غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يبدو لي أن الفريق سلفا كير ميارديت، الذي  تدعمه في حربه المعلنة ضد خصومه معطيات وحقائق حواسم، في مقدمتها أنه الرئيس الشرعي للدولة وللحركة الشعبية الحاكمة، سيكون هو الضاحك الأخير في مسلسل الصراع الجنوبي الجنوبي. ومهما يكن من أمر فإن الأيام الكوالح والليالي المدلهمّات الحُبالى سيأتيننا بالخبر اليقين، فتصدق رؤانا او تكذبها!
الذين يعرفون المسارات التاريخية لصراعات الجنوب يدركون ان خصم سلفا كير الأول، رياك مشار، قد وضع نفسه، كما وضع التحالفات التي عقدها بأمل القضاء على الرئيس الشرعي في المحك. أقوى الشخصيات في تحالف مشار الهش هو بيتر غاديت، وغاديت في مبتدأ الأمر ومنتهاه لورد من لوردات الحرب. ومن عجب أنه قضي جانباً مقدراً من حياته وتاريخه كمقاتل يحارب ويطارد رياك مشار نفسه في الأحراش لصالح الآخرين. ثم أنه لم يعد خافياً أو عصيّاً على الفهم أن مشار ربما كان القائد الرمزي او الإسمي لهذا التحالف، ولكنه بالقطع واليقين ليس القائد الحقيقي الذي يأمر فيُطاع. وهو، أي مشار، يدرك تماماً أنه غير قادر عملياً على فرض اتفاق لوقف اطلاق النار، على سبيل المثال، بدون مباركة وتعضيد اللورد بيتر غاديت.
كما ان حلف مشار السياسي يفتقر الى التماسك الاستراتيجي والايديولوجي، فهو اكثر هشاشة من حلفه العسكري. العالم كله يعرف أن باقان أموم ودينق ألور وتعبان دينق جمعتهم في معسكر مشار كراهية سلفا، لا حب غريمه والايمان بعدالة قضيته. والتاريخ يعلمنا أن أحلاف الكراهية، في غياب القواسم المشتركة، سرعان ما تنقض غزلها.
ووفقاً لأفضل التحليلات فأن سلفا كير يسعي بخطى وئيدة ولكن بثبات نحو الخطوة التالية، وهي طرد خصمه الرئيسي من عضوية الحركة الشعبية. وقد يفتح ذلك الباب أمام الاخير لإنشاء حزب جديد، ولكن الحقائق الشاخصة تقول أن سلفا كير وحركته الشعبية يسيطرون واقعياً، ويضعون أيديهم فعلياً، على مجمل الموارد المالية واللوجيستية التي لا مجال للعمل السياسي في الدولة الوليدة بدونها. مما يعني ان فرص مشار في التنافس والتعبئة والتجييش السياسي تكاد تقترب من الصفر.
ولا جدال في أن سلفا كير يجابه بدوره تحديات جبارة، حيث يتعين عليه الحصول على اجابات لعديد من الأسئلة الصعبة، في مقدمتها: كيف يمكن الاستمرار في الاحتفاظ بدعم العناصر المؤثرة من القيادات والكادرات المنتمية لقبيلة النوير في معسكره، والحؤول دون حدوث مزيد من الانشقاقات في صفوف منسوبي النوير داخل حكومته؟ ثم: كيف تتم معالجة قضية التدخل اليوغندي والدور السياسي والعسكري الغائر الذي اصبح نظام يوري موسيفيني يلعبه في جنوب السودان، على نحوٍ يوازن بين الضرورات البراغماتية والمحظورات الاخلاقية والمبدئية. وهي المعادلة القائمة التي تضع حاجة سلفا الملحة الى الدعم اليوغندي في كفة، واستقلالية وكرامة القرار الجنوبي وسيادته في كفة اخرى.
كما أن كير يدرك في ذات الوقت انه سيتعين عليه، في الحاضر او المستقبل القريب، أن يواجه استحقاقات السلام وتنازلات التسوية. اذ انه بغير ذلك الثمن سيصعب كثيراً تأمين صناعة النفط، التي هي العمود الفقري لاقتصاد الجنوب، والمورد الاساسي الذي لا غني عنه لمقابلة التزامات ادارة الدولة (وادارة الحرب ايضا، طالما ان اشعال الحروب والاقتتال القبلي وذبح أبناء القبائل المناوئة من الوريد الى الوريد، اصبح عند زعماء الدولة الجديدة أسهل من إلقاء تحية)!
هذا عن اهل الجنوب المتناحرين، فماذا بشأننا نحن أبناء الشمال المتحيّرين؟ بغير تسوية جنوبيه/جنوبية مخدومة داخلياً ومدعومة اقليمياً ودولياً، تدخل البيوت من أبوابها وترد الأمور الى نصابها، فإن الشمال لا يفقد فقط جزءاً عزيزاً من مداخيل خدمات نقل النفط عبر الأراضي السودانية، كما هو في علم الكافة. بل أنه يفقد أيضاً مدفوعات أقساط استحقاقات الترتيبات المالية الانتقالية المتوقعة من حكومة الجنوب، بموجب اتفاقيات سبتمبر 2012 الثمانية الموقعة بين البشير وسلفا كير، والتي غطت كل جوانب العلاقات بين البلدين بما فيها حقوق المعاشيين. ويفوق حجم هذه الاستحقاقات ثلاثة مليارات وربع المليار من الدولارات على مدى ثلاث سنوات.
كما أنه كان من المفترض، وفقاً لمقتضى اتفاقات سابقة مع حكومة الشمال، ان تشرع حكومة الجنوب ابتداء من هذا العام في الوفاء بالتزاماتها تجاه المشاركة في تسديد ديون السودان الخارجية. وهو بحسب المؤشرات الشاخصة على مستوى النظر أمرٌ ليس هناك ما يطمئننا أنه سيجد طريقه الى التنفيذ قبل ان (يهنّق) حمار الوادي!
الصراع الجنوبي الجنوبي لا يمتحن السودان في اقتصاده وحسب. بل يمتحنه في أعز ما يملك، وهو أمنه القومي. إذ ان ولوج الدولة الجنوبية الجديدة الى قائمة الدول المتفككة والمتحللة في المنطقة، او على الاقل تلك التي اخفقت حكوماتها في فرض سلطتها المركزية على مجمل أراضيها، مثل ليبيا وأفريقيا الوسطى والكونغو، فضلاً عن شبح التدويل والتدخل الاقليمي، يدفع بالسودان الى مضيق وعر، ويزيد من رهقه ومعاناته السياسية والاقتصادية.
ما يهمنا في هذه اللحظة، والحال كذلك، هو أن يكون ملف هذه الأزمة الشائكة، البالغة التعقيد، في أيدى النابهين المحسنين من ذوي البصيرة النافذة، لا في يد البصيرة أم أحمد!

نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)