غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
-----------------------------
استثارت في نفسي خطبة رئيسنا المفدى عمر البشير أمام الجمع بقاعة الصداقة الاسبوع الماضي، تلك التي هاج في أمرها الناس وماجوا،  كوامن الماضي الغابر. وربما كانت هذه هي المرة الاولى التي أرى الخلق فيها متزاحمين، يسألون سؤالاً يتيماً واحداً: من الذي كتب الخطاب الذي ألقاه البشير؟ وهو السؤال الذي تواتر على الألسن، حتي كاد ينافس السؤال التقليدي الشهير المتداول في الولايات المتحدة: "من الذي قتل كينيدي"؟
وقد قرأت من بين أسماء المتهمين (أقصد الكاتبين المحتملين) اسم الاستاذ سيد الخطيب. تذكرت أن ابن الباز كان قد ذكر لي ان الخطيب سيكون من بين كتاب صحيفة 'الرأي العام' في مرحلة (الوثبة) التي وثبها الباز بالصحيفة مؤخراً. ولكني لم أر اسمه بعد ضمن الواثبين. وقد خطر لي أن السبب ربما كان انشغاله بكتابة الخطاب الرئاسي. غير أنني مضيت في التقصي والبحث فعلمت أن اسمى الاستاذين مهدي إبراهيم ود. أمين حسن عمر قد وردا أيضا ضمن أسماء المشتبه فيهم. ولما أعياني الأمر تذكرت الآية الكريمة (واسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون). ثم سارعت الى كيبوردي، فبعثت برسالة اليكترونية الى حبيبنا، فتى شاشة الانقاذ الاول في مرحلة وثبتها الشبابية، الاستاذ يوسف محمد الحسن، مدير مجموعة كومون المتوثبة، اسأله: من الذي كتب الخطاب؟ فأما بقية المراسلات بيني وبين يوسف فإنها من قبيل ما يسميه الفرنجة privileged information لا شأن لك بها، أعزك الله!
ولكن كتابة خطب الرؤساء مما يعنيني ويثير شجوني. ذلك أن لي سهماً وافراً في تلك العوالم. عندما التحقت برئاسة مجلس الوزراء في العام 1980 بعد تخرجي مباشرة والعهد المايوي في اوجه، كانت آليات وطرائق كتابة الخطب الرئاسية في طليعة اهتماماتي. أخبرني من كان قبلي أن عملية كتابة الخطب كانت في المبتدأ شأناً جليلاً يتوفر عليه عدد من الوزراء والقادة السياسيين، يقضون في الكتابة ساعات الليل وأيام العطلات الرسمية في شكل مجموعات. وكانت أفراد طواقم الحراسة والمراسم يطلقون على طقوس كتابة خطاب رئيس الجمهورية (دق الريحة)!
ولكن مهمة كتابة خطاب رئيس الدولة ومسئوليتها في العهد المايوي تدهورت بتدهور النظام وتوالي الدهور عليه. وبعد ان كانت خطب الرئيس يكتبها الوزراء ذوي الوزن الثقيل أمثال مهدي مصطفى الهادي وابوبكر عثمان واحمد عبد الحليم، جار عليها الزمان فتحولت في مرحلة تالية الى موظف حكومي فرد، هو مدير الدائرة السياسية بديوان الرئاسة الدكتور الطاهر عوض الله. والحق أن الرجل لم يكن هيناً ولا ليناً، بل كادراً تنفيذياً وسياسياً متيناً ومثقفاً صلداً، وقد كانت الخطب التي سطرها ذات محتوى وجرس!
ولكنني علمت أن نجم مايو قد آذن بأفول عندما تراجع الأمر وانتهى الى آلية جديدة لكتابة خطب رئيس الجمهورية. فأصبح الامين العام لمجلس الوزراء يشكل لجنة من عدة موظفين لكتابة خطب الرئيس في المناسبات المختلفة. ولما كنت اصغر هؤلاء الموظفين سناً ودرجة، فقد دأب الكبار من اعضاء اللجنة أن يخاطبوني: "اكتب الدرافت يا درش، وجيبوا للاجتماع عشان نناقشه". ثم بعد فترة لم يعد لدى أحد من اعضاء تلك اللجان روح او رغبة ليقرأ ويناقش، بل اصبح الخطاب يجاز بعد اول قراءة، واحياناً بدون قراءة، ثم يُرفع الى أعلى!
وفي آخر مرحلة من مراحل مايو لم تكن هناك لجنة لكتابة الخطاب. بل كان هناك شخصان فقط يوكل اليهما أمر صياغته. رئيسي المباشر نائب الامين العام الاستاذ عوض طه وشخصي. وكانت قسمة التكليف، كما رآها عوض، على النحو التالي: اكتب أنا الخطاب كله، ويتولى هو اختيار الآية او الآيات القرآنية الكريمة التي تأتي في مقدمته. وتلك لعمر الحق قسمةٌ ضيزى. ولكن عوض حبيبنا!
غير أنني شديد الاعتزاز بالخطاب الذي كتبته في نهاية فترة حكومة انتفاضة ابريل الانتقالية، متضمناً انجازات تلك الحكومة، والذي قرأه رئيس الوزراء الدكتور الجزولي دفع الله من على منصة قاعة الصداقة. وأحسب انه ربما ضاهى الخطاب الذي كتبه الراحل الكبير الاستاذ بشير محمد سعيد، والذي تلاه المشير عبد الرحمن سوار الدهب رئيس المجلس العسكري الانتقالي في ذات مناسبة تقديم كشف الحساب وتسليم السلطة!
وبطبيعة الحال فقد حرمتني الديمقراطية الثالثة من كتابة الخطب. إذ ان الإمام الحبيب لا يكتب له أحد، فالخطب كلها مكتوبة وجاهزة تحت عمامته. وهو يتحدث في كل شأن من شئون الحياة دون تحضير ودون إعداد، حديث الخبير العارف، فيتدافع العلم من رأسه كتدافع البخار من المرجل!
عموماً، لو بارك الله في الأعمار حتي العام 2015 فسترون وتسمعون العجب من الخطب الرئاسية البديعة. عندما أعود الى السودان وأكتب خطب خالي الرئيس القادم الفريق بكري حسن صالح!

نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)