غربا باتجاه الشرق

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


الحلقة الاولى:
في جمهورية كازاخستان مثل يقول "من علمني قيادة السيارة صرت له عبدا". والحقيقة أنني لم اكن اتوقع أن يصبح حبيبنا القيادي الجمهوري الدكتور عمر القراي عبداً لي لمجرد انني علمته قيادة السيارات. ولكنني بالقطع لم أكن اتوقع منه ان يشتمني مثل ذلك الشتم المقذع في سلسلة مقالاته التي نشرها مؤخراً!

وفي الحق أنني اجتهدت واخلصت في تعليم حبيبنا عمر قيادة السيارة، بعد أن تجاوز سن الأربعين. يشهد على ذلك صديقنا المشترك البروفيسور تيراب الشريف، حيّاه الغمام. كما تشهد شوارع وميادين مدينتى مينيابوليس وسانت بول عام 1995. حتي كدت ان افقد حياتي بسبب معاظلة القراي في الانصياع للارشادات. بل أن الخوف دهمني أن يتسبب صاحبي هذا في حادث يودي بحياتينا معا. وأنا، علم الله، لا أهاب الموت، ولكنني خشيت أن يخبط صاحبي السيارة خبطاً، ويعجنها عجناً، ويفرم جسدينا فرماً، فيختلط الامر على عزرائيل إذ يأتي لقبض روحينا، فيضعني مع القراى في نفس البرزخ الذي تحفظ فيه ارواح الجمهوريين. وأنا أعزّ أحبابي الجمهوريين واحترمهم جدا، بيد أنني افضل ان تودع روحي مع اخواني من اهل السنة والجماعة!

ضمن مادة زاويتي الخميس الماضي بعنوان (نحن وهيكل)، تعرضت في مائتين وواحد وتسعين كلمة لعلاقة الجمهوريين مع مصر، فكتب القراي يرد عليها في سلسلة مطولة من أربع حلقات! شرفني فيها بعدة ألقاب منها: (كاتب الزمن المكندك) و(كاتب الزمن الاغبر). ولا جديد هنا، فذلك من قبيل ما اعتدت عليه مما هو معلومٌ من (نضال المناضلين) بالضرورة!

ثم أنني رددت من قبل على مثل هذه الشتائم والاتهامات المكرورة، وقلت أنني أنحّي عن نفسي مسئوليتها لأنها تخرج عن ارادتي كبشر، فتلك مشيئة الله لا مشيئتي. ولو شاء، جلت قدرته، فقيض لي ميلاداً في القرن السادس عشر او السابع عشر لجئتكم كاتباً زاهياً باهياً في صحبة مونتسكيو وجان جاك روسو وفولتير وغيرهم من رموز عصر التنوير. ولكن الله قدّر في لوحه المحفوظ أن يكون مجيئي الى الدنيا في عصر الانقاذ (الأغبر) (المكندك)، في معية عادل الباز وضياء بلال وعبد اللطيف البوني والطاهر ساتي فما ذنبي أنا؟!

انضم القراي – ويا مرحى به - الى جيش (المناضلين) المتحسرين على اولئك القراء البؤساء الذين يستهلكون كتاباتي (مع انه هو نفسه يقرأها، بل ويرد على فقرتين فقط من عمود قصير لي في سلسلة مقالات مطولة)! ثم كتب، بعد ان جردني من قيمة الشرف: "إن الصحفيين الشرفاء لا تنشر لهم صحف حكومة الاخوان المسلمين، وإنما يمنعهم جهاز الأمن من الكتابة. ويمنع الصحف من النشر لهم".  واذا التبس عليك الأمر، أعزك الله، فإن (حكومة الاخوان المسلمين) المقصودة هي حكومة نظام الانقاذ القائم. كل ما في الأمر أن ساعة حبيبنا القراى ما تزال مضبوطة على أركان النقاش في عطبرة الثانوية وجامعة الخرطوم عند سبعينات القرن الماضي!

الذي لا خلاف عليه هو أن سجل (حكومة الاخوان المسلمين) في مجال الحريات الصحفية ليس مشرفاً بأي مقياس. ولكن الحقيقة التي مرية فيها أيضا، لأنها تشخص أمام كل عين، هي أن ذات الصحف - التي يتهمها القراى واشباهه من (المناضلين) بأنها تتبع جهاز الامن والمخابرات، او انها متواطئة مع الحكومة، او أن حزب  المؤتمر الوطني  ومنسوبيه هم الذين يقومون بتمويلها، تنشر هي نفسها يوميا كتابات جموع من الشرفاء الذين لا يحتاجون لشهادات القراي وصكوكه.

