غربا باتجاه الشرق


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


(1)
منذ وجد مقالي القصير ذي الستمائة كلمة بعنوان (حسن موسى للرجال خوسة) طريقه الى النشر، ظلت دنيا الأسافير، وزمرة من بعض أهل الأرض، تحبس انفاسها بانتظار ردة فعل حبيبنا فارس بني ثقيف الأشهب، نبي اليسار الجزافي، الذي يُقسم مريدوه وحواريوه بشرفه الماركسي. وأخيراً وبعد انتظار وترقب داما لبعض الوقت، خرج الدكتور حسن موسى وهو في كامل مشمشه، وقد ارتدى طواقمه ودروعه، وعلق أوسمته ونياشينه على صدره وكتفيه!
وما كان للفتى الجحجاح الا ان يخرج بعد ان هيأت له (السندريلا) ساحة النزال، وقدمت عروضاً متميزة فوق مسرح الأسافير، فهزت أعطافها وضربت أردافها وأنشدت أناشيد الحماسة، ودقت طبولاً لم تدقها هند بنت عتبة يوم اُحد. ثم أقسمت لقومها أن ما هي الا ايام وسويعات حتى يأخذ فارسها بناصيتي، فيخنقني ويفطسني، ثم يجز رأسي جزاً، فيشف صدرها، وصدور أخرى لا تعلمونها الله يعلمها. فأما المفتقر لربه فقد آوى الى زاويةٍ من أرض الله، فبلّ رأسه بالماء الطهور، ثم فرش الفروة وجلس من فوقها يتلو آيات من كتاب المسلمين، وينتظر قضاء الله وقدره!
(2)
دخل الشريف الماركسي حسن موسى الميدان بأن فتح ملفاً في موقع بني ثقيف الشهير، كعبة مثقفي الأسافير، بعنوان (في سيرة البصل)، صحّف فيه اسمي وحرّفه كما ترى. ولم تكن تلك بدايةٌ موفقة، إذ ليس من الشرف ان تحرّف أسماء الناس وتتعابث بها بغية النيل منهم تنابزاً بالألقاب. وأنا لا أزعم معرفةً حقيقية ب(الشرف الماركسي) وطبيعته وفحواه، وكنت أحسبه مثل الشرف الواحد الذي نخبره نحن المسلمون!
نبّه موسى حوارييه أنه سيبدأ المعركة برسوم كاريكاتورية، وذلك نهج قديم اعتاد عليه، فقد أوفى كيلي من قبل برسومه الشانئة. ثم وجه تحذيراً، تحت طائلة  القانون، يحظر على المنابر الاخرى نقل تلك الرسوم التي وعد بنشرها. ولكنه لم يوفق في الوفاء بعهده. أغلب الظن أن ثقته بجودة الاعمال التي صرف الليالي في تحضيرها تراجعت فنكص عن هذا الدرب. واخيراً فتح الله عليه فشرع في نشر سلسلة مقالات، في معرض الرد على كلماتي الستمائة. وقد بلغت كلمات السلسلة حتي ساعتنا هذه نحواً من خمسة آلاف، والحبل على الجرار!
الغريب أنه قرر في مقدمته، وهو يبيّن لحوارييه نهجه وخطته في الرد، أنه عزم على ان يتناول بالتحليل الظاهرة التي يشكلها مصطفى البطل باعتباره (أحد الأصوات العالية في جوق بروباغاندا البرجوازية الصغيرة العربسلامية التي انتحلت حق القوامة على شعب السودان من واقع امتيازها الطبقي). ثم أضاف وهو يؤمّن على منهجه وخطته: (بصفته الآيديولوجية الراهنة فهو [يعني البطل] يستحق أن نتأنى بالنقد و التحليل عند الضرورة السياسية التي تحفزه على الكتابة والتجدع الفاحش في فضاء العمل العام). ثم ختم مقدمته بأن طلب من حوارييه ان يصبروا عليه بعض الوقت لأن مثل هذا التحليل (الماركسي العميق) يتطلب التبصّر والتمهل!
