غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
----------------------------------
منذ بدأت أشاهد القنوات السودانية عبر طبق فضائي خاص، وأنا أجد نفسي في حيرة شديدة كلما شاهدت واستمعت الى نشرات الاخبار.

من مثال ما أسمع ويثير عندي الحيرة قول المذيع: (صرح وزير التجارة الخارجية ..). فأسأل هل في السودان وزير للتجارة الداخلية؟ فتجئ الاجابة بالنفي، وانما هناك وزارة واحدة للتجارة، عليها وزير واحد تقع التجارة الداخلية والخارجية معاً في نطاق اختصاصه. ولكن ولأمر ما استعصى عليّ فهمه فإن التلفزيون، وبعض الصحف، يعرفونه على انه "وزير التجارة الخارجية". شئ عجيب والله.

وفي السودان قيل للناس ان وزارة الاستثمار قد تم الغاؤها، واستعيض عنها بكيان جديد يُسمى المجلس الاعلى للاستثمار. عاشت الأسامي. ولكنني اسمع في نشرات الاخبار (الدكتور مصطفى عثمان وزير الاستثمار). فكيف اُلغيت الوزارة وبقى الوزير؟! أم ترانا في السودان أصبحنا نسير على خطى أحبابنا في شمال الوادي؟ في المحروسة تسمعهم يقولون: الوزير المستشار فلان. او الوزير المحافظ فلتكان، وتجده محافظاً لإحدي المحافظات الطرفية. وبعض هؤلاء تنص قرارات تعيينهم، لاسباب مختلفة، على تمتعهم بمخصصات ومعاشات الوزير. ومعلوم ان المخصصات شئ، وتولى المنصب الوزاري الدستوري واستخدام اللقب قانوناً شئ آخر. أفهم ان يتم استخدام ألقاب مثل 'سعادة الوزير' و'الباشا' و'البيه' على المستوى الاجتماعي. ولكن تلفزيون الحكومة الرسمي الذي يعبر عن الدولة وينطق باسمها يتعين عليه ان يتحرى الاصول ويرعى القواعد والمقتضيات الرسمية.

غير أن الذي يحيرني حقاً وانا استمع الى نشرات تلفزيون دولة الانقاذ، أدام الله عزّها، هو لقب (السيدة الاولى) الذي تردده القناة الرسمية في نشرات اخبارها، في وصف السيدة الفضلى الزوجة الثانية للسيد رئيس الجمهورية. حيث كثيرا ما اسمع عبارات: (استقبلت السيدة الاولى .. ) و(ودّعت السيدة الاولى) و(صرحت السيدة الاولى).

وأنا اعلم ان هذا الموضوع ربما يكون على درجة من الحساسية، أو كما يقول الفرنجة (تَتْشِي) بعض الشئ، من حيث انه يحمل شبهة التدخل في خصوصيات الناس. وقد نهاني والدي، رحمه الله، عن التدخل في خصوصيات الناس، لا سيما إن كانوا رؤساء جمهوريات. ولكنني في ذات الوقت على ثقة من أن السيد الرئيس يعلم يقيناً أنني انطلق من موقع الحرص والمعاضدة، لا موقع الخبث والمكايدة.  ويعرف أن ولائي وحبي له يوازي، أن لم يزد على ولائي وحبي لخالي النائب الاول.

السيد الرئيس متزوج من سيدتين. السيدة الفضلى الاولى فاطمة، التي رأيتها واستمعت اليها تتحدث في التلفاز عدة مرات، فشعرت تجاهها بوشيجة خاصة، كونها تحمل نفس اسم أُمي، كما أنها في ذات الوقت تحمل قدراً كبيراً من ملامحها. ثم السيدة  الفضلى الثانية وداد، التي شاهدت صورها أيضاً واستمعت اليها، فوجدت عندها صفتي اللباقة وحسن الحديث (ولكنني لا احس تجاهها بأى وشيجة خاصة، بخلاف وشيجة الوطن العامة التي تربطني بملايين السودانيات).

بيد أن السؤال الذي ظل ينقر على رأسي كالمطارق هو: كيف اصبحت الثانية فجأة أولى، فصارت (السيدة الاولى)؟ أحساب هو أم كوار؟! وقد خطر لي وأنا أقلب الأمر في رأسي انه اذا لم يكن هناك بد من هذا اللقب فعلى الأقل كان ينبغي ان يُقال عن السيدة وداد (الاولي مشترك). كما هو الحال في مدارسنا عندما ينال أعلى الدرجات طالبين او طالبتين في ذات الوقت، فتمنح احداهما صفة (الاولى)، ثم يطلق على الثانية (الاولى مشترك).  أما خلط النتائج على هذا النحو الذي رأيته في تلفاز الحكومة فمما لا يجوز.

وبما أن مرجعيتنا الاسلامية واضحة في ضرورة العدل بين الزوجات، فإنني أرى أن اجهزتنا الاعلامية مطالبة بضرورة الاستدراك، على نحو يبرئ رئيسنا المفدى ويحصّنه من شبهة الوقوع تحت طائلة الآية 129 من سورة النساء. وفي ظني أن مبادرة اطلاق اللقب انما هي اجتهاد من تلك الاجهزة التي ربما رأت في كثافة النشاط الاجتماعي للسيدة  الاولي (مشترك) ما يجعلها أهلاً للتمييز، دون التفات الى المحاذير التي تحيط بمثل هذا النوع من الاجتهادات.

واصحاب ذلك الاجتهاد ليسوا في نهاية المطاف سوى مقلدين. قلدوا الفرنجة، ودولة عربية واحدة، يطلق اعلامها لقب السيدة الاولى على زوجات الرؤساء. وهو اجتهاد لا حاجة لنا به في السودان، حيث تعلمنا عقيدتنا أننا جميعاً، رجالاً و(نسوان)، سواسية كأسنان المشط!

بيني وبين القارئ
كان من المفترض ان تنشر هذه المادة ضمن زاويتي الراتبة (غربا باتجاه الشرق) بصحيفة (الرأي العام) عدد الثلاثاء 04 فبراير، ألا ان ادارة الصحيفة اعتذرت عن نشرها لا عتبارات قدّرتها.