سبحان الله! أين يكتب وما هي الصحف التي تنشر عبر السنوات وحتى يوم الناس هذا كتابات عتاة المعارضين من اهل اليسار واهل اليمين، من خيرة المثقفين من أبناء هذا الوطن من سنخ كمال الجزولي وشقيقه مجدي الجزولي، والشفيع خضر، وعبد العزيز حسين الصاوي، والدكتور الطيب زين العابدين، والدكتور التجاني عبد القادر، والدكتور خالد التجاني؟ بل أين تنشر كتابات رصيف القراي الجمهوري، المثقف الرصين الدكتور النور حمد؟! هل تنشرها دير شبيغل ولوموند، ام تنشرها ذات صحف (حكومة الاخوان المسلمين)؟! ألم تر مقال الدكتور النور حمد، بجوار عمود الانقاذوي الاسلاموي راشد عبد الرحيم، يرصع صحيفة (الرأى العام) قبل يومين؟! ولما كان الحال والواقع هو ان كل هؤلاء المعارضين ينشرون مقالاتهم في ذات الصحف فإنني أود أن أسأل هذا الذي اتهمني بفقدان الشرف لان مقالاتي تظهر على صفحات (الاحداث) و(الخرطوم) و(الرأى العام):  هل كل هؤلاء الذين ذكرت أسماءهم فاقدين للشرف مثلي، أم أن فقدان الشرف قاصرٌ حصراً على شخصي الضعيف؟!

وما قولك في استاذ الاجيال محجوب محمد صالح الذي لا يكتب في (صحافة حكومة الاخوان المسلمين)، ولكن (حكومة الاخوان المسلمين) منحته ترخيصاً لاصدار صحيفة، عرفت تاريخيا بأنها صحيفة اليساريين والليبراليين والعلمانيين. وها هي تصدر يوميا منذ اكثر من عشر سنوات، ولكنها من أضعف الصحف توزيعاً، لأن (الشرفاء) أمثال القراى لا يشترونها ولا يقرأون كتابات الرمز الوطني اليساري محجوب محمد صالح. بل يفضلون اقتناء صحف (حكومة الاخوان المسلمين) ليقرأوا أعمدة ومقالات (كتّاب الزمن المكندك)!

الحلقة الثانية:
وأود في يومي هذا أن أستأنف فأسأل القراي: ترى هل علم أن الصحافي العلم فيصل محمد صالح لم يكتب قط منذ عاد الى السودان ضمن جموع المعارضة قبل اكثر من اثني عشر عاما في غير هذه الصحف، اسماً وذاتاً وعيناً؟ وأنه لم يحصل على الاعترافات الدولية وجوائز الشجاعة والنزاهة الا من خلال مواقفه وكتاباته في صحف محمد لطيف (صهر الرئيس البشير وصديقه)، وصلاح ادريس (وما ادراك ما صلاح ادريس)، وعادل الباز (أسكت ساكت). واخيراً وصلته أوشحة الغرب ونياشينه وهو بين ظهراني (الخرطوم)، صحيفة الدكتور الباقر احمد عبد الله (المرشح الدائم لوزارة الاعلام الانقاذوية). وحبيبنا فيصل في يومه هذا كاتب منتظم في تلك الصحيفة، يكتب زاويته الراتبة فوق صفحاتها على مدار الاسبوع. فبأى آلاء ربكما تكذبان؟!

في محاضرته أمام منتدي الصحفيين في واشنطن قبل أسابيع، وبعد أن نوه الى العقبات والقيود التي تكبل الصحافة في السودان، قال فيصل أن الصحافيين في الداخل لم يرفعوا أيديهم مستسلمين، بل انهم يواصلون مسيرتهم المهنية بيقين راكز وعزم وطيد. ثم لم يجد فيصل في نفسه حرجاً، فمضى قدماً دون ان يبالي، فقال أن الصحافة الراهنة في السودان رغم أطنان المثالب والعقابيل هي التي (فتحت أبوابها للنساء، بعيداً عن 'صفحة المرأة' ليصرن رئيسات تحرير ومديرات تحرير). وعندما سئل في المؤتمر الصحفي الذي اعقب تسلمه جائزة بيتر ماكلر عما اذا كان من الوارد ان تتسبب له الاحاديث التي يدلي بها اثناء وجوده بواشنطن في مشكلات أمنية عند عودته للسودان، أجاب بالنفي القاطع. وأضاف بأنه يقول ويكتب في السودان نفس ما يقوله عندما يكون خارج السودان!