ولكن مصير التحليل المتعمق الموعود آل الى ذات مصير الرسوم الكاريكاتورية التي كانت موعودة أيضاً. بدّل موسى رأيه مرة اخرى على حين غرة وبلا مقدمات. وفي فورة حالة نفسية يميزها الغيظ والوجع والارتباك، قرر ان يتجاوز الخطة المعلنة وأن يلجأ الى (عمليات  كوماندوز) انتقائية محدودة، يقوم خلالها باقتباس اكثر السطور ايلاماً ووجعاً في مقالي القصير فيرد على كل منها رداً مباشراً يجمع فيه بين سحر الكلام وسخرية المعاني عله يسترد بعض اعتباره، ويخلب في ذات الوقت ألباب حوارييه الأساري Captive audience، الجالسين القرفصاء على الارض تحت كيبورد حاسوبه. ثم لجأ أخيراً، بعد ان اشتد به الوجع، الى حيلة عوراء لم اكن اتصور ان يلجأ اليها الشريف الماركسي. كل ما استطيع أن أقوله عنها أنها شككتني في مفهوم (الشرف الماركسي)، بل لعلها بعثرته وبددته جملة واحدة، فصار أمام ناظري هباءً منثورا. وسأقف عندها في وقتها فأوفيها حقها.
(3)
تذكر، أعزك الله، أن صلب مأخذنا على حبيبنا (المفكر) هذا، كان هو خبال معاييره وسفه ادعاءاته وغيبة الاتساق الخلقي في الدور الذي انتحله وناطه بذاته الكريمة. والذي بموجبه قرر إخضاع جميع المثقفين السودانيين للتفتيش الدوري، لكأنهم مركبات لا يجوز لها ان تجري في مناكب الارض الا بعد التصديق لها وتجديد رخصتها وختمها بخاتم سيدنا الشريف الماركسي حسن موسى.
ولعلك تذهل لو عرفت ان هذا المفتش العام اوقف ذات يوم شاعراً سودانياً فطحلاً ليراجع رخصته، ثم قرر سحبها، وشتمه شتماً منكراً لأسباب منها شبهة تعامله، او ربما صداقته، مع الدكتور اسماعيل الحاج موسى وزير الاعلام في العهد المايوي. بحسبان ذلك ولوغاً في ماء الشمولية الآسنة، لا علاج له الا بالتأديب ثم إعادة التأهيل. كما أنه أمسك برقبة روائي سوداني شهير، فسحب رخصته هو ايضا وشتمه، ودعا حوارييه لضربه بالأحذية القديمة ففعلوا. كانت التهمة الموجهة له هي أنه (باع سرواله لنظام الانقاذ). وكان الروائي، ويا للهول، قد تسلم في احتفال حضره بعض كبار رجال الحكومة جائزة مالية من شركة زين نظير فوز روايته بالمركز الاول في مسابقة نهضت على أمرها هيئة ثقافية سودانية. وتلك خيانة عظمي لشرف النضال، إذ كيف يتسلم الروائي الجائزة من شركة زين؟ ألم يعلم ان مديرها الفريق الفاتح عروة عمل وزير دولة بوزارة الدفاع ثم سفيراً في عهد الانقاذ؟
هل تصدقني، أعزك الله، لو قلت لك ان المناضل الماركسي هذا عيرني  وقرعني ذات يوم لأنني عملت موظفاً في سلك  الضباط التنفيذيين بالخدمة المدنية السودانية، بعد ان اختارتني ووجهتني لجنة الاختيار للخدمة العامة ضمن خريجين آخرين، للعمل في الامانة العامة لمجلس الوزراء بالخرطوم، واتخذ من ذلك دليلاً على أن العبد الفقير ساقط ثليم الشرف؟!
