غربا باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

صديقي الجمهوري المقيم بولاية اوهايو، الدكتور عبد الله عثمان، لم يعجبه فيما يبدو ما كتبته في زاويتي الثلاثاء الماضية عن مصر والاخوان الجمهوريين وحالة المقت والعداء التي طبعت العلاقة بينهما،فبعث اليّ برسالة يوبخني فيها. وقد استهل رسالته قائلا: "شوف يا ود البطل، انا مما عرفت انو خالك الفريق بكري تربى في الاسكندرية عرفتك حتكون مُستلب لأولاد بمبة زيّو تمام"! وها أنا ابادر فأنفي هذه التهمة الشنعاء وأردها على أعقابها. واقول للدكتور عبد الله: أنا وخالي لسنا مستلبين، بل نحن (أولاد بلد نقعد نقوم على كيفنا / وفوق رقاب الناس مجرّب سيفنا)!

ولكن رسالة حبيبنا هذا ومبادلاتي الاليكترونية اللاحقة معه كشفت لي في ذات الوقت عن حقائق خفية شديدة الأهمية ألقت بأضواء كاشفة على خلفيات العلاقة بين الجمهوريين ومصر. خذ – يا هداك الله – هذا المثال عن نوع وطبيعة المشاعر التي كان الاستاذ محمود محمد طه يكنها لمصر: في أول زيارة ولقاء للصحافي والاذاعي السوداني نجيب نورالدين بالأستاذ محمود سأله الاستاذ عن اسمه فأجاب: " أنا عندي اسمين، نجيب وابراهيم". فرد الاستاذ على الفور: "خلاص حنقول ليك ابراهيم، لأنو نحنا ما بنحب المصريين"!

ثم أن الاستاذ محمود تحدث لتلاميذه عن مصر وأهلها فقال عنهم انهم "قوم متنطعون"، وأن "المصري كان دخل في الحولية يمرقها بلا روح". والحقيقة انني لم افهم المعني المراد هنا لضعف صلتي بالحوليات. وفي محاضرة مسجلة قال الاستاذ محمود: "حزب الامة حزب طائفي ونحن ضده على طول المدى. ولكننا نحمد لهذا الحزب تحديه لمصر"!

وقد زار الاستاذ محمود مصر مرة واحدة فقط، بيد أنها لم تترك في نفسه أي أثر ايجابي. ولا يذكر تلاميذه بشأن انطباعاته وذكرياته عن تلك الزيارة اليتيمة سوى شيئين.  الأول هو أنه اشترى عند وصوله القاهرة خريطة للمدينة واعتمد عليها اعتمادا كاملاً في تحركاته، وذلك تفادياً لسؤال الناس عن الاتجاهات والمواقع،بمظنة أن بعضهم قد يقدّم، وعن عمد، معلومات مضللة للسائلين بهدف تتويههم. أما الثاني فهو أنه تلقى دعوة للعشاء فلما ذهب الى المطعم وجلس تبين له ان ذلك المكان هو في حقيقة الأمر "كباريه بديعة مصابني" الشهير، فغضب وخرج من توه، وهو يردد بالانجليزية: This is a filthy place .

كما انه تحدث لتلاميذه عن (استاذية وتعالي المصريين)، ومنع بنات وأبناء الجمهوريين من الذهاب الى مصر للتعليم وألزمهم بالدراسة في السودان. كما أصدر عدداً من المنشورات عن (التدخل المصري في السودان). وكان يسمي أماكن وجود المهندسين والخبراء المصريين في جبل الأولياء وغيرها ب (المستعمرات المصرية). ومن أقوال الاستاذ: "سيأتي يوم يثأر فيه شعب السودان من المصريين". وقد جاء في كتابه الموسوم 'الشرق الاوسط':(ذهاب جمال عبد الناصر ضرورة تمليها مصلحة العرب خاصة ومصلحة البشرية عامة. فليذهب وليبارك الله للعرب في ذهابه). ويقول الجمهوري أحمد الحسين الحسن أنه عندما قرأ الكتاب ذهب الى الاستاذ وسأله عما اذا كان قوله هذا استقراء أم نبوءة، فرد الاستاذ بل هما استقراء ونبوءة معاً. يقول أحمد أنه قفل عائداً الى بيته، وما أن وصل حتى سمع المذياع يبث موسيقي حزينة ويعلن وفاة جمال عبد الناصر!

وبحسب الجمهوري خالد الحاج فأن الاستاذ ألقى محاضرة مساء الرابع من يونيو 1967 بنادي العمال بالخرطوم جاهر فيها بأن مصر والعرب سينهزمون في المعركة مع اسرائيل، فثار الشيوعيون والقوميون وهتفوا (محمود عميل صهيوني). وفي صبيحة اليوم التالي توالت اخبار الهزيمة النكراء.

وكان محمود يتحدث ذات يوم عن البلدان التي يعتقد انها ستقبل على الفكرة الجمهورية ولم يأت على سيرة مصر. وكان من بين الحضور ضيف مصرى فسأل: "طيب ومصر يا استاذ"؟ فرد محمود: "مصر الأزهر سيؤخرها بعض الشيء عن الالتحاق بالفكرة". وأضاف عن الأزهر: "سيأتي زمان تُوضع فيه على باب الازهر خشبة مكتوب عليها (هنا كان يدرس الجهل)"!

لماذا هذا المقت الزائد لمصر والتطرف في عدائها؟ في تقديري ان الاجابة قد تتأتي إذا علمنا أن عداء الاستاذ محمود لم يقتصر على مصر. بل أنه كان أيضاً يحث أتباعه على عدم القبول بعقود العمل في المملكة العربية السعودية خلال العصر الذهبي لفورة البترودولار في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وكان يقول لتلاميذه: "السعودية هواها فاسد"!

حتى إشعار آخر، فإن التفسير عندي هو أن عداء الاستاذ محمود وتلاميذه لمصر والسعودية انما هو في جوهره عداء ايديولوجي.كون مصر والسعودية كانتا (وما تزالان) تمثلان الرمزين الحييّن للاسلام الذي نعرفه نحن اهل السنة والجماعة،والذي يسميه الجمهوريون (اسلام الرسالة الاولى). وانما كان العداءإذن مصوّباً الى تلك الرمزية. اللهم الا اذا كان لأحبابي من الجمهوريين تفسير أفضل!

نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)