غربا باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الجزء الأول:
وددت لو أنه كان بوسعي أن أقف الى جانب حبيبنا السفير خالد موسى في شأن الخلاف الناشب حول موقفنا كسودانيين من التصريحات الاخيرة المثيرة للجدل التي أدلى بها مؤخراً الصحافي المصري الضخم محمد حسنين هيكل. وكان هيكل قد تناول بلادنا على نحو أثار حفيظة البعض في حديث أدلى به للإعلامية لميس الحديدي صاحبة البرنامج الذائع (هنا العاصمة) بقناة سي بي سي المصرية.


ولكنني بعد إجالة الفكر وإنعام النظر وجدت نفسي مضطراً للاصطفاف وراء حبيبنا الآخر الكاتب الصحفي عثمان ميرغني. إذ حمدت لعثمان أنه تجاوز منطق رد الفعل تجاه افادات هيكل الى ما هو اكثر شمولاً وأعمق بعداً في امر العلاقة مع مصر، فأتانا في شأنها برأىٍ مائز اتصف بالشجاعة والاصالة.


السفير خالد موسى مثقف من طراز رفيع، كما انه كاتب مبين، لكلماته سطوة ولحروفه رنين، كلما قرأت له ازددت به اعجابا. أما عثمان فإن سموق قامته في ميدان الصحافة مما يستغني عن البيان. نسأل الله ان  يجعل عطاءه فيها ذخراً لآخرته، أما في الدنيا فيكفيه أنه (يلهف) في مؤخرة كل شهر سبعة عشر مليون جنيه مقابل اعمدته التي لا يتجاوز عدد كلماتها أحيانا الثلاثمائة كلمة!

عندما فرغت من مطالعة مرافعة الاستاذ خالد موسى المطولة، التي بلغ عدد كلماتها ثلاثة آلاف ومائة وستون كلمة، والتي افرغ فيها وسعه ذمّاً لهيكل وتسفيهاً له وتكسيراً لعظامه، كان اول ما خطر ببالي أن استعلم عما اذا كان خالد قد بدأ حياته الفكرية في الاصل ضمن جماعة الاخوان الجمهوريين، ثم (تطور) بعد ذلك فانتقل الى جماعة الاخوان المسلمين، بمسمياتها السودانية الترابية المختلفة!

وكنت ولزمن طويل أحتار في سر بُغض الجمهوريين لمصر ورموزها واندفاعهم في الكيد لها والتشكيك في سياساتها. والاحباب الجمهوريون يتميزون في غالب امرهم   بالهدوء الرصين والترفق الرزين والتثبت المنهجي، الا في أمر مصر، فاذا جاء ذكرها ركبت رؤوسهم مردة الجن. وهو ذات الشئ الذي لحظته في سيرة خالد، عند مقارنتي لمرافعته اللاطمة ضد هيكل بسائر كتاباته الاخرى.

ولكن عماهة الجهل انقشعت وانبلج السر الذي استخفي عني زمناً طويلاً في شأن (عقدة) مصر عند الجمهوريين، بعد أن توغلت في قراءة كتاب (محمود محمد طه والمثقفون) لحبيبنا الاستاذ عبد الله الفكي البشير. إذ استبان لي كيف ان مرشد الجمهوريين الاستاذ محمود كان قد بادر مصر بعداءٍ مرير مستطير، فسفّه ثورتها، وعنّف قائدها جمال عبد الناصر وسخّف أعماله منذ اول يوم له في السلطة في مقتبل خمسينات القرن المنصرم، وقال عن مصر وسياساتها ما قاله وما لم يقله مالك في  الخمر. ثم ان الاحباب الجمهوريون يتهمون مصر بالتآمر عليهم، ويعتقدون أنها كانت وراء محاكم الردة وغيرها من الممارسات الكيدية التي استهدفت التنكيل بهم والقضاء على مذهبهم.

وقد استشففت استشفافاً من مطالعتي لكتاب صاحبي عبد الله الفكي البشير ان الاستاذ محمود كان يحس بالمرارة تجاه جامعة ام درمان الاسلامية، فبادرها بالعداء وحاربها وسعي الى اغلاقها، لا لشئ الا لاكتظاظها بالاساتذة المصريين، مثل رائد علم الاجتماع الدكتور على عبد الواحد وافي وغيره من علماء المحروسة الذين لم يستأنسوا بالفكرة الجمهورية فقعدوا لها كل مرصد.

وقد حاولت ذات يوم، إبان غفلتي وجهلي بالاسباب الحقيقية لموجدة الجمهوريين على مصر، أن أخفف من غلواء حبيبنا الدكتور النور حمد، القيادي الجمهوري وزوج ابنة الاستاذ محمود، الذي رأيته وقد سدر  في الزراية بمصر في متون سلسلة كان قد نشرها بعنوان (كيف أقصى الملتوون المستقيمين). فبعثت له برابط اليكتروني لأغنية على اليوتيوب للمبدعة السودانية نسرين هندي، تؤدي فيها ببراعة نادرة ومثيرة للدهشة اغنية (بتونس بيك) للفنانة الراحلة وردة. ولا أعرف من السودانيات من أدت اغنية مصرية على ذلك النحو من الاتقان والروعة. ولكن الدكتور النور رد عليّ قائلا انه استمع الى الاغنية بصوت نسرين، ثم قرر ان يضعها، أى نسرين، على رأس قائمة المُستلبين والمستلبات من عملاء مصر وعميلاتها في السودان!

ولهذا كله فقد خيّل اليّ عندما قرأت مرافعة السفير خالد موسى في مواجهة هيكل، أنها لو كانت قد خلت من اسم خالد ككاتب لها، وحملت بدلا عنه اسم الدكتور النور حمد، أو أيا من احبابنا الجمهوريين، لكان الامر متسقاً تماماً!
قاتل الله الاستطراد. ما دخل نسرين والجمهوريين بما نحن فيه؟! ما الذي أتي بنا الى حلة حمد ونحن نريد حلة خوجلي؟ ولكن لا بأس، والخير في ما اختاره الله. ولو نسأ الله في الآجال وأنعم علينا بنعمة العافية، فستجدنا – أعزك الله - مرابطين في هذه الزاوية أيام الأحد والثلاثاء والخميس، لنواصل حوارنا وكوارنا حول هيكل وافاداته، وحول غيره من القضايا!


الجزء الثاني:
مثلما يعاني بعضنا من نسب الكوليسترول العالية في الدم، كذلك تنتشر بين بعض المتعلمين السودانيين ظاهرة اضطرابية مشابهة وهي هورمونات (الوطنية السودانية) الفائضة عن الحاجة. ومثلما ينصح الأطباء أهل الكولسترول الزائد بالمشي والرياضة، فإن المصابين بهورمونات الوطنية الزائدة يحسون بحاجة الى نوع مشابه من النشاط يخفف عنهم تبريح النشاط الهورموني  المضطرب غير المرغوب فيه!

الروشتة الوحيدة المتاحة للتخفيف والتصريف عند هؤلاء فيما يبدو هي شتيمة مصر. في اى لحظة يحسون فيها الحاجة الى اثبات الوطنية وحب السودان ترى الواحد منهم وقد هب في خفة النمر ورشاقته وقفز فوق حائط مصر القصير، مفتعلاً الحمية لشرف السودان وعرضه المستباح، فيشتم المحروسة، شعباً ورموزاً وحكومة، شتماً منكراً. ثم يحس بعد ذلك بشئ من الراحة!

ولكن حبيبنا الكاتب المتميز عثمان ميرغني يحمد ربه ويشكر فضله، إذ عافاه الله من هذا الداء. كتب عثمان:"لو ظهرت مجرد تلميحات لاسم السودان في فيلم او مشهد تلفزيوني مصري عابر فإن ذلك يكفي لإثارة موجة عارمة من الغضب الكاسح .. ولكن غضبنا غضب سلبي عاطل"!

حتى الآن، بحسب متابعتي، فإن عثمان هو الكاتب الصحفي الوحيد الذي امتلك الجرأة ليرفع صوته ويقول بغير كثير حذر أنه لا يجد بأساً في العبارة التى صدرت مؤخراً عن الاستاذ محمد حسنين هيكل في برنامج لميس الحديدي بقناة سي بي سي وجاء فيها: " السودان ليس الا مجرد جغرافيا". وأنه لم ير فيها ما يستحق مهرجانات العويل والمناحات المنصوبة. ودعا المتعلمين السودانيين للتعامل مع كل رأى يُطرح في مصر بشأن بلادنا بدرجة من الوعي والموضوعية والثقة بالنفس. ثم خلع عثمان ملابسه وقفز في النهر، غير هياب ولا وجل، فكتب رأياً جوهره هو ان هيكل ربما كان محقاً في نهاية المطاف، وأن السودان كبلد ربما لم يكن في حقيقة الأمر سوى (جغرافيا) فقط لا غير!

وأنا آخذ على السفير الاستاذ خالد موسى أنه ركب مركب الشطط  فابتدر مرافعته الرائعة – وهي كذلك فعلاً - بهجمة مروّعة على شخص الاستاذ محمد حسنين هيكل كاد ان يجرده في معمعانها من كل قيمة، قبل ان يلج الى موضوع الخلاف. وقد ذكرني ذلك بحالة مشابهة. كنت في عهد كتابتي الراتبة في صحيفة (ظلال) في صدر التسعينيات قد حملت على الصديق الاستاذ حسين خوجلي الذي كان قد هجم هجمةً حانقة  على الهندي البريطاني سلمان رشدي، صاحب الآيات الشيطانية، وقال عنه انه كاتب فاشل لا وزن له ولا قيمة. وكان من رأيي أن سلمان رشدي يستحق  التقريع والتأديب، بل والضرب بالأحذية القديمة، لجرأته على مقام رسولنا الأعظم. ولكن تجريده على ذلك النحو ووصفه بأنه بغير وزن ولا قيمة فيه افتئات على الحقيقة ومفارقة لروح الموضوعية. لأن رشدي الذي تخرج في كيمبردج، فخر جامعات بريطانيا، كان له آنذاك اسم وصيت، بل انه كان قد حصل على جائزة بوكر العالمية عن كتابه الشهير "أطفال منتصف الليل"، فضلاً عن جوائز أدبية سامية اخرى.

ولذلك كله لم يعجبني احتفاء السفير خالد موسى في صدر مرافعته بكتاب (في تفكيك هيكل) للاستاذ الجامعي العراقي سيار الجميل الذي عدّ هيكل (متطفلاً على التاريخ السياسي). وأنه (مجرد صحفي وليس مؤرخاً سياسياً، مؤكداً أنه لن يقبل به طالباً في فصله لأنه لايملك المؤهلات العلمية الكافية)!

من هو سيار الجميل؟ هل سمع احدكم باسمه من قبل؟ سيرته الذاتية المنشورة على الشبكة تقول انه عمل استاذاً بجامعات عربية مثل الموصل والمستنصرية والزقازيق. عموماً فإن افادته بأن هيكل لن يُقبل في فصله الجامعي افادة صحيحة تماماً. ليس للأسباب التي ساقها، بل لأن الرجل ليس مؤهلاً بحسب الشروط المعتمدة للالتحاق بأى جامعة. هل تعلم، أعزك الله، ان هيكل ليست لديه شهادة جامعية، بل انه لا يحمل حتي الشهادة الثانوية العامة؟! محمد حسنين هيكل، صدق او لا تصدق، يحمل فقط شهادة تجارية متوسطة حصل عليها من مدرسة في مدينة الاسكندرية!

ولكن هيكل، الذي يحلو له ان يصف نفسه بأنه مجرد (جورنالجي)، يظل هو الكاتب الصحفي النجم الذي ظلت مؤلفاته تحتل مكاناً علياً في مكتبات النخب السياسية في العالم  لأربعة عقود من الزمان، والذي ترجمت كتبه الى اثنين وثلاثين لغة. وهو الذي قال عنه وزير الخارجية البريطاني الأشهر انتوني ناتنغ لبرنامج (صور شخصية) في البي بي سي في ديسمبر 1987: "عندما كان هيكل قرب القمة كان الكل يهتمون بما يعرفه، وعندما ابتعد عن القمة تحول اهتمام الكل الى ما يفكر فيه".

ونحن ايضا نهتم بما يعرفه وما يفكر فيه هذا الهرم السياسي والثقافي المصري، وبما يقوله عنا وعن بلادنا. وينبغي أن ننظر فيه باهتمام رزين .. وثقة بالنفس!


نقلاً عن صحيفة (الرأى العام)