(4)
على خلفية هذه النضالات كنا، في مقالنا ذي الستمائة كلمة، قد جابهنا المناضل الماركسي حسن موسى بما نملك من معلومات عن سيرته الذاتية. ومن ضمنها أنه بعد تخرجه من كلية الفنون الجميلة في النصف الاول من السبعينات لم يشأ ان يعمل معلماً للفنون في المدارس مثل زملائه الآخرين، بل رابط أمام وزارة الاعلام المايوية الشمولية متوسلاً الوسائل الى عوالم النجومية، حتى قيض الله له من أعانه على الحصول على وظيفة في تلفزيون النظام في عز سنوات الهجمة النميرية على الشيوعيين السودانيين (الماركسيين الشرفاء)!
وان كان صاحبنا قد عاظل معاظلةً شديدة فأنكر رواية ثبتها اثنان من زملائه السابقين بالتلفزيون، بالاضافة الى قيادي من معاصريه بوزارة الاعلام المايوية عن جائزة مالية تسلمها بأمر مباشر من (الطاغية الدكتاتور) الذي كان قد اعجب بتصميمه لشعار برنامج  تعبوي سياسي، فإن الانكار لم يعد ذي فائدة. لأن موسى أقر بأنه كان يقوم بالفعل بمثل هذه الاعمال بحكم وظيفته، ثم كتب بخط يده: (لو كان تصميم شعارات البرامج في ذلك الوقت من ضمن مسئولياتي المهنية لما ترددت في تصميم شعار لبرنامج يتحدث فيه رئيس الجمهورية، بمكافأة او بدون مكافأة)!
ثم ان السيرة الذاتية للمناضل الشريف الماركسي تقول أنه عمل وبمطلق ارادته واختياره حولين كاملين في إعلام الاتحاد الاشتراكي، فخدم مايو واعلامها وصحافتها وتنظيمها السياسي، وتسلم المكافآت والاعطيات عن خدماته. وعندما جوبه صاحبنا بهذه المعلومات لم يكن بوسعه انكارها، ولكنه قدم دفعاً مثيرا للرثاء، اذ كتب ان اللواء عوض احمد خليفة، القيادي المايوي، كان قد فصله من عمله لاتهامه بالشيوعية، بعد عامين من الخدمة، وقدم شاهداً على ذلك  الدكتور خالد المبارك المستشار الاعلامي الحالي بسفارة السودان بلندن. لم يترفع صاحبنا المناضل إذن عن الوظيفة عن موقف ومبدأ وشرف ماركسي، بل أنه طلبها وشغلها وعض عليها بالنواجذ، وما فتئ يرتع من خيرها حتي صرفوه. ولولا ذلك لكان قد اصبح من فلول الاتحاد الاشتراكي الذين حاصرتهم انتفاضة ابريل 1985.
ثم ماذا نقول بعد هذا في شأن (المفتش العام)، هذا الموسى الذي يحمل موساه بيمينه ويقف في الشارع العام يبحث عن المثقفين المتهمين بممالأة الانظمة الشمولية ليطهرهم؟!  
(5)
ثم واجهت المفكر بمزاعمه المجلجلة أنني دعوته الى (محفل من محافل الانقاذ) وأنه رفض واستنكف (بسبب شرفه الماركسي طبعا). ثم كتب متكذباً أن (البطل مواظب على دعوتي لمحافل الانقاذ). وقد بينا أنه لم تكن هناك محافل للانقاذ ولا من يحزنون، وانما كانت الدعوة للمشاركة في معرض للرسم التشكيلي (تقيمه هيئة اليونسكو في معهد العالم العربي بباريس). تلعثم صاحبنا في مبتدأ الأمر فدخل في لجاج دائري حاول من خلاله اثبات ان معهد العالم العربي في باريس لا يتبع اليونسكو بل يتبع الحكومة الفرنسية، وهو ما لم يكن موضوعا للخلاف اصلاً. ثم توقف بعد أن اكتشف ان ذلك لا يفيد قضيته، لأن تبعية المعهد للحكومة الفرنسية لن تجعل منه محفلاً للانقاذ!
ولكن ابن آدم لا يُعييه شئ، فما بالك اذا كان ابن آدم هذا شريفاً ماركسياً يقسم حواريوه بشرفه الماركسي؟ وهكذا هرش المفكر رأسه ثم أتانا بتفسير فريد لكذبته البلقاء، لم يسبقه عليه سابق ولا أظن ان يلحقه اليه لاحق. ولا ألوم الرجل وهو يماري ويكابر وقد أخذت منه العزة بالإثم كل مأخذ، فأنا أعرف طبيعته ومدي الهوان الذي يحس به وهو يُعرض أمام الحواريين لحساب مهين كهذا!
