثم دار دورته. ولا ضير، فلا بد أن تلك الطالبة التي جُنّت به فسرقت صورته، قد أصبحت هي ايضاً جدة تلاعب أحفادها. ما علينا!
قرأت اسم الجميعابي مرتبطاً بعبارة (تسليم وتسلم) التي رسخت في ذهني، في كتاب صدر قبل سنوات بعنوان (الترابي والإنقاذ: صراع الهوية والهوى) للدكتور عبد الرحيم عمر محي الدين. في ذلك الكتاب يذكر المؤلف أن الجميعابي كان أميناً للمؤتمر الوطني بولاية الخرطوم، وأنه لسبب ما غادر منصبه السياسي ذاك. ثم أختار الدكتور عبد الرحيم دون غيره وقرر ان (يسلمه) ذلك المنصب. وقد نشر الاخير ضمن صفحات الكتاب وثيقة (تسليم وتسلم) منصب امين المؤتمر الوطني بالعاصمة القومية تحت توقيع الجميعابي. وقد بدا لي الأمر عندما مطالعتي للوثيقة، وكأنه أمر صالون حلاقة يقوم صاحبه بجرده وتسليمه الى الحلاق الجديد!
غير أن الجميعابي عاد الى سيرة (التسليم والتسلم) مرة أخرى في حواره الذي نشرته الصحيفة المذكورة مؤخراً. ولكنه هنا لا يتطرق لتسليم وتسلم منصب يشغله هو، وانما يتحدث عن (تسليم وتسلم) منصب يشغله السيد رئيس الجمهورية. أعني رئيسنا المشير عمر البشير شخصياً.وقد قدم لنا الرجل بعض الحيثيات حول نوايا الرئيس واستعداداته لانجاز مهمة التسليم والتسليم في المستقبل المنظور. وقد وجدت في تلك الحيثيات ما يلفت النظر.
نشرت الصحيفة الحوار تحت العنوان العريض التالي: (الرئيس قال لي: "البلد دي انا حأنضفها ثم اسلمها الرئيس الذي سيأتي من بعدي"). ثم وفي بطن الحوار سُئل القيادي الاسلاموي عن تاريخ اللقاء الذي تم بينه وبين بين الرئيس البشير، فأجاب أنه التقاه قبيل حوالي ثلاثة أسابيع. وحول مجري ذلك اللقاء جاء على لسان الجميعابي:"تحدّثت معه ووعدني بتغيير كبير جداً، يطال كثيرا من مراكز القوى والسياسات. وقال لي: 'أنا خلال هذا العام البلد دي بنضّفها'، وقال لي أيضاً: 'الرئيس القادم بعدي بسلّمه بلد مرتّب وجاهز للانطلاق".
نفهم إذن من حديث الرئيس انالبلد حالياً (وسخانة) و(غير مرتبة) و(غير جاهزة للانطلاق)، وأنها تحتاج الى (نضافة)، وأن عملية التسليم والتسلم للرئيس الجديد ستتم بعد اكتمال عمليات التنظيف لا قبلها. ثم أن كلمات الرئيسالتي نقلها الدكتور الجميعابي تشف، بل انها تقول صراحةً، أن هناك (مراكز قوى) حان قطافها.
مرت فترة كافية على نشر هذه التصريحات ولم نسمع ان صحيفة (اليوم التالي) قد تم ايقافها، كما لم نقرأ نفياً او تعديلاً او تعقيباً من رئاسة الجمهورية. ولكن الذي يقرأ الحوار في مجمله لا بد ان يلاحظ ان حلق الجميعابي يمتلئ بمرارة وحموضة تنضح بها فقرات الحوار من اوله الى آخره، تجاه القوى الاسلاموية التي تسيدت الساحة وأمسكت بأعنّة السلطة على مدار ربع القرن الماضي، ولكنها عزلت الرجل وهمشته وقزمته، برغم سابقته في تشييد كيان الحركة الاسلامية، فانتهى به الحال مديراً لمنظمة لرعاية الاطفال اليتامى (وهو عمل جليل على أية حال).
ولذلك كله خطر لي ان الجميعابي ربما تطوع فأضاف من فيض اشواقه الذاتية الى حديث الرئيس، من منطلق حالة ذهنية رغائبيةتتوق الى اجراءات تغييرية اكثر راديكالية، على مستوى اقتلاع (أشخاص) بأعيانهم من مراكز السلطة والقيادة، وإعادة تمكين الفاقد السياسي الاسلاموي الذي طالت اقامته في ظلال النسيان. (الفاقد السياسي مصطلح يطلق على الاسلامويين الذين جرى تعيينهم في مناصب دستورية رفيعة في مراحل مختلفة، ثم جرى اعفاؤهم والتخلي عنهم لسنوات طويلة).
أما لو صدق الجميعابي في كل كلمة نسبها الى السيد رئيس الجمهورية، وهي من المرات القليلة التي يتمنى فيها المرء الا يكون الآخرون صادقين، فإن حالنا سيغني عن السؤال. أنا شخصياً أكاد أحس عند استرجاعي وصف السيد الرئيس لصورة بلادنا، من حيث حاجتها الى (النظافة) قبل تسليمها الى رئيس جديد، بأن حالي يكاديشابه والى حد كبير حال ذلك المواطن الشاكي الذي شرح لكاتب العرضحالات مظلمته، فأخلص العرضحالجي وأبدع في كتابة المظلمة. وقيل أنه لما فرغ ثم قرأ المظلمة التي صاغها على المواطن الشاكي، فإن الأخير أجهش بالبكاء، ولما سُئل عن سبب بكائه أجاب: "والله الحقيقة انا فعلاً مظلوم. بس ما كنت عارف نفسي مظلوم قدر ده".
وأنا بدوري كنت أعلم ان بلادي بحاجة الى (نضافة)، بيد أنني لم أعلم أنها بحاجة الى (نضافة) قدر ده!
جاء في الأثر عن رسولنا الأعظم: النظافة من الإيمان.

نقلا عن صحيفة (الرأي العام)