وربما خيّب الرجل ظن البعض. ولكن فيصل رجل مبدئي لا يبحث عن التصفيق، وليست له إربة في التبذل الى أيٍّ من أدعياء المعارضة. والذين يقرأون كتاباته التي أوصلته الى الاعتراف الدولي يعلمون تمام العلم أنه ليس من كُتاب 'ما يطلبه المستمعون'. ولطالما مثل الرجل امام المحاكم ووقف في حضرة محققي الأجهزة الأمنية، فكان في كل مرة يعود الى ديوانه ليكتب مقال اليوم التالي. وأنا أرحب بصاحبي هذا في حذائي كتفاً بكتف، في قائمة الكتاب الصحافيين (عديمي الشرف) الذين يكتبون في (صحف حكومة الاخوان المسلمين) .. أو كما قال!

يحاول القراي - الذي امتطى صهوة الحصان العالي وانطلق في سهول الأسافير يوزع الصكوك، فيمنح ويمنع،  منصباً نفسه قيّماً على ضمائر الخلق-  يحاول أن يوحي للناس أنه هو الذي يرفض ويمتنع عن الكتابة في صحافة الداخل، لأنه (شريف) ولأن (الصحفيين الشرفاء) وبحسب نص كليماته (لا تنشر لهم صحف حكومة الاخوان المسلمين). وهو كاذب، يكذب حتى أسنانه، وأنا أستخزي له. وإنما سعى القراي بيده وظلفه للكتابة في صحف (حكومة الاخوان المسلمين). وحصل في زمن مضى على عرضين للكتابة فيها، فاستجاب لهما لفوره!

كان العرض الاول من السيد/ عبد الرحمن اسحق عضو برلمان النظام وعضو حزب  المؤتمر الوطني، وأحد أثرياء سودان ما بعد الانقاذ. السيد عبد الرحمن اسحق هو مالك صحيفة (الحرية) التي كتب فيها القراى لعهد طويل واستوفى اجور كتابته. أما العرض الثاني الذي استجاب له القراى فقد جاءه - صدق او لا تصدق - من صاحبي الكوز عادل الباز أثناء رئاسته تحرير جريدة (الصحافة).  وقد كتب القراي في تلك الصحيفة لعهد طويل وقبض ثمن كتابته أيضاً. وقد كانت (الصحافة) عهد كتابة القراي فيها، وما تزال، مملوكة للملياردير الانقاذوي الضخم وعضو حزب المؤتمر الوطني السيد/ صديق ودعة. ثم ماذا نقول بعد هذا؟!

الحقيقة التي لا مرية فيها هي أن القراي لا يكتب في صحف الداخل حالياً ليس لأنه (شريف)، او لأنها مملوكة لدوائر (حكومة الاخوان المسلمين)، ولا لأن جهاز الامن والمخابرات منعه من الكتابة. بل لسبب آخر أهون من كل هذا بكثير. وهو أنه، وبكل بساطة،  فشل في العثور على صحيفة تتعاقد معه لنشر مقالاته!

في عالم الصحافة الكلمة الاولى هي كلمة القارئ. وقد رأى الناس مرأى العين، وعايشوا معايشة لصيقة المعركة العلنية الصاخبة الذي دارت بين صحيفتي (الخرطوم) و(اليوم التالي) العام الماضي، حول ملابسات التعاقد مع الكاتب الصحفي الاستاذ عثمان ميرغني. وهي المعركة التي كسبتها الأخيرة، التي تقف اليوم في صدارة الصحف توزيعاً بسبب أعمدة عثمان التي يتطلع الى قراءتها آلاف القراء كل  صباح. وكتاب المقالات والزوايا والاعمدة الذين تستقطبهم الصحف وتدفع لهم مقابل كتاباتهم، يتحدد كسب كل واحد منهم  وموقع مادته في كل صحيفة بناء على قرار القارئ، لا قرار المالك أو رئيس التحرير.