زعم المفكر في معرض تفسيره لدعواه ان هيئة اليونسكو شأنها شأن كل وكالات ومنظمات الامم المتحدة يقوم نظامها على مؤتمرات عامة تضم ممثلين لكل حكومات العالم، ومن بينها السودان. وبما ان السودان بهذا المعني القانوني عضو في مجلس اليونسكو (مثل دول العالم المستقلة الاخرى) فإن ذلك يجعل من تلك الهيئة الدولية (محفلاً من محافل الانقاذ). أي والله. هكذا!
وأنا إذ اشكر الدكتور حسن موسى على اشاعة هذا العلم النوراني الذي خصه به ماركس في نسخته الفرنسية، فإنني لا أدخر وقتاً لأناشد جميع احبابي المناضلين المعارضين الشرفاء لنظام الانقاذ من العاملين في هيئات الامم المتحدة ووكالاتها، والهيئات الدولية الاخرى التي يشارك السودان في مؤتمراتها ومجالسها العامة، كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فضلاً عن جميع المنظمات الاقليمية كجامعة الدول العربية والاتحاد الافريقي، أن يتقدموا باستقالاتهم فوراً من وظائفهم، بعد ان حصحص الحق على يد مفكرنا موسى، وتبين ان هذه المنظمات لا تعدو في حقيقة أمرها ان تكون (محافل للانقاذ)، شأنها شأن اليونسكو. وأوصي هؤلاء الأحباب بالمسارعة حيث أن التجديد السنوي لرخص النضال سيبدأ في يناير 2014 !
(6)
أضحكتني واحدة من عمليات الكوماندوز الفدائية لحبيبنا المناضل حسن موسى، ووجدت فيها من الطرافة ما خفف عنيّ وعثاء قراءة مرافعاته الطويلة. كنت قد كتبت انني ارحب بوصف الكاتب (المعارد) الذي أطلقه عليّ، فاهتبل صاحبنا الفرصة وكتب مدّعياً ومباهياً ببأسه الثقافي، بأنه هو الذي سك هذا التعبير: (لو راجعت كتاباتي في موضوع 'المعاردة" لوجدت ان عبارتي هذه قديمة... الخ). يعني بذلك أنه لم يوظف تلك الكلمة (وقد اسماها مصطلح) خصيصاً في وصفي، وان اجتهاده في سكها وتأصيلها قديم. ولا بد ان كثيرين تبسّموا مثلي وهم يقرأون كلمات صاحب الشرف الماركسي الذي (يلفح) كل ما حلا في عينيه وينسبه لنفسه. الحقيقة التي يعرفها الآلاف هي ان كلمة (معاردة) و(معارد) وردت لأول مرة، ثم ارتبطت منذ العام 1998 بكتابات الاعلامي محمد محمد خير (لم يكن منبر بني ثقيف قد ولد في ذلك العهد). وكان الاخير قد قام بصناعتها وتكرار استخدامها في عموده (أقاصي  الدنيا) منذ عهد صحيفة (الفجر) التي كان يصدرها من العاصمة البريطانية لندن الصحافيان السودانيان يحي العوض وصديق محيسي في تسعينات القرن الماضي. واتفق ان شيخنا الدكتور عبد الله علي ابراهيم كتب مقالا شهيراً تحت عنوان (ع: عارد) في ذات الفترة الزمانية جاء فيه:( بطل عندي تقسيم الناس الى حكومة ومعارضة منذ قيام دولة الانقاذ، ولذا سعدت جداً حين استقدم الاستاذ محمد محمد خير مصطلح "المعاردة" في وصف مآل السياسة في تحالف عبد العزيز وتيسير.. ولهذا كان فرحي بمصطلح "معاردة" لأنه يميز المعارضين الرسميين للإنقاذ ..الخ)!
