غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

واضح ان هناك قطاعات واسعة من الناس كانت تأمل وتتمنى في قرارات نفوسها أن ينزاح اللغط الذي دار خلال الاسبوعين الماضيين حول السفير الامريكي المستقيل جوزيف استانفورد عن خبر يؤكد دخوله في دين الله، وتسبيحه بحمده، واستغفاره اياه، إنه كان توابا. وواضح أيضا ان هذه القطاعات اصيبت بخيبة أمل فادحة عندما انزاح الغموض الذي أحاط  بأمر ستانفورد عن تصريح قطعي من جانبه أنه لم يعتنق الاسلام، وانه فقط يحترمه.
وقد سمعت احدى سيدات مينيسوتا الفضليات تقول، بعد ان بلغها الخبر، والغصة في حلقها: " احترامو طاير عليهو، هو الاسلام ناقص احترام"؟ وقد ذكّرني تعليقها رواية منسوبة لشيخ العرب أبوسن. إذ قيل ان بعض المداحين وصلوا رفاعة، فالتقاهم وسألهم عن كنههم، فأجاب أحدهم: "نحن خدامين جنابو". فسأل: "جنابو منو، تقصدوا مفتش المركز"؟ فجاء الرد: " لا يا أبونا الشيخ. نحن مداحين، بنمدح جناب الرسول". فرد شيخ العرب: " تمدحوا الرسول؟ الرسول قبل كده في زول نبّذه؟ الرسول مدحو ربو". ثم أمرهم بأن يلتحقوا بأعمال الزراعة.
خيبة الأمل في اسلام ستانفورد على النطاق السوداني، تشبه الى حد ما خيبة الأمل التي سادت على مستوى العالم الاسلامي بأسره عندما (تلكلك) و(زمزغ) الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي، الذي كان قد اعلن اسلامه عام 1982، بيد أنه عاد فصرح بأنه (أقبل على الاسلام) فقط ولكنه لم يعتنقه، وأنه لم يتخل عن (جوهر المسيحية ولُب الماركسية). وعبّر عن آراء شاذه كفّره بمقتضاها علماء السعودية وردّوه على عقبيه.
بيد أنني أدعو أولئك الذين خاب أملهم في ستانفورد الا يبتئسوا ولا يحزنوا. وأذكّرهم أننا سجلنا بالفعل اصابة اسلامية نظيفة في ملعب السفارة الامريكية بالخرطوم في تسعينات القرن الماضي. وذلك عندما أعلن نائب السفير الدكتور لوسيان فاندربروك اسلامه على يد الشيخ الدكتور الفاتح قريب الله. وكان الدبلوماسي لوسيان فاندربروك يتوضأ ويصلي في مكتبه بالسفارة مع الموظفين السودانيين. وقد تزوج لوسيان، الذي لم يكتف ب (الإقبال على الاسلام) كما فعل الفرنسي غارودي بل اعتنقه كلياً، من سودانية فاضلة تعرف عليها عن طريق صديقتها الموظفة ديانا هاندل، التي عملت بالسفارة لفترة قصيرة، صادقت خلالها بعض السودانيات، من بينهن تلك التي اقترنت بصاحبنا. وقد غادر فاندربروك السودان بعد ذلك – مصطحباً زوجته - عائداً الى الولايات المتحدة، حيث عمل محاضراً في الدراسات الاستراتيجية بكلية ويست بوينت العسكرية الشهيرة.
وقبل فترة قصيرة اعلن قنصل افريقيا الوسطى اسلامه. ولكن أحداً لم يأبه له. ويبدو اننا ننفعل فقط بأخبار من يدخلون في دين الله من منسوبي الدول العظمى صاحبة العضوية الدائمة في مجلس الامن. الغريب ان هذا القنصل عاد الى بلاده وتزعم حركة مسلحة، أوصلته الى منصب نائب الرئيس ثم رئيس الجمهورية. وربما أبتغى القنصل الذي أسلم عندنا ان يقيم دولة اسلامية في افريقيا الوسطى، بالرغم من ان تعداد المسلمين هناك لا يتعدى 15% من عدد السكان. ولكن فرنسا تدخلت فأقصته عن سدة الحكم.
وقد تنبهت اثناء وجودي خارج السودان الى اولئك الأحباب الذين يقومون بمجهودات فردية خارقة لإدخال الآخرين في الاسلام. من بين هؤلاء صديقي الدكتور احمد صالح ابو اليمن، أحد العلماء البارزين في مجال الكيمياء الصناعية بالولايات المتحدة. ويخصص الدكتور ابو اليمن جزءاً كبيراً وقته للتبشير بالاسلام داخل السجون الامريكية، ومن بينها سجن ستيل ووتر الشهير، الذي يضم بين جنباته عتاة المجرمين. وقد دخل الاسلام على يديه عدد مقدر. كما أذكر جيداً أنني في زيارة لحبيبنا الدكتور كمال أبوسن، بمنزله بمدينة بورتسماوث البريطانية قبل عدة سنوات، رأيت عنده سيدة كرواتية شرح الدكتور ابوسن صدرها للاسلام عبر محاولات متصلة، فدخلته على يديه.
وقد حاولت ذات مرة أن أحذو حذو هؤلاء الأفاضل وأترسم خطاهم، فتخيرت جاري العزيز برايان شولتز، ودخلت معه في مناقشة مطولة. وفي النهاية قمت بتلخيص مجريات مناقشتنا فقلت بكل فخر: "يبدو من كل ما قلناه ان المسيحية والاسلام متشابهان في اشياء كثيرة جدا، وان الاختلاف بينهما طفيف للغاية، فلماذا لا تتحول الى الاسلام"؟ وهنا مد حبيبنا برايان يده الى المشروب الذي أمامه و(قرطعه) بمزاج، ثم قال لي: "أوكي ماي فريند. بنفس المنطق لماذا لا تتحول انت الى المسيحية"؟
وهنا أدركت أن الأمر أعقد بكثير مما ظننت. ورأيت من الخير لي ان اقلع عن مثل هذه المحاولات المُهلكة التي لا املك ادواتها، وأن أترك عيش الدعوة لخبازيه!

نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)