وحبيبنا عمر القراي شق عليه ان يتقبل الحقيقة المرّة، وهي أنه لم يجد لنفسه موطئ قدم ككاتب مقال في ساحة الصحافة السودانية اليوم. وأنه ليست هناك صحيفة واحدة على استعداد لتدفع له ربع جنيه مقابل كتاباته، ولا حتي أن تتكرم عليه بمساحة للنشر. لأن انتاجه مكرور ورتيب وأجوف، ولأنه ليس هناك قارئ واحد على استعداد لشراء الصحيفة لمجرد انها تحمل اسمه بين كتابها!

وأنا أحمد للقراي أنه حين انطلق في سهول الأسافير ليوزع الاتهامات على من يكتبون في صحافة الداخل ويصفهم بأنهم عديمي الشرف، فإنه اكتفي بذلك القدر ولم يمض قدماً في الطريق الذي سلكه اصحابه من مناضلي الكيبورد. فقد بلغ الضيق ببعض اولئك ذرعاً وهم يرقبون ارتفاع أنجم من يمقتونهم ويكرهون أحشاءهم من الاعلاميين والكتاب الصحافيين ذوي المقروئية العالية والقبول الواسع، فوصموا شعب السودان بالجهل، وزاد بعضهم فوصفه بأنه شعب (واطي)!

وقد كان الاعلامي والصحافي الحسين بن خوجلي غصة في حلوق هؤلاء بأخرة. إذ انهالت على رأس حسين عبر  السنوات من تلال الشتائم وجبال السخائم من قبل ثوار الأسافير، من شاكلة القراي، ما يكفي لردم نهر النيل. وها هم اليوم حيارى واجمين، وكأن على رؤوسهم الطير، وهم يرونه يهب كما طائر الفينيق. ثم وهم يشهدون مئات الآلاف من السودانيين داخل الوطن وخارجه يحتشدون كل ليلة فيتحلقون حول شاشات التلفاز واشرطة اليوتيوب، ويصيخون السمع الى كل كلمة يقولها!

شعب السودان شعب حر، وهو سيد نفسه. يستمع لمن يريد، ويقرأ لمن يشاء، ولا وصاية لأحد عليه. فليلزم كل واحد مكانه، وليعرف كل جرذ قدره!

لن تُغن البذاءات والأباطيل ودعاوي الإفك التي يدعيها عمر القراي عنه من الله شيئاً. وكل من قرأ الكتابة على الجدران يعلم أن بلادنا مقبلة على تحولات تاريخية كبرى تنبسط معها مساحات الديمقراطية وتنداح الحريات العامة، وتبلغ مداها بإذن ربها. وسيتعين على القراي وأمثاله من المتشوقين الى مواقع الصدارة، والمتوسلين اليها بالتكذّب والتلفيق وانتحال المواقف، أن يثبتوا للاختبار في تلك السوح. عندما يُدعون ليعرضوا انفسهم وبضاعتهم على الناس في مناخات مفتوحة لا مجال فيها للتخليط والتفحيط واللجاج، والكلام المرسل عن الشرف، والتمحك في أجهزة الامن والمخابرات.
ويومئذٍ ساء صباح المُنذرين!
وفي القرآن: (وستبصر ويبصرون).

منير طه السروجي
شق علىّ، وعلى جمع غفير من أصدقاء الراحل العزيز منير طه السروجي، نبأ غيابه المفاجئ. تخرج منير في كلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم، وعمل في رئاسة مجلس الوزراء وأمانة البرلمان والقطاع الخاص، فكان من المحسنين في كل موقع ارتاده وخدم فيه بلاده. عرفت الراحل العزيز زميلاً كريماً وصديقاً وفياً. كما خبرته على مدار السنوات انساناً خلوقاً، شفيفاً، حكيماً، طيب السر والسريرة.  صادق مواساتي لرفيقة دربه الطويل الاعلامية الاستاذة فوزية محمد صالح. نسأل الله، لها ولأنفسنا، حسن العزاء والصبر على فقده الفادح الجلل. ونتضرع الى المولي جل وعلا ان يتقبله مع الصديقين في علياء الجنان، وان يجعل مقامه منها الفردوس الاعلي.

نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)