(7)
ما هي المشكلة؟ ما الذي أتى بنا الى هنا؟ سيدهشك ان تعلم – أعزك الله – أن جوهر هذه المعركة التي ابتدرها حسن موسى هو العلاقات العامة. الدافع الأساسي وراء المقال الأصل الذي كتبه الشريف الماركسي بعنوان (ماذا نصنع بالبطل) يتصل في جوهره بملابسات كارثة علاقات عامة أحدقت بالرجل عقب زيارة له للعاصمة الامريكية واشنطن. كان المقال جزءاً من حملة (داميدج كونترول) أراد من ورائها موسى ان تكون عوناً له في ترتيق صورته التي تضعضعت في اعقاب ما عرف في الدوائر المهجرية الغربية ب (كارثة فيديو كوستاوي).
الدكتور حسن موسى شديد الحرص على صورته أمام حوارييه كمفكر قيادي. غير أن الذي أحفظه علينا هو أننا لم نر فيه الا واحداً من مئات السودانيين الذين أقاموا في اوربا منذ زمان قديم، وكادت ان تقتلهم قسوة الحياة الباردة الرطبة المحايدة والرتيبة، ثم جاء انقلاب الانقاذ ف(وقع لهم في جرح). قدمت العصبة المنقذة بانقلابها على  الديمقراطية في 1989 لأمثال حسن موسى على طبق من بللور فرصة ذهبية لاصطناع وتكلف ما يسميه الفرنجة (سنس اوف بيربوس). وهكذا تحول هؤلاء بين غمضة عين وانتباهتها من متسكعين يطاردهم الملل، الى ثوار وأبطال ومناضلين ومفكرين وماركسيين شرفاء ذوي قضايا عليا. وهل هناك قضية أعلى وأسمى من النضال ضد الشموليات والدكتاتوريات؟
هذا مع ان صاحبنا لم يناضل يوم أن كان النضال فرض عين. إذ اختار (الماركسي الشريف)، كما كررنا، أن يجول في ردهات وزارة اعلام النظام المايوي الشمولي ويصول في ردهات اعلام الاتحاد الاشتراكي، في الزمان الذي كان فيه (الماركسيون الشرفاء) معلقين على أعواد المشانق، والرفاق يختبئون تحت الأرض، والنظام ينكل بهم تنكيلاً!
(8)
يعرف كثيرون مثلي عن حبيبنا حسن هذا أنه على اكمل استعداد لفتح (خشم البقرة) بحثاً عما يؤمن ويحفظ له بهاء صورته كمناضل مبدئي في أنظار المريدين. وهو ما فعله في اطار سجالاتنا هذه عندما نشر بعض المراسيل الخاصة التي جرت بيني وبينه، يبتغي تعزيز تلك الصورة!
دهشت عندما قرأت عند الشريف الماركسي العبارة التالية: (خبرت البطل ومكالماته ورسائله). ولفظة (مكالمة) تعني الحديث المباشر عبر الهاتف، ولا تحتمل اي معني آخر. هناك رسائل نعم، ولكن لم يحدث قط ان كالمت الرجل.  كانت المرة الوحيدة التي سمعت فيها صوته في حياتي هي تلك التي استمعت فيها الى (فيديو كوستاوي) الكارثي المار ذكره. غريبة. لماذا يدعي الرجل انني حادثته هاتفياً؟  ولكنني استبعدت تماماً ان يلجأ رجل في مقامه الى نسبة أحاديث هاتفيه لشخصي بحثاً عن نصر رخيص. ذلك لا يجوز من رجل حسيب ذو نسب ماركسي شريف!
ولكن الرجل قام بنشر محتويات مراسلات خاصة بيننا. وقد احترت بعض الوقت في ما عسى ان يكون الدافع وراء النشر، حتي أتاني بالأخبار من لم أزود فصعقت وصعق الشرف الماركسي!
