غربا باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قرأت في خاتمة مقال بسطه كاتبه، وهو ناشط سياسي معارض، على الشبكة العنكبوتية، العبارة التالية: (الديمقراطية قادمة وراشدة لا محالة ولو كره المنافقون). تذكرت على الفور العبارة الأثيرة التي يختتم بها حبيبنا الاستاذ فتحي الضو مقالاته: (لا بد من الديمقراطية وان طال السفر). والصلة واشجة، بين الشعارين وبين عبارة مأثورة للامام الحبيب الصادق المهدي، جعلها عنواناً لاحدى مؤلفاته وهي (الديمقراطية عائدة وراجحة). وأنا أجد نفسي دوماً في حالة تأمل دائم حول ما عسى ان تحمله مثل هذه العبارات من معان، وحول الآمال والطموحات السوامق التي يعلقها الكل حول الديمقراطية، معشوقة الجميع!

الهدف والغاية النهائية المعلنة لكل نشاط معارض لنظام الانقاذ، الذي ظل مرابطاً كالطود في مكانه على مدى ربع قرن، هو استعادة الديمقراطية. ولو تم ذلك، بحسب ما هو معلن، فستنزاح عن بلادنا الغمة، وتنمحي وتغور الى الأبد أوضار الاسلاموية الغاشمة، ويرتد السودان الى كامل عافيته وعنفوانه.  لكأنها، أى الديمقراطية العائدة، شوربة البركة التي يصول الباعة الجائلون بزجاجاتها داخل عربات قطارات المترو في مدينة القاهرة، ويزينونها للراكبين بقولهم انها تشفي من كافة الامراض بلا استثناء، وأنها تعالج النسيان، وتفتح قريحة المخ، وتقوي الباءة، وتعيد الشباب!

ماهي الديمقراطية؟ هل هي الاحتكام الى صناديق الاقتراع وتفعيل مبدأ الخضوع للاغلبية، وقيام حكومات منتخبة انتخاباً نزيهاً، كما هو الظن عند بعضنا؟ الانتخابات الحرة المباشرة تظل بالقطع واحدة من مظاهر الديمقراطية في معناها الضيق. ولكن الديمقراطية في شمولها اكبر من ذلك بما لا يقاس. وافضل ما يتداوله الفرنجة في معاهدهم من تعريف لها يقول عنها أنها الاطار الذي ينظم بيئة ممارسة الحريات العامة في المجتمع، وفقاً لمنظومة من المبادئ والقيم والاعراف المستقرة.

التأسيس للديمقراطية وتثبيت قواعدها ليس واجباً حكومياً تقع مسئولياته لزوماً على الفريق الحاكم. بل هو دور مشترك تضطلع به كل الفرق. فما هو دور المثقفين والمتعلمين السودانيين تجاه مسئولية تعمير بيئة الممارسة الديمقرطية؟ صحيح ان العصبة المنقذة ظلمت واضطهدت واحتكرت وضيقت كل واسع. ولكن الحقيقة تظل أن ذات العصبة قد فتحت عبر السنوات أبواباً، أو قل هوامشاً، للحريات. إما عن رضا وتوكل على الله، تحسباً لعواقب وعقابيل تعلمها، أو اضطراراً وعلى مضض تحت ضغط الجهاد المدني المتواتر، وركوناً لمقتضيات رقابة المجتمع الدولي.

الديمقراطية في المفهوم العام تشمل عناصر اساسية منها سيادة القانون، واستقلال القضاء، وحرية الفكر والتعبير. ولكن المتفق عليه هو ان العنصر الاول والاكثر تأثيراً في مضمار تعضيد وتوطيد بيئتها يظل هو وجود مجتمع مدني ناضج وفاعل ومؤثر، يتولي مهمة التبشير بهذه القيم. ثم يقدم من من خلال الأداء الوطني المتميز النموذج والمثال لدور وواجب كل من نال حظا من التعليم في أن يكون رأس رمح  في معركة البناء الديمقراطي.
ولا أظن ان أحداً يكابر فينكر ان أبواب النشاط المدني  ظلت مشرعة عبر السنوات الخمسة عشر الاخيرة. ومن هنا كانت ظاهرة منظمات المجتمع المدني التي تناسلت وتكاثرت وانفجرت، حتي سدت علينا عين الشمس، داخل الوطن وفي المهاجر، فأصبح عندنا بين كل منظمة ومنظمة، منظمة. فماذا كانت الحصيلة؟ نعني حصيلة امتحان المصداقية الديمقراطية. وحركة المجتمع المدني تعتبر بالقطع مؤشراً لقياس مستويات نضوج الوعي الديمقراطي ومصداقيته.

