غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الصيحة تعلو لتمكين الشباب وازاحة الشيوخ، وذلك شعار من شعارات التغيير والاصلاح. وهي بغير شك دعوة حق اريد بها حق. وقد استجابت العصبة المنقذة مؤخراً للنداء، بارك الله فيها، فعزلت قياداتها التي فعل بها المشيب فعلته، واستبدلتهم بشباب (زي الورد). على سبيل المثال عينت وزيرا للداخلية قيل أنه كان يرضع من ثدي اُمه عندما كان مدير عام الشرطة وقادة الشرطة الحاليون ضباطاً ترصع النجوم اكتافهم و تغني لهم الحسان.

وقد قرأت على الشبكة الدولية مقالاً لضابط شرطة متقاعد يبدي احتجاجه على هذا الوضع الذي رآه شاذاً. ولكنني أميل الى الظن ان الضابط كاتب المقال هذا يعيش خارج التاريخ، ومن المؤكد انه لم يستوعب حقائق واستحقاقات عصر الوثبة الشبابية الانقاذوية. ومع ذلك فإن مقاله حفزني للبحث اليكترونياً عن السيرة الذاتية لوزير الداخلية الشاب الجديد.

وبحمد الله فقد وقعت على ثروة لا بأس بها ابداً من المعلومات. إذ علمت ان الرجل عمل محافظاً لعدد من المدن بغرب السودان، وأنه أبلى بلاءً حسناً وأظهر شجاعة فائقة عندما اقتحم المتمردون تلك المدن. وذلك قبل ان يصبح وزير دولة بوزارتين اتحاديتين.

ثم أنني مضيت قدما فبحثت عن ما عسى ان يكشف عن أي نوع من الصلة بينه وبين وزارة الداخلية واختصاصاتها يفسر اختياره لها، فوقعت على مداخلة في منتدى النيلين الالكتروني، كتبها أحد المشاركين الأفاضل، وهو كما ذكر صديق وزميل دراسة للوزير الجديد. جاء في المداخلة: (الوزير، المهندس عبد الواحد، صديق عزيز وزميل دراسة. تجاورنا على مقاعد الدرس منذ الابتدائية وحتى الجامعة. وقد عرف عنه طيب المعشر وحسن التعامل والتواضع وحب المساكين. وهو يحب الكسرة بأم رقيقة. واختياره لوزارة الداخلية اختيار موفق صادف اهله، حيث انه اكتسب عقلية أمنية وشرطية بحكم أن جارهم كان هو الفريق شرطة ابراهيم احمد عبد الكريم).

وقد ساغ لي بعد ان قرأت ذلك الحديث ووقفت على ذلك المنطق المدهش، الذي كان قد غاب تماماً عن نطاق ادراكي، أن أرفع سيرتي الذاتية لمعالي السيد رئيس الجمهورية، للنظر في امر تعييني وزيراً للعدل او وزيراً للخارجية. حيث انني قبل هجرتي الى الولايات المتحدة كنت جاراً لصيقاً للشيخ الدكتور حسن الترابي  بحى المنشية، وكان منزلي يقع في المربع التالي لمنزله مباشرةً. وقد اكتسبت من مجاورته والاخذ عنه كفاحاً، فضلاً عن تأثير الهواء المشبع بالعلم والفكر الطائر من داره الى داري، عقلية قانونية ودبلوماسية لا مثيل لها.

ثم أنني ومن منطلق اهتمامي بالشباب الزاهر الصاعد في مناصب نظام الانقاذ، نظرت ثم تأملت ملياً في صورة فوتوغرافية نشرتها الصحف أثناء زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر للخرطوم. وفي الصورة يظهر كارتر عقب زيارة للمجلس الوطني، بصحبة رئيس البرلمان الجديد، الشاب المتوثب، والاستاذ مهدي ابراهيم. بيد انني استغربت بعض الشيء اذ لاحظت ان مهدي هو الذي كان يسير بجانب كارتر وليس رئيس البرلمان، كما يقتضي التراتب الدستوري والنظام البروتوكولي.

وقد خطر لي في مورد تفسير ما رأيت، أن مهدي هو من يجيد اللغة الانجليزية، بلكنتيها البريطانية والامريكية. وهو بطبيعة الحال الأقدر على محاورة كارتر (اذكر وانا شافعٌ يافع انه كانت هناك ملصقات في الشوارع تحمل صورة مهدي ابراهيم، وتطلب مساعدة المواطنين في القبض عليه بعد احداث الجزيرة أبا عام 1970. وقد ادهشتني عبارة جاءت في الملصق تقول "يجيد اللغة الانجليزية اجادة تامة". وبرغم صغر سني ادركت غرابة الامر، وتساءلت: كيف يمكن ان تكون هذه المعلومة مفيدة في القبض عليه؟)

كما أنني قرأت بشأن لقاء الرجلين مع الضيف الكبير، أن رئيس البرلمان  الشاب طلب من كارتر ان يتوسط بين السودان والحكومة الامريكية لتحسين العلاقات ورفع العقوبات. واوردت الصحف ان كارتر اجاب بأن هذا ليس مما تسوّغه صفته الحالية كرئيس سابق للولايات المتحدة، ولكنه تلطف فعرض المساعدة بوسائل اخرى. ولا شك عندي في ان الطلب لم يكن موفقاً، ولا ادري لماذا تم نقله الى الصحف أصلاً. ولو كنت في مقام رئيس البرلمان لأخمدت الطلب والرد الكارتري في مهده.

الشاهد اننا انتهينا في شأن أسطورة تمكين الشباب الى واقع جنحت معه الانقاذ الى تعيين صغار السن والتجربة في المواقع القيادية، ثم وجدت نفسها مضطرة في ذات الوقت لإبقاء الشيوخ بين هؤلاء الشباب ومن خلفهم، منعاً لل (عك)، من شاكلة (العك) الذي (عكّه) رئيس البرلمان الشاب الوردي وهو يخاطب جيمي كارتر.

عموماً لا بد من الاعتراف بأن تدريب الشباب وتأهيلهم للحكم له كلفة لا بد من تحملها. وليس من حق قادة الانقاذ أن يتضجروا وهم يدفعون استحقاقات ذلك التدريب والتأهيل. فقد كان اغلبهم شباباً (زي الورد) عندما تولوا السلطة في العام 1989. ويعلم الله حجم ومقدار (العك) الذي (عكّوه) حتى أوصلوا بلادنا، ولله الحمد والمنة، الى مصاف الدول العظمى!

نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)