أهل الاستبصار والنفاذ الى جواهر الامور ممن نظروا في السبب الذي اورده المناضل الكبير لخطوته بنشر الرسائل لا بد انهم اكتشفوا بغير عناء انه سبب مصطنع تماماً وبلا ساقين. كتب المناضل وهو يفتعل الغضب: (أنا محتار في السبب الذي حفزك على ركوب هذه المخاطرة المهلكة التي تنوه فيها بما دار في مراسلاتنا الخاصة). لاحظ أن التهمة هنا هي انني (نوهت). مجرد التنويه بوجود رسائل خاصة (مخاطرة مهلكة) وعاقبتها هو ان يقوم احد الطرفين بنشرها كاملة!
والذين تابعوا السجال، من ذوي القدرة على التمحيص، لا بد أنهم لاحظوا أن الذي (نوّه) بالمراسلات الخاصة لم يكن أنا، بل كان الشريف الماركسي ذات نفسه. فهو الذي استغلها فكتب في مقاله الاول بعنوان (ماذا نصنع بالبطل) انني راسلته وواظبت على دعوته لحضور (محافل الانقاذ)!
وكان ردي عليه في مقالي بعنوان (حسن موسى للرجال خوسة) هو أن الرسائل التي (نوّه) هو اليها في مقاله، لم تشتمل على دعوة لمحافل الانقاذ، وانما تضمنت دعوة خاصة من السفير الدكتور خالد فرح للمشاركة في معرض للرسم التشكيلي تقيمه هيئة اليونسكو في معهد العالم العربي بباريس، وأنه اعتذر عن المشاركة اعتذاراً لطيفا بسبب وجوده في الصين. فقط لا غير. لا اكثر ولا أقل. كلمة منه ورد غطاها مني. لم يكن هناك حرف واحد يزيد على هذين السطرين من جانبي في مورد (التنويه). ومقالي مبذول بالمجان على بعد نقرة فأر لمن أراد أن يستوثق!
ولا بد أن المستبصرين، القادرين على التمحيص، قد تنبهوا أيضاً الى أنه لم يكن هناك أساساً غموض او التباس او نزاع من أي نوع يمكن ان يحله نشر الرسائل. إذ أن الرجل في الأساس لم ينكر كلمة واحدة مما جاء على قلمي، بل أنه اوجد تبريرا للمقولة الوحيدة اليتيمة المنسوبة اليه في سطوري القلائل، فحواه ان اليونسكو تعتبر في نظره محفلا من محافل الانقاذ. جميل. أين اذن الالتباس؟ أين النزاع؟ أين الغموض الذي يمكن أن يزيحه نشر الرسائل؟!  
(9)
استغربت كون حسن يحتفظ برسائلي القديمة في ملفات خاصة على توالي السنوات. لا بد أن لي وزناً اعلى بكثير مما كنت أظن عند صاحبي هذا. أما أنا فقد محوت هذه الرسائل منذ عهد طويل. ولكنني تذكرت انه كان هناك مسارين للحديث في تاريخين مختلفين بيني وبين الرجل. الاول يتعلق بدعوة له للالتقاء بصديقي الدكتور خالد فرح في باريس، لا بصفته الرسمية، بل بصفته الشخصية وموقعه كمساهم في الحركة الثقافية ومهتم بالفنون، ثم لكون كليهما، خالد وحسن، ينتميان وينحدران من مدينة واحدة في السودان. والسودانيون في ديار الاغتراب يحبون التلاقي مع اولئك الذين تجمعهم بهم الأواصر المشتركة. أما المسار الثاني فيتعلق بالدعوة الى المشاركة في معرض تقيمه اليونسكو. غير أنني تنبهت وأنا اطالع الرسائل، بعد ان نشرها صاحبي هذا، الى شئ بدا لي غريباً!
كنت أذكر تماما ان اعتذار حسن عن المشاركة في معرض اليونسكو وردت فيه الاشارة الى وجوده في الصين وعبارات اخرى علقت بذهني. غير ان الجزء الذي نشره الرجل لم ترد فيه تلك العبارات، بل تضمن سطوراً اخرى بدت لي غريبة ولم تنقر عندي على جرس!
