غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بعد ان دخل نظام مايو الغابر عصر اللوثة، عقب اعلان القوانين السبتمبرية، واستغرق الرئيس السابق المرحوم جعفر نميري في دور إمام المسلمين وأمير المؤمنين، بفترة قصيرة، تقرر ان يسافر الرئيس الى الصين على رأس وفد كبير في مهمة ذات طابع اقتصادي. أعدت رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية برنامج وأجندة الزيارة، ورقّمتها بالأرقام من واحد الى ثمانية، ثم رفعتها الى الرئيس الذي اعتمر قلنسوة الإمامة.

اطلع النميري على المذكرة التحضيرية ونظر الى الاجندة. ثم حمل قلمه الفاخر، وبخطه الجميل القوي اضاف نقطة على رأس الاجندة، على اساس أن تكون تلك النقطة هي البند رقم واحد، فتسبق بقية البنود الاخرى التي حملتها المذكرة. كتب الرئيس الراحل العبارة التالية: (يُعرض عليهم الاسلام). يعني ان يكون أول شئ في بند المفاوضات، وعلى رأس الأجندة، هو ان يعرض الرئيس ووفده السوداني الاسلام على القيادة الصينية!

ما شاء الله. تبارك الله. ماذا يا ترى اعتمل في عقل الرجل وهو يفكر في عرض الاسلام على الصين؟ هل خطر بذهنه أن الصين ربما سمعت كلامه وقبلت دعوته ثم بايعته إماماً، وهكذا يجتمع على بيعته الشيوعيون الصينيون والاسلامويون السودانيون؟ لا ادري!

سافر الرئيس ووفده بالفعل الى الصين، ثم عادوا جميعا سالمين الى ارض الوطن. فاتني وقتها ان اسأل أياً من اعضاء الوفد ما اذا كانوا قد عرضوا الاسلام بالفعل على الجانب الصيني، وعن ردة فعل أهل ياجوج وماجوج من ذوي العيون الصغيرة، ثم نسيت الأمر كلياً. وقد عاد الفضول يتلبسني مؤخراً ويلح علىّ بأثر رجعي. لذا فإنني ارجو من اى من الاخوة الذين رافقوا الرئيس السابق، واغلبهم على قيد الحياة، أن يتفضل مشكوراً فيفيدني عن حقيقة ما جرى.

ولكن ما الذي أعاد تلك القصة القديمة الى ذاكرتي فجأة وعلى حين غرة، وبعد كل هذه السنوات؟ الحقيقة أنني تذكرت دعوة النميري الصينيين للاسلام عندما قرأت خبراً مدهشاً نشرته بعض الصحف الامريكية، ثم اذاعته القناة الرابعة البريطانية مؤخراً. الخبر يتعلق بمهندس  هجمات سبتمبر 2002 على برجي التجارة العالميين، خالد شيخ محمد، المعتقل في سجن غوانتانامو، والذي يواجه قضاته الامريكيين هذه الايام، وتتوقع المصادر القانونية ان يصدر عليه حكم الاعدام قريبا.

يقول الخبر أن المتهم خالد شيخ محمد كتب بياناً من ست وثلاثين صفحة، رفع القاضي العسكري الامريكي جيمس بول صفة السرية عنه وسمح بنشره وتعميمه. اعلن خالد في بيانه تحوله من موقفه السابق، وأكد أن الاسلام يحرم استخدام العنف لنشر رسالة الاسلام. واضاف:"إن القرآن الكريم ينهانا عن استخدام القوة لنشر الدعوة".

ثم وفي لغة درامية عالية سطر مهندس الهجمات الوحشية، التي قتلت ما يقرب من أربعة آلاف مواطن امريكي، من بينهم مئات المسلمين، بعض عبارات وجدتها لافتة للنظر، دعا فيها اعضاء هيئة المحكمة وممثلى الادعاء والسجانين الى الدخول في الاسلام. ومن بديع ما كتب صاحبنا في بيانه الدعوي المطول: (واجبي الديني يفرض علىّ ان ادعوكم الى الاسلام. أدرك جيداً أنكم قد سمعتم عن هذا الدين، ولا بد انكم تعرفون عنه الكثير. واعتقد ان الله سبحانه وتعالي سيحاسبني ويسألني ان انا قصرت في دعوتكم الى الدين الحق)!

كان خالد شيخ محمد قد ظهر في برنامج 'سري جدا' للاعلامي يسري فودة بقناة الجزيرة عام 2003 ، ومعه اليمني رمزي بين الشيبة، المشارك في التخطيط لتلك الجريمة الشنعاء. تفاخر الرجل بأنه ليس المسئول فقط عن (غزوة) نيويورك، بل انه المسئول ايضا عن 29 عملية اخرى، منها الهجمات على مبنى ساعة بيغ بن ومطار هيثرو في لندن، وتفجير طائرة ركاب فوق المحيط الاطلسي، وتفجير ملهى ليلي في جزيرة بالي الاندونيسية.

انظروا الى رجل يقتل حشود الابرياء باسم الاسلام دون ان يطرف له جفن، ثم يعود - وسيف الاعدام مسلط على رقبته - ليدعو أولياء الضحايا وذويهم للدخول في ذات الدين. أدهشني أنه لم يجد في نفسه حرجاً من ان يقول: (أن الله سيحاسبني إن انا قصرت في دعوتكم الى دين الحق)! 

لا يا سيدي، ما قصرت. عداك العيب. ولكن مبتغاك بعيد المنال. لم يستجب الشيوعيون الصينيون لدعوة النميري لهم للدخول في الاسلام، مع أن يد النميري نظيفة من دماء اهل الصين، فكيف يستجيب قضاة غوانتانامو وممثلو الادعاء، والسجانون غلاظ الأكباد لدعوة مخبول مثلك، وكلتا يديك ملطختان بدماء آلاف الأبرياء من بني جلدتهم؟

نقلا عن صحيفة (الرأى العام)