حبيبنا الاستاذ كمال الجزولي (وهو لمن لا يعرفونه ليس عضوا في حزب المؤتمر الوطني، بل من رموز الحزب الشيوعي السوداني) قام مشكوراً بتصحيح أوراق عدد غفير من الجالسين لامتحان الوعي الوطني والمصداقية الديمقراطية، وكانت النتيجة مخيبة للآمال. بحسب كمال (راجع مقاله بعنوان "الجرح والقوس: منظمات المجتمع المدني والفضاء المعنوي للتغيير)، فإن جميع منظمات مجتمعنا المدني، إلا من رحم ربك، مصابة بحول البصر والبصيرة!

مشكلة كمال أنه مثل الفنان محمد منير، الذي غنى  كلمات صلاح  جاهين "الحلو اقولو يا حلو في عيونو" (حتي لا نستعين بالمثل الآخر الفاقد للحساسية). ولهذا فإنه لم يلتفت يميناً ولا شمالاً، بل كتب في حيثياته المستفيضة، بوضوح واستقامة لا عوج فيها، عن مآسي منظماتنا المدنية، وفي مقدمتها الانغلاق وغياب الشفافية وانعدام الممارسة الديمقراطية داخلها، بل وسيادة ذهنيات المافيا عليها في بعض الاحيان! فضلاً عن استئثار بعض رؤوسها (ممن يعكسون صورة "مناضلي" القرن  الجديد) بأمر المال، وتقاعسهم عن اتباع الاسس المحاسبية وغير ذلك من أساسيات التنظيم الديمقراطي الحديث!

أقر حبيبنا كمال بوجود (تمويل أجنبي خبيث)، وأن عددا مقدرا من منظمات المجتمع المدني تحولت، بسبب هذا النوع من التمويل (الخبيث)  الى محض كناتين ومشروعات اعاشة لاصحابها وذويهم، ومطايا للسياحة والأسفار.  بل انه لم يتردد فكتب: "إن بعض المنظمات أو الجَّمعيَّات أو المراكز ليست، في حقيقتها، غير حقيبة صغيرة تحت إبط "المالك" الذي يكون، عادة، لغفلته، آخر من يعلم أنه، بهذا، إنما يجعل من نفسه هدفاً لسخرية المانحين، أنفسهم، قبل غيرهم، فيطلقون على مؤسَّسته، تندُّراً، ما يُعرف، في دوائرهـم، بالـ "Brief Case NGO"، ويا له من وصف مُهين!"

وعلى حساب التكرار نقول، ان هذا التقييم لامتحان المصداقية الديمقراطية في واقع الممارسة لمنظمات مجتمعنا المدني (التي يعكس فرسانها صورة مناضلي القرن الجديد) في قول صاحبنا، لم يصدر عن كبير المؤتمروطنجية الدكتور نافع على نافع، ولا عن  كبير البصاصين والجلاوزة الجنرال محمد عطا. بل صدرت من مكتب وحاسوب حبيبنا الاستاذ كمال الجزولي، الرمز اليساري العتيد والقيادي الشيوعي المعارض المخضرم.  السؤال: ماذا سنفعل بالديمقراطية ان هي عادت ووجدتنا على هذا الحال؟

حديثنا عن الديمقراطية العائدة لم ينته، بل لعله لم يبدأ بعد!

نقلا عن صحيفة (الخرطوم)