لو كان موسى قد اعتمد على ترجيح ظني بأنني لا احتفظ بالرسائل القديمة كما يفعل هو فتصوره صحيح. ولكن ماذا يكون الحال لو ان لك صديقاً مقرباً، مثل الكاتب الصحافي محمد عثمان ابراهيم، كان قد اطلع على هذه المراسلات واتفق انها ما تزال موجودة في صندوق حاسوبه؟ هذا ما يسمونه (الحظ السيء) يا شريفنا الماركسي؟ حظك انت، لا حظي أنا!
ذهلت عندما استخرج صديقي الاستاذ محمد عثمان ابراهيم ذات الرسائل من حاسوبه وقارنها بما هو منشور، فاستطعنا معا ان نحدد على وجه التدقيق تعديلاً طفيفاً ادخله  الشريف الماركسي وأظهره وكأنها جزء من المراسلات. الحق ان الرجل، بارك الله فيه، لم يبدل في الاجزاء الخاصة بي فأوردها بتمامها. ولكنه بدل فيما يليه هو من حديث، حيث أضاف على لسانه أسطراً لم تكن في المراسلات الاصلية حملتها هذه العبارات: (ولكن يا مصطفى ما نفع الجدارة والاحترام وكافة المعاني التي نعزها كسودانيين ان لم تحفزنا على معارضة السلطان الجائر بأيدينا والسنتنا وبقلوبنا .. نحن ما عندنا طريقة واصحابنا معتقلين ومعرضين للزبانية والرباطين نمشى نقعد نتناقش في قضايا الفن والادب). كانت تلك هي السطور التي اضافها الرجل في مقام الاعتذار بعد ان حذف السطور الاصلية التي كان قد حدثني فيها عن الصين!
(10)
لماذا الحذف والأضافة؟ ما هي الفائدة التي تعود عليه من اصطناع سبب وهمي للاندفاع الى نشر رسائل خاصة، ثم يبدل بعض كلماتها تبديلا؟! أعتقد أنني أعرف السبب، لأنني خبرت صاحبي هذا ردحاً من الزمان، واعرف امثاله واعرف كيف يفكرون. ولا تراودني ذرة شك في أن العبارات، التي انتحلها موسى ودسها في رسالته بأثر رجعي، موجهة بالأساس الى مريديه وحوارييه. فهي في نهاية المطاف (شغل علاقات عامة)، الغرض منه تزكية نفسه كمناضل قيادي عتيد، وتعضيد صورته كمعارض مبدئي شديد البأس.
أراد الرجل المريض بالعظمة ان يعرف حواريوه تفصيلاً كيف ان سفير السودان في باريس سعى الى ملاقاته والتعرف عليه، وأرسل له عن طريقي دعوة للمشاركة في معرض تشكيلي. وانه اتخذ أزاء الدعوة موقفاً بطولياً باسلاً جديراً بالتسجيل، ورد عليها بكلمات مزلزلة. مسكين، لم يستطع الرجل ان يقاوم اغراء نشر الرسائل الخاصة واستغلالها في حملته الدعائية، رغم تمام علمه ان فعلاً كهذا يعيب الرجال، ويبدد الثقة فيهم، ويذهب بمصداقيتهم، ويقدح في معدنهم.
(11)
هل صعقت وانت تقف على هذا المصاب الجلل؟ هل أصبت بخيبة أمل فادحة؟ وأنا أيضاً. ولكنني اقسم لك - أعزك الله - بأنه لم يخطر لي على بالٍ قط ان سيأتي يومٌ أرى فيه هذا الشريف الماركسي يأتي أمراً مستقبحاً مستقذراً كهذا، يأباه الضمير الحر وتمجه الفطرة السليمة. ولكن ماذا بوسعنا أن نفعل، فهذا رجلٌ لا يبالي أن يمتطي ظهر التيتل في سبيل المجد الاسفيري!
هيا أيها النبي الكاذب، انزع عن صدرك هذه النياشين الزائفة والاوسمة التالفة. صنيعك الأبطح هذا لا يشبه (الشرف الماركسي)، لو صح ان للماركسية شرف!

نقلا عن صحيفة